حماس... حين يصبح الخطاب بديلاً عن مراجعة التجربة
ما تزال حماس تقدّم خطابها السياسي وكأن تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية يبدأ من تجربتها وينتهي عندها، فيما تُكثر من اتهام حركة فتح بأنها أسيرة الماضي. غير أن القراءة الموضوعية لمسار القضية الفلسطينية تقود إلى نتيجة مختلفة؛ فالحركات الوطنية تُقاس بقدرتها على قراءة موازين القوى، والتكيف مع المتغيرات، وصون مصالح شعبها، لا بمجرد التمسك بالشعارات.
لقد تعاملت فتح، بصوابها وخطئها، مع تعقيدات كل مرحلة سياسية، وسعت إلى انتزاع ما أمكن من مكاسب وطنية في ظل اختلال موازين القوى، وكان اتفاق أوسلو أحد تلك المحطات التي أفرزت، للمرة الأولى، كياناً سياسياً فلسطينياً ومؤسسات وطنية على الأرض الفلسطينية. والمفارقة أن حماس، التي تدعو اليوم إلى إلغاء الاتفاق، شاركت في الانتخابات التشريعية التي نشأت في ظله، واستفادت من البنية السياسية والمؤسساتية التي أوجدها، قبل أن تأتي الإجراءات الإسرائيلية لاحقاً لتقوض كثيراً من مخرجاته.
أما خطاب التحرير الذي ما انفكت الحركة ترفعه، فقد ظل في كثير من مفاصله منفصلاً عن كلفة الواقع وميزان النتائج. فالشعارات، مهما علت، لا تكفي وحدها لصناعة الانتصارات، ولا يجوز أن تتحول إلى غطاء لإدامة دورات متكررة من الحرب يدفع الشعب الفلسطيني وحده أثمانها الباهظة. وغزة، بما شهدته من دمار غير مسبوق وخسائر إنسانية هائلة، تقدم اليوم الدليل الأكثر قسوة على أن الشعوب هي التي تسدد فاتورة الخيارات السياسية والعسكرية عندما تغيب المراجعة وتُستبدل بالمكابرة.
ليس ثمة خلاف على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، فهذا حق تكفله الشرائع الدولية قبل أن تفرضه العدالة. لكن المقاومة، لكي تكون رصيداً وطنياً، ينبغي أن تبقى خاضعة للإرادة الوطنية الجامعة، وأن تُدار بمنطق يحفظ الإنسان والأرض، لا أن تتحول إلى أداة في حسابات إقليمية أو رهانات تتجاوز المصلحة الفلسطينية. فالمقاومة التي تبني المشروع الوطني هي التي تعزز صمود المجتمع، وتحمي وحدته، وتوازن بين حق النضال وواجب صون حياة الناس.
كما لا يمكن تجاوز حقيقة أن الانقسام الفلسطيني لم يكن قدراً، بل نتاج خيارات سياسية ما تزال آثارها ماثلة. فمنذ أحداث الانقلاب التي أطلقت عليه "الحسم" في قطاع غزة، تعطلت مسارات المصالحة، وتكرس الانقسام، وتراجعت الأولوية الوطنية الجامعة لصالح إدارة سلطة منفصلة، الأمر الذي أضعف الموقف الفلسطيني وأفقده كثيراً من عناصر قوته في مواجهة الاحتلال.
اليوم، وبعد كل ما أصاب غزة وأهلها، لم يعد السؤال الحقيقي عن صدقية الشعارات، بل عن حصيلة التجربة. فالشعوب لا تُطالب بخوض المعارك من أجل المعارك، بل من أجل حياة أكثر أمناً وحرية وكرامة. وإذا كانت أي حركة سياسية تمتلك شجاعة إطلاق المبادرات، فإنها مطالبة بالقدر ذاته من الشجاعة في مراجعة نتائجها، والاعتراف بأخطائها، وإعلاء المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الفصائلية.
في نهاية المطاف، يبقى الشعب الفلسطيني هو صاحب الحق الأصيل في تقييم التجارب، وهو وحده من يملك أن يمنح الشرعية أو يحجبها، لأن من يدفع الثمن هو الشعب، ومن حقه أن يسأل: ماذا حققت هذه المسيرة للوطن، وماذا كلفته؟