خاص| اقتصاد غزة بعد الحرب… من الإنتاج إلى البقاء
أروى عاشور – غزة:
عند مفترق مزدحم في حي الرمال بمدينة غزة، يقف الشاب أيمن حوسو (28 عامًا) خلف بسطة متواضعة يبيع الملابس الرجالية، بعد أن تحوّل من صاحب مصنع خياطة كان يشغّل عشرات العمال ويوزّع إنتاجه على المحال والتجار، إلى بائع يحاول تأمين قوت يومه من دخل محدود بالكاد يكفي احتياجاته الأساسية. وبينما يرتّب قطع الملابس فوق بسطته الصغيرة، يستعيد سنوات العمل داخل المصنع الذي ورثه عن عائلته، قبل أن تنتهي الحرب بكل ما كان يملكه وتدفعه إلى حياة مختلفة تمامًا.
هذا التحوّل في حياة حوسو لا يُعد حالة فردية، بل يعكس واقعًا أوسع يعيشه قطاع غزة منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية عام 2023، حيث لم تقتصر الخسائر على الدمار الذي طال المباني والبنية التحتية، بل امتدت لتطال بنية الاقتصاد نفسه.
فخلال فترة قصيرة، انتقل اقتصاد غزة من نموذج يعتمد على الإنتاج والعمل إلى ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد البقاء”، حيث باتت الأنشطة الاقتصادية تتركّز على تأمين الاحتياجات الأساسية، بينما تراجعت القطاعات الإنتاجية بشكل غير مسبوق، وازدادت هشاشة مصادر الدخل لدى السكان.
وتشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، وهو هيئة أممية تُعنى برصد الاقتصاد العالمي، إلى أن اقتصاد غزة انكمش بنحو 81% خلال عام 2024، في واحدة من أشد حالات الانهيار الاقتصادي المسجلة عالميًا.
ولا يعكس هذا الرقم مجرد تراجع اقتصادي عابر، بل يشير إلى توقف شبه كامل لعجلة الإنتاج، وانهيار آلاف المنشآت، وتراجع مستويات الدخل بشكل حاد، في وقت فقد فيه عشرات آلاف العمال وظائفهم، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.
وبين هذه الأرقام، تبدو قصص الأفراد مرآة تعكس ما جرى على الأرض، حيث تكشف كيف تغيّرت مسارات العمل والرزق، وكيف أُجبر كثيرون على إعادة تعريف علاقتهم بالعمل، في ظل واقع اقتصادي لم يعد يشبه ما كان عليه قبل الحرب.
من مصنع خياطة إلى بسطة..
في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، كان أيمن حوسو (28 عامًا) يشرف على مصنع خياطة عائلي يحمل اسم “شركة حوسو للملابس”، وهو مشروع تأسس في تسعينيات القرن الماضي على يد جده، قبل أن يتوارثه أفراد العائلة ويطوّروه على مدار سنوات.
يقول حوسو إن المصنع كان ينتج ملابس خاص بأزياء المؤسسات وكذلك ملابس للرجال والشباب، ومن ثم يتم توزيعها في السوق المحلي، إلى جانب تصدير جزء من الإنتاج إلى خارج القطاع بالإضافة لتنفيذ مناقصات لصالح شركات عالمية، ما وفّر دخلًا مستقرًا للعائلة، وتشغيل نحو 30 عاملًا قبل اندلاع الحرب.
ويضيف أن المصنع لم يكن مجرد مشروع اقتصادي، بل كان مصدر استقرار للعديد من العائلات، موضحا “كان العمل قبل الحرب مستمر ويدر مبلغا وفيرا من المال شهريا، والعمال يعتمدون عليه بشكل كامل في معيشتهم”.
ورغم أن المصنع تضرر خلال الحروب السابقة في عامي 2014و2021، إلا أنه كان يعود للعمل في كل مرة، وفق حوسو، الذي يوضح: “كنا نصلح ما يتضرر من آلات الخياطة ونعود للعمل، لكن هذه الحرب مختلفة… هذه المرة تدمر المصنع بالكامل”.

