صِدْقُ الإشاعةِ لَنْ يُطَهِّرَ أَيْدِيَهُمْ مِنْ دِمَاءِ نِسَاءِ وَأَطْفَالِ فِلَسْطِين

2026-07-03 11:45:17

ليس بالضرورة ان سحب دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية يلغي حقيقة وقوع الإبادة الجماعية في غزة. وإن صحت الإشاعات التي تتحدث عن تعرض جنوب أفريقيا لضغوط من عدة جهات، بما فيها أطراف فلسطينية (حسب الإشاعة، والتي أتمنى ألا تتجاوز كونها إشاعة)، لسحب الدعوى التي أقامتها ضد إسرائيل، فإن ذلك لا يعني بالمطلق تطهير الأيادي الملطخة بدماء أطفال ونساء غزة، ولا يغيّر من الأسئلة القانونية التي أثارتها القضية.

فهل يُغلق قرارٌ إجرائي من محكمة العدل الدولية ملف الإبادة الجماعية في غزة؟ يبدو السؤال بسيطًا في صياغته، لكنه في الحقيقة يفتح بابًا واسعًا لفهم طبيعة العدالة الدولية وحدود دور محكمة العدل الدولية. فبين من يتعامل مع الإجراءات القضائية كأنها نهاية للملفات، ومن يدرك أنها مجرد محطة داخل مسار أطول وأكثر تعقيدًا، تتشكل مساحة واسعة من الالتباس

إن القرار الإجرائي، مهما كانت طبيعته، لا يساوي حكمًا في الموضوع، ولا يعني بالضرورة حسم الوقائع أو إنهاء النقاش القانوني حولها. لذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط عما إذا كان الملف يُغلق، بل عن طبيعة ما الذي يُغلق أصلًا: هل هو مسار قضائي محدد أمام المحكمة، أم مسألة قانونية وإنسانية أوسع تبقى آثارها قائمة في النظام الدولي حتى بعد انتهاء الإجراء؟

لم تعد محكمة العدل الدولية تعمل في عالم بسيط يقوم على نزاع بين دولتين فقط، كما كان يُفهم في النموذج التقليدي للقانون الدولي. فالقضايا التي تصل إليها اليوم أصبحت، في كثير من الحالات، تتجاوز فكرة الخصومة الثنائية لتقترب من قضايا تمس المجتمع الدولي بأكمله، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باتفاقيات مثل منع الإبادة الجماعية، وحماية المدنيين في النزاعات المسلحة، أو الالتزامات التي لا تقتصر على طرفين بل تمتد إلى جميع الدول الأطراف.

ومن التحولات اللافتة في هذا السياق تزايد دور الدول المشاركة في مثل هذه القضايا أمام محكمة العدل الدولية، سواء عبر الانضمام إلى الدعوى أو من خلال طلبات التدخل القانوني. فعدد من الدول لم يعد يقف عند موقع المراقب، بل اختار أن يعلن أن له مصلحة قانونية مباشرة في تطبيق اتفاقية منع الإبادة الجماعية. هذا التطور يعكس أن القضية لم تعد محصورة بين جنوب أفريقيا وإسرائيل فقط، بل أصبحت أقرب إلى ملف قانوني متعدد الأطراف، تتقاطع فيه مواقف دول مختلفة حول تفسير الالتزامات الدولية وحدودها. ومع ذلك، فإن هذه المشاركة، رغم أهميتها السياسية والقانونية، لا تغيّر البنية الإجرائية الأساسية للقضية؛ إذ تبقى الدولة المدعية هي صاحبة القرار في الاستمرار أو السحب، بينما يحتفظ باقي الأطراف المتدخلين بدور داعم في توضيح المواقف القانونية دون أن يتحولوا إلى أصحاب الدعوى الأصلية.

