أقل الكلام: صوت الوطن وسوطه !
صبيحة صيفٍ قائظٍ من شهر تموز من عام ١٩٩٤، وتحت ظل نخلةٍ على ضفاف النهر، وشجرة برتقالٍ على شاطئ البحر، انطلق صوت فلسطين بصوت الزميل أحمد رفيق عوض، يملأ الأثير فرحاً وطرباً وصوتاً مجلجلاً مُعبّراً عن الحق والحقيقة، ومُبشّراً بمستقبلٍ واعدٍ للأجيال القادمة، التي سحرها الصوت الدافئ الطالع من تحت مستوى سطح البحر ببلاغة لسانه، ووضوح لغته، ورشاقة أدائه، حتى بات قبلة المستمعين الباحثين عن الموسيقى العذبة والخبر اليقين.
"جرأة السؤال وديموقراطية الإجابة"
تلك هي التعويذة التي كانت بمثابة القاعدة الذهبية لشيوع الإذاعة وموثوقيتها لدى مستمعيها، فقد كنتُ واحداً من كتيبة الإذاعة التي عملت وفق تلك القاعدة التي كان لي الشرف في تأسيسها وترسيخها كقيمةٍ تليق بوطن الأحرار، لتكون الإذاعة صوت المواطنين لا المسؤولين، مثلما كانت سوطاً يلاحق المقصرين والمثبّطين والظانّين بالوطن ظن السوء.
عملت وزملاء البدايات تحت درجات حرارةٍ تلامس الخمسين داخل استوديوهاتٍ غير مكيّفة، تنصهر داخلها الأجساد المرهقة، لكن الشغف وفرادة التجربة كانا الحافز وراء التميز والإبداع، الذي كان السمة الغالبة للبدايات الطازجة.
كنتُ وزملائي نتقاضى مئتي شيكل شهرياً لشهور عدة، دون أن يؤثر شح الراتب على جودة الأداء الذي فاق التوقعات، رغم أن التجربة كانت البكر لجميع المذيعين والمذيعات قبل أن يلتحق بهم الزملاء الراسخون في إذاعة الثورة في الشتات.
كان لي شرف تقديم عديد البرامج الإذاعية؛ الصباحية المباشرة: "فلسطين صباح الخير" مع الزميلة دانييلا خلف، والراحلة الشهيدة الأيقونة شيرين أبو عاقلة، والمسائية: "سهرة خميس" مع الزميل عاصف حميدي، والرياضية والفنية: "هواة ع الهوا"، والإخبارية: "أحداث اليوم" الذي تناوب عليه العديد من الزملاء، وما زال ضمن خارطة البرامج في الإذاعة، إضافة إلى البرامج التلفزيونية الحوارية: "السلطة الرابعة"، و"خارج النص"، والإخبارية: "اليوم الثامن"، وغيرها من البرامج التي صاغت مع برامج الزميلات والزملاء وجدان المستمعين، وشكلت هوية الإذاعة منذ سنوات انطلاقتها.
تهنئة للإذاعة في يومها الوطني، مع أُمنيات التوفيق والتميز للشابات والشبان الواعدين الذين يمتطون صهوة الأثير، وشآبيب الرحمة نستنزلها على الخالدات والخالدين، الذين لم ولن يسقطوا من ذاكرة الأثير.