خلال حرب الإبادة، تعرّض المصنع للقصف ثم النسف والتجريف، ما أدى إلى تدميره بالكامل دون أن تتمكن العائلة من إنقاذ أي من المعدات أو البضائع الموجودة داخله. حيث يقع المصنع شرق مدينة غزة ضمن ما يُعرف بـ”المنطقة الصفراء”، وهي مناطق حدودية قريبة من السياج الفاصل تعرّضت لعمليات تدمير واسعة واجتياحات متكررة خلال الحرب، ما أدى إلى محو أجزاء كبيرة من المنشآت السكنية والاقتصادية فيها وما تزال حتى الان تحت سيطرة جيش الاحتلال الاسرائيلي.
ومع هذا الدمار، توقفت عجلة الإنتاج في المصنع، واختفى مصدر الدخل الرئيسي، وتفرّق العمال، بعضهم فقد حياته خلال الحرب، وآخرون اضطروا للبحث عن أعمال بديلة.
ويقول حوسو إن دخله اليوم لا يُقارن بما كان عليه سابقًا، إذ يعتمد على بسطة صغيرة يديرها بمساعدة إخوته، لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية.
ولا تمثل قصة حوسو حالة فردية، بل تعكس ما يشير إليه المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر، الذي يؤكد أن القطاع الصناعي في غزة تعرّض لدمار يتجاوز 97%، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في فرص العمل الإنتاجية، ودفع آلاف العمال إلى الخروج من السوق الرسمي.
ويضيف أبو قمر أن هذا التدمير لم يقتصر على المنشآت، بل طال منظومة الإنتاج نفسها، ما جعل العودة إلى العمل الصناعي أمرًا معقدًا، حتى في حال توقف الحرب.
من المحاماة إلى الفلافل..
مع انهيار القطاعات الإنتاجية، لم تعد الأزمة تقتصر على فقدان الوظائف، بل دفعت بسوق العمل نحو التحول إلى أعمال يومية مرتبطة بالبقاء.
وتشير بيانات منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن معدلات البطالة في قطاع غزة ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، منذ بداية الحرب 2023، لتقترب من 80%، في ظل فقدان واسع لفرص العمل.
في هذا الواقع، وجد المحامي محمد أبو عميرة نفسه مضطرًا لترك مهنته، التي عمل فيها لسنوات، بعد أن توقفت بشكل شبه كامل مع اندلاع الحرب.
يقول أبو عميرة إنه كان يدير مكتب محاماة يضم عددًا من المحامين والمحاميات، ويعمل في قضايا متعددة، خاصة في مجال العقارات، قبل أن تتوقف المحاكم بفعل الحرب وتتراجع قدرة الناس على دفع الأتعاب.
“لم يعد هناك عمل حقيقي في المحاماة”، يقول أبو عميرة موضحًا أن المهنة لم تعد قادرة على توفير دخل في ظل الظروف الحالية.

أمام هذا الواقع المؤلم، قرر افتتاح محل لبيع الفلافل، رغم صعوبة الانتقال من مهنة قانونية تحمل مكانة اجتماعية ومهنية مرموقة، إلى عمل بسيط فرضته ظروف الحرب والانهيار الاقتصادي.
ويوضح أن اختياره لهذا العمل لم يكن عشوائيًا، بل لأن الطعام أصبح من أكثر السلع طلبًا في ظل الأزمة، حيث يركّز الناس على تأمين احتياجاتهم الأساسية من مأكل ومشرب.
ويرى أبو عميرة أن وجود محامين ضمن العاملين في المحل يختصر حجم التحولات التي طرأت على سوق العمل في غزة، حيث دفعت الأزمة الاقتصادية كثيرًا من أصحاب المهن التخصصية إلى الانتقال نحو أعمال مرتبطة بتأمين الاحتياجات اليومية والمعيشية.
ويضيف أنه بدأ العمل بنفسه في المراحل الأولى من المشروع، قبل أن يتمكن لاحقًا من تشغيل نحو 19 عاملًا، من بينهم عدد من المحامين الذين فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم خلال الحرب.
ويؤكد أبو عميرة أن عمله الحالي مؤقت، وأنه سيعود إلى المحاماة فور تحسن الظروف، موضحًا أن ذلك مرتبط بعودة عمل المحاكم واستقرار الوضع الاقتصادي، “لأن المهنة تحتاج إلى بيئة مستقرة”.