هذا التحول يطرح سؤالًا أعمق من مجرد تفاصيل إجرائية: هل ما زالت المحكمة مجرد جهة تفصل بين دولتين، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى أداة لإدارة التزامات جماعية في النظام الدولي؟

في الأصل، تأسست المحكمة على فكرة واضحة وبسيطة: دولة ترفع دعوى ضد دولة أخرى، والنزاع يكون محددًا بين طرفين، ثم تصدر المحكمة حكمًا نهائيًا بينهما. هذا التصور كان يعكس طبيعة النظام الدولي الكلاسيكي الذي يعتبر الدولة هي الوحدة الأساسية في العلاقات الدولية. لكن هذا التصور بدأ يتغير مع تطور القانون الدولي نفسه، وظهور نوع مختلف من الالتزامات لا يقوم على العلاقة الثنائية فقط، بل على التزام الدولة تجاه المجتمع الدولي أو تجاه جميع الدول الأطراف في الاتفاقيات الدولية.

ومع مرور الوقت، أصبح القانون الدولي يعترف بأن هناك التزامات لا يمكن اختزالها في علاقة بين دولتين، بل هي التزامات جماعية بطبيعتها، مثل حظر الإبادة الجماعية، وحظر التعذيب، والقواعد الأساسية لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة. هذه الالتزامات تعني أن كل دولة طرف في الاتفاقية لها مصلحة قانونية في احترامها، حتى لو لم تكن طرفًا مباشرًا في النزاع. وهذا ما خلق حالة جديدة في بنية القانون الدولي، حيث لم يعد من السهل القول إن كل نزاع أمام المحكمة هو نزاع ثنائي بالمعنى التقليدي.

هذا التحول انعكس على شكل القضايا أمام محكمة العدل الدولية. ففي بعض القضايا الحديثة، نرى تدخل عدد كبير من الدول في الملف الواحد، وصدور أوامر احترازية عاجلة لحماية حقوق أساسية، واهتمامًا دوليًا وإعلاميًا واسعًا يتجاوز أطراف النزاع المباشرين. ومع ذلك، ورغم هذا التوسع في المشاركة والأثر، فإن الإطار الإجرائي للمحكمة ما زال يحتفظ ببنيته التقليدية؛ إذ لا يوجد نظام يسمح بتحويل الدعوى إلى قضية جماعية مفتوحة، ولا يتحول المتدخلون إلى أطراف أصلية، ولا تفقد الدولة التي رفعت الدعوى دورها الأساسي في تحريكها أو إنهائها.

وهنا يظهر التوتر الحقيقي داخل النظام القانوني: فمن جهة هناك تطور في طبيعة الالتزامات التي أصبحت جماعية وتتجاوز الدول الفردية، ومن جهة أخرى هناك بنية إجرائية ما زالت تقوم على مبدأ أن الدعوى بين دولتين، وأن السيطرة الأساسية على مسارها تعود للدولة المدعية. وهذا يطرح سؤالًا حساسًا: هل يظل إنهاء الدعوى أو سحبها مجرد قرار سيادي خالص بيد الدولة، أم أن وجود هذا النوع من القضايا يجعل للمحكمة دورًا أوسع في ضبط مسار العدالة الدولية؟

حتى الآن، يميل القانون إلى الإبقاء على التوازن التقليدي؛ فالدولة تملك حق طلب إنهاء الدعوى، لكن المحكمة هي التي تقرر إجرائيًا كيفية إنهائها وآثار ذلك. وهذا يعني أن الإرادة السيادية ليست مطلقة، لكنها في الوقت نفسه ليست مُلغاة؛ بل تبقى موجودة داخل إطار قضائي يحتفظ بسلطته التنظيمية النهائية.

وعند النظر إلى المستقبل، يمكن تصور أن مسار المحكمة قد يتحرك في أكثر من اتجاه: فقد تبقى كما هي إلى حد كبير مع تطور تدريجي في تفسيرها للالتزامات الدولية، وقد تتوسع أكثر في التعامل مع القضايا ذات البعد الجماعي، أو قد نشهد تحولًا عمليًا تدريجيًا يجعلها أكثر انفتاحًا على هذا النوع من القضايا دون تغيير رسمي في بنيتها، بل عبر تراكم الممارسة القضائية وتطور الاجتهاد.

