بيان غير مشترك من الفصائل: نحن بخير… التأثير تحت الصفر بقليل!
في مشهد سياسي شديد التعقيد، ومليء بالاجتماعات والبيانات والتصريحات المتبادلة، أصدرت الفصائل الفلسطينية بيانًا غير موحد يؤكد أن "الواقع السياسي بخير"، وأن "الدور الوطني مستمر"، وأن "التأثير ما زال قائمًا"... رغم أن أحدًا لم يحدده منذ فترة.
لكن على الأرض، يبدو أن المشهد أكثر هدوءًا من اللازم… لدرجة أن المواطن أصبح يتابع السياسة كما يتابع إعادة مسلسل قديم؛ يعرف النهاية مسبقًا، ويشاهد التفاصيل فقط من باب العادة.
الفصائل: حضور قوي في الخطاب… وغياب أوضح في التأثير
في الوقت الذي تمتلئ فيه القاعات بالاجتماعات، وتزدحم المنصات بالتصريحات، وتُصدر البيانات بشكل دوري يشبه نشرات الطقس، يبقى السؤال الصامت: أين ينعكس كل هذا على حياة الناس؟
الإجابة – بحسب الشارع – بسيطة جدًا: في مكان آخر… غير واضح المعالم.
فالتأثير السياسي، كما يراه المواطن، انتقل من "تغيير الواقع" إلى "شرح الواقع"، ثم إلى "التعليق على الواقع"، ثم إلى "تفسير لماذا لم يتغير الواقع".
المواطن: من متلقٍ إلى محلل سياسي بدوام كامل
المواطن الفلسطيني، من فرط التكرار، لم يعد يحتاج إلى خبراء تحليل سياسي.
فهو يعرف مسبقًا ما سيقال في أي بيان: "نؤكد على الثوابت... ندين... نحذر... نتابع... نحمّل المسؤولية... ونؤكد مجددًا."
حتى أصبح البيان السياسي يشبه وصفة جاهزة، تختلف فقط في ترتيب الجمل، بينما النتيجة النهائية واحدة: لا تغيير ملموس في الحياة اليومية.
النقابات... هل خرجت في إجازة مفتوحة؟
وفي زاوية أخرى من المشهد، يبحث المواطن عن النقابات، فلا يجد سوى لافتاتها القديمة وصفحاتها على مواقع التواصل.
فالعامل ينتظر من يدافع عن عمله، والموظف ينتظر من يطالب بحقه، والخريج ينتظر من يتحدث عن مستقبله، لكن الصوت النقابي أصبح خافتًا، حتى ظن البعض أن النقابات دخلت في "العمل عن بُعد"، فلا تُرى في الميدان إلا في المناسبات والانتخابات.
حتى إن بعض المواطنين باتوا يعتقدون أن وظيفة النقابة أصبحت إصدار بيانات التهنئة أكثر من قيادة المبادرات والدفاع عن المنتسبين إليها.
التأثير: في الهامش… أو ما دونه
في الواقع، يبدو أن تأثير الفصائل انتقل من مركز الفعل السياسي إلى هامشه، ثم إلى الهامش الإضافي، وربما إلى "الهامش الافتراضي".
فلا تغيير في الاقتصاد، ولا اختراق في الأزمات اليومية، ولا قدرة واضحة على التأثير في تفاصيل الحياة التي تشغل المواطن من الصباح حتى آخر الليل: عمل، وراتب، وتنقل، وتعليم، وأسعار.
السياسة كطقس يومي
السياسة في المشهد الحالي أصبحت أقرب إلى طقس يومي؛ يُقرأ، ويُتابع، ويُحلل... ثم يُنسى حتى إشعار آخر.
والفصائل، بكل أطيافها، تبدو حاضرة بقوة في "اللغة السياسية"، لكنها أقل حضورًا في "النتيجة السياسية".
بين الخطاب والواقع... فجوة تتسع بصمت
المفارقة أن الخطاب السياسي لا يزال قويًا، حادًا، ومليئًا بالمصطلحات الكبيرة، بينما الواقع يمشي في اتجاه آخر تمامًا: بطالة، وأزمات مالية، وانغلاق فرص، وضغط معيشي متزايد.
وفي المنتصف، يقف المواطن محاولًا فهم كيف يمكن لكلمات كبيرة جدًا أن تنتج تأثيرًا صغيرًا جدًا.
الحل... أقل بيانات وأكثر أفعالًا
ربما لا يحتاج المشهد الفلسطيني إلى بيانات جديدة بقدر ما يحتاج إلى مراجعة شجاعة، مراجعة تعيد للفصائل دورها بين الناس، وتعيد للنقابات استقلاليتها وحضورها، وتفتح المجال أمام الشباب، وتربط العمل السياسي بقضايا المواطن اليومية: الوظيفة، والراتب، والتعليم، والصحة، والاقتصاد.
فالناس لا تبحث عن خطاب أكثر بلاغة، بل عن أثر أكثر وضوحًا، ولا تريد أن تسمع من يدافع عنها فقط، بل أن ترى من يعمل معها، ويحاسَب على أدائه، ويقيس نجاحه بما تغير في حياة الناس، لا بعدد المؤتمرات أو البيانات.
تأثير سياسي يحتاج إلى إعادة تشغيل
في النهاية، لا أحد ينكر وجود الفصائل، ولا دورها التاريخي، ولا ثقلها الرمزي، لكن السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم بصراحة لاذعة:
إذا كان التأثير موجودًا... فأين يذهب قبل أن يصل إلى حياة الناس؟
ربما يحتاج المشهد السياسي إلى "إعادة تشغيل"، لا لإعادة إنتاج الخطاب... بل لإعادة وصل الخطاب بالواقع، وإحياء العمل النقابي والمجتمعي، واستعادة ثقة المواطن بالفعل قبل القول، وإلى ذلك الحين، يبقى التأثير... في وضعية "غير مرئي... لكنه مُعلن."