ويشير تقرير"الأونكتاد" إلى أن الوضع في غزة كارثي بشكل خاص، حيث فقدت ثلثا الوظائف التي كانت موجودة قبل الحرب - أي ما يقرب من 201 ألف وظيفة - بحلول يناير 2024. وقد أدى ذلك إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية الحرجة بالفعل في قطاع غزة.
ويرى أبو قمر أن هذه الظاهرة تعبّر عن “إعادة تشكيل سوق العمل”، حيث تراجعت الوظائف المنظمة، مقابل توسع الأعمال الهشّة، مثل البسطات والأعمال اليومية، في ظل غياب الاقتصاد الرسمي.
ويوضح: “أصبحنا أمام اقتصاد يقوم على تأمين الاحتياجات اليومية فقط، وليس على الإنتاج أو التراكم الاقتصادي”، لافتًا إلى أن هذا النمط يُعرف بـ”اقتصاد البقاء”، حيث يعيش الأفراد يومًا بيوم دون أي استقرار اقتصادي.
من التمديدات الكهربائية إلى "بكرج الشاي"
وعلى أحد مفترقات مدينة غزة، يقف الشاب عبد ربه الهواري "33 عاما" كل صباح إلى جانب موقد صغير يعدّ عليه أكواب الشاي للمارة، بعدما تحوّلت المهنة التي كان يعرفها إلى ذكرى بعيدة فرضت الحرب استبدالها بمعركة يومية من أجل البقاء. وبين كل كوب يبيعه وآخر، ينشغل ذهنه بكيفية تأمين ثمن الدواء والغذاء، وما يمكن أن يعود به إلى خيمته في نهاية اليوم.
يقول الهواري إنه قبل الحرب كان يعمل في مجال التمديدات الكهربائية، ويسعى لبناء مستقبله في مهنة تعتمد على المهارة وتوفّر له دخلًا مستقرًا نسبيًا، إلا أن اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 غيّر مسار حياته بالكامل، بعدما فقد منزله وتوقف مصدر رزقه، واضطر للنزوح مع عائلته، ليجد نفسه فجأة مسؤولًا عن إعالة أسرة أنهكها المرض والنزوح والفقر.
ويضيف أن عمله الحالي في بيع المشروبات الساخنة لم يكن خيارًا خطط له، بل نتيجة مباشرة لانهيار فرص العمل وتراجع المهن التي كان يعتمد عليها آلاف الشبان في غزة قبل الحرب، موضحًا أنه اضطر للبحث عن أي وسيلة توفر الحد الأدنى من الدخل بعدما أصبح المعيل الوحيد لوالديه المصابين بالسرطان، في ظل غياب العلاج المنتظم وتعذر السفر وارتفاع أسعار الأدوية بشكل يفوق قدرته.
ويعيش الهواري اليوم مع أسرته داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، لا تقي من حر الصيف ولا برد الشتاء، ولا توفّر بيئة صحية تتناسب مع الحالة المرضية لوالديه، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى تحديات متواصلة، تبدأ من تأمين المياه والغذاء، ولا تنتهي عند البحث عن العلاج.
وبعد أن كان يعتمد على مهنة ثابتة في قطاع الخدمات، لم يعد يملك اليوم سوى “بكرج” الشاي الذي يتنقل به بين مفترق السرايا ومنطقة الرمال، محاولًا تأمين احتياجات أسرته الأساسية، في وقت تتجاوز فيه المصاريف اليومية ما يتمكن من جمعه.
ويقول: “خروجي كل صباح للعمل ليس مجرد محاولة لكسب لقمة العيش، بل محاولة لتوفير ما يحتاجانه والديّه”، مضيفًا أن أصعب ما يواجهه ليس مشقة العمل، بل شعوره المستمر بالعجز عن توفير العلاج والغذاء المناسب.
ولا تختلف قصة الهواري كثيرًا عن آلاف الحالات في غزة، حيث يشير المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر إلى أن تدمير القطاعات الإنتاجية دفع العمال إلى الخروج من سوق العمل المنظم، والانتقال إلى أنشطة يومية بسيطة مرتبطة بالبقاء، مثل البيع على البسطات أو تقديم خدمات أساسية.