وفي قلب هذا التطور يبرز دور الأوامر الاحترازية التي أصبحت عنصرًا محوريًا في عمل المحكمة. فهي تصدر في المراحل الأولى من النزاع عندما ترى وجود خطر جدي على حقوق أساسية، وتتحول إلى إشارة قانونية وسياسية قوية تعكس تقييم المحكمة الأولي، وتؤثر على سلوك الدول، وعلى النقاش الدولي، وعلى حسابات الكلفة السياسية والقانونية لأي طرف. لكنها رغم ذلك تبقى تدابير مؤقتة لا تحل محل الحكم النهائي.

ومع ذلك، فإن سحب الدعوى لا يعني أن كل ما صدر عنها يختفي من النظام القانوني الدولي؛ فحتى بعد انتهاء الإجراءات، سواء بالحكم أو بسحب الدعوى، تبقى للأوامر الاحترازية والأسباب القانونية التي بُنيت عليها قيمة تفسيرية تؤثر في فهم القانون الدولي، وتستشهد بها المحاكم والدول في قضايا لاحقة. فهي لا تبقى التزامًا قضائيًا مستقلًا دائمًا، لكنها تبقى جزءًا من الذاكرة القانونية الدولية.

وهكذا يبدو أن محكمة العدل الدولية تقف اليوم بين مرحلتين: مرحلة تقليدية تقوم على نزاع بين دولتين فقط، ومرحلة حديثة تتزايد فيها ملامح القضايا الجماعية التي تمس المجتمع الدولي كله، لكنها رغم هذا التحول ما زالت تعمل ضمن إطار قانوني يحافظ على دور الدولة كعنصر أساسي، دون أن يتحول النظام إلى عدالة منفصلة تمامًا عن الدول.

وفي النهاية، يمكن القول إن مستقبل المحكمة لن يكون قطيعة مع ماضيها، بل تطورًا تدريجيًا يعكس طبيعة القانون الدولي نفسه، حيث يتجاور منطق الدولة التقليدي مع منطق الالتزامات الجماعية المتصاعدة، في توازن دقيق يعبر عن مرحلة انتقالية في بنية العدالة الدولية.

وفي ضوء ما يشهده العالم اليوم من متابعة دقيقة لقضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل، يمكن فهم هذا النقاش في إطار أكثر واقعية ووضوحًا؛ فهذه القضية لم تعد مجرد ملف قانوني بين دولتين، بل تحولت إلى اختبار مباشر لقدرة النظام القضائي الدولي على التعامل مع التزامات جماعية تمس المجتمع الدولي بأكمله. ومن هنا، فإن أي حديث عن سحب الدعوى أو إنهائها لا يمكن قراءته كمسألة إجرائية داخلية فقط، بل كتحول محتمل في مستوى الضغط القانوني الذي تفرضه المحكمة عبر تدابيرها وإشاراتها المبكرة.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن اختزال الأمر في فكرة أن استمرار الدعوى أو توقفها هو ما يحدد وحده مسار الوقائع على الأرض؛ فالقانون الدولي، كما يظهر من بنية المحكمة نفسها، لا يعمل بمنطق “الإذن” أو “المنع” الناتج عن وجود قضية واحدة، بل من خلال شبكة أوسع من الالتزامات والتقارير والمواقف الدولية والآليات القضائية الأخرى. لذلك فإن مركزية قضية جنوب أفريقيا اليوم لا تأتي فقط من كونها دعوى قائمة، بل من كونها فتحت بابًا واسعًا لإعادة التفكير في حدود المسؤولية الدولية عندما يتعلق الأمر بجرائم تمس الإنسانية جمعاء.