الوطن الذي يتسع للكلمة

2026-07-05 22:05:56

في الحالة الفلسطينية، لا ينبغي أن يُنظر إلى الرأي الآخر بوصفه خصومةً مع الوطن، ولا أن يُعامل باعتباره خروجاً على الإجماع أو انتقاصاً من التضحيات. فالوطن لا يُصان بالصمت، ولا تُبنى مؤسساته بتقديس الزعماء أو الفصائل أو المواقف أو الأفكار، بل بوجود مواطنين قادرين على السؤال والمساءلة والتنبيه إلى الخطأ قبل أن يتحول إلى أزمة عامة.

الفرق كبير بين التأييد والموالاة؛ فالأول يمنح الثقة وفق الأداء والإنجاز والالتزام بالمصلحة العامة، ويسحبها حين يفشل الموثوق في الاستجابة لآمال الجماهير ومطالبها. أما الثاني، فهو ارتباط أعمى بالمريد، يدافع عن خطئه ويعدّه صواباً لمجرد صدوره عنه، ويرى في نقده تهمة، وفي صاحبه خصماً أو مشبوهاً.

وفي الحالة الفلسطينية، لا يكفي أن يُقال إن حرية الرأي مكفولة، ما لم يشعر الكاتب والمواطن أن مقاله أو تصريحه أو نقده للنظام السياسي والوطني والمجتمعي لن يعرّضه للملاحقة أو التشويه أو التضييق أو قطع لقمة العيش. فحرية الكتابة لا تُقاس بما يُسمح بنشره من مديح، بل بما يُحتمل من نقد، وبقدرة الناس على مساءلة المسؤولين من دون تخوين أو تهديد أو تصنيف سياسي.

إن نظام الحكم الواثق من نفسه لا يخشى الكلمة، ولا يفتش في نوايا أصحابها، بل يرد الحجة بالحجة، والاتهام بالحقيقة، والغموض بالشفافية، ويعامل النقد باعتباره حقاً عاماً وأداة ضرورية لحماية المجتمع.

إن خضوع الوطن لأقسى احتلال صهيوني استيطاني إحلالي، وتعثر المسارين السياسي والكفاحي، وفقدانهما القدرة على صناعة مشروع وطني جامع وفاعل، وتراجع الدور الوطني الجمعي لمعظم الفصائل الفلسطينية لصالح وظائف ومناصب ومنافع ومصالح ومزايا ضيقة ومحدودة، واتساع الفجوة بين دوائر القرار وقطاعات واسعة من المجتمع، وغياب مجلس تشريعي فاعل، وتعطّل الانتخابات، وضيق المجال العام؛ كل ذلك يجعل من الرأي الآخر أكثر ضرورة وأهمية.

نحن لسنا دولة مستقلة، بل شعب ووطن محتل من البحر إلى النهر، تفصلنا عن موانئ الحرية والاستقلال محطات طويلة، ومعاناة كبيرة، وحياة مضنية، ومستقبل مجهول.

شعبنا عظيم وصابر وحر، لا يقبل العبودية والذل من أي جهة كانت. فلينظر السادة النظار والمراقبون الأخيار إلى المصير البائس للأحزاب الشمولية والأمنية والديكتاتورية في المنطقة؛ فقد أطاحت بها شعوبها أسرع مما توقع أصحابها، وتفرق الجميع عنها من دون سابق إنذار. وليعلم بعض منظّري الرأي الواحد والصوت الواحد أن دعواتهم مكانها الطبيعي كهوف العصور الوسطى الملطخة بدماء الشعوب وعقولها.

إن أكبر فشل للأنظمة السياسية والحكومية والوطنية الفلسطينية يتمثل في عدم قدرتها على مخاطبة شعبها والتواصل مع مكوناته، وإشراكها في تفاصيل المواقف والقضايا والصعاب التي تحيط بها. فهي في وادٍ، وهم في وادٍ آخر، وكأن البلاد انقسمت إلى طبقتين: فئة صغيرة حاكمة وثرية، تمتلك سلطات ومصالح واسعة ومتشابكة ، وكتلة شعبية واسعة فقيرة وصامتة ومهمشة ، لا تربطها بالأولى صلة حقيقية إلا عبر ما يُفرض عليها من قرارات وأعباء، وما يُمنح لها من وظائف ورواتب ومناصب لا تتجاوز حدود البقاء والقناعة المحدودة والمحاصرة . 

لا مستقبل للنظام السياسي والوطني الفلسطيني إلا إذا انصهر في مبادئ شعبه وثوابته ومصالحه العليا ، وانحاز بوضوح إلى معاركه المصيرية والحاسمة : الوحدة الوطنية ، والعدالة، والمساواة، والصمود والثبات على الأرض، في مواجهة سرطان التهجير والطرد والاقتلاع .