ويضيف أن هذا التحول يعكس ما يسميه “اقتصاد البقاء”، حيث لم يعد العمل مرتبطًا بالإنتاج أو التخصص، بل بتأمين الاحتياجات اليومية فقط.
اقتصاد المساعدات..
داخل خيمة مهترئة في منطقة تل الهوى، تجلس أم أيوب حلس محاوِلة تنظيم يومها على أساس ما يتوفر أمامها لا ما تحتاجه، في واقع باتت فيه أبسط تفاصيل الحياة اليومية مرتبطة بسؤال واحد يتكرر كل صباح: كيف يمكن تأمين الطعام اليوم؟ وهل يكفي ما ستحصل عليه لإطعام أطفالها؟
تقول أم أيوب وهي أم لثلاثة أطفال، إن حياتها قبل الحرب كانت أكثر استقرارًا، إذ كانت تعيش مع أسرتها في منزلها بحي الشجاعية، وتعتمد على راتب زوجها الذي كان يعمل موظفًا حكومياَ ويوفّر احتياجات العائلة بشكل منتظم. لكن مع اندلاع الحرب، بدأت ملامح الحياة السابقة تتلاشى تدريجيًا، مع توقف الرواتب وتراكم الديون وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.
وتضيف أن التحول الأبرز في حياتها جاء بعد استشهاد زوجها خلال الحرب، لتجد نفسها فجأة في موقع المسؤولية الكاملة عن إعالة أطفالها وسط ظروف معيشية شديدة القسوة، وانعدام أي مصدر دخل ثابت.
وتشير إلى أن الحياة اليوم لم تعد تُقاس بمستوى الاستقرار أو القدرة على التخطيط، بل بمدى القدرة على الاستمرار يومًا بيوم، حيث باتت تعتمد بشكل شبه كامل على التكية والمساعدات الغذائية لتأمين الطعام، في ظل غياب أي مورد مالي منتظم.

وتوضح أن تأمين الغذاء لم يعد حقًا مضمونًا، بل أصبح مرتبطًا بما يتوفر من مساعدات أو ما يمكن الحصول عليه بشكل متقطع، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات وتتعمق فيه الأزمة المعيشية داخل المخيمات.
وداخل الخيمة، تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى تحديات متواصلة، من نقص الغذاء والمياه، إلى صعوبة توفير بيئة صحية مناسبة للأطفال، في ظل ظروف نزوح طويلة لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار أو الأمان.
وتُعد الأزمة الاقتصادية الناتجة من بين أسوأ عشر أزمات على مستوى العالم منذ عام 1960؛ في حين أن الوضع في غزة يختلف تماماً؛ إذ يُعتبر أشد أزمة اقتصادية مسجلة.
وبحسب تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، تُعد الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب من بين أسوأ عشر أزمات اقتصادية شهدها العالم منذ عام 1960، فيما يختلف الوضع في قطاع غزة بشكل كبير، إذ يُصنَّف على أنه الأشد والأكثر حدة بين الأزمات الاقتصادية المسجلة عالميًا.
وفي قراءة أوسع لهذا المشهد، يشير المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر إلى أن نحو 95% من الأسر في قطاع غزة باتت تعتمد على المساعدات بشكل شبه كامل، في مؤشر يعكس تحوّلًا جذريًا في بنية الاقتصاد من الإنتاج إلى الاعتماد على الدعم الخارجي.
ويحذر أبو قمر من أن هذا النمط يرسّخ ما يُعرف بـ”اقتصاد البقاء”، حيث تصبح المساعدات هي المصدر الأساسي للعيش اليومي بدل العمل والإنتاج، ما يعمّق حالة الاعتماد ويضعف قدرة الاقتصاد على التعافي أو العودة إلى مساره الطبيعي.
اقتصاد يُعاد تشكيله
تكشف هذه القصص، إلى جانب المؤشرات الاقتصادية، أن ما يمر به قطاع غزة ليس مجرد أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل شاملة للاقتصاد، من مصانع توقفت عن العمل، إلى مهن تغيّرت قسرًا، وصولًا إلى اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على المساعدات، ومن هنا يتضح أن الاقتصاد في غزة لم يعد قائمًا على الإنتاج، بل على البقاء.