الحلقة السادسة- كيف أُنتجت أناشيد العاصفة؟ وكيف منعت القيادة إذاعتها؟

2026-07-05 22:49:14

صرت إذاعياً بقوة الإلحاح والرغبة العميقة والاستعداد الدائم للتعلم، كان هاجسي كيف ألحق بزملائي الذين دربوني وظلوا في وعيي وسلوكي متفوقين علي، كان بعضهم ما يزال مرتبطاً بالجامعة كطالب مواظب. إذاً فقد أتيحت لي فرصة إضافية كي أعمل إلى جانب ما كنت أكلف به، ككاتب، ومذيع مبتدئ، إما بفعل الالتزامات الدراسية للزملاء والامتحانات، أو بفعل سفرهم ومرضهم واضطرارهم للغياب.

على الطريق الطويل الممتد من روكسي في مصر الجديدة إلى المبنى رقم 4 شارع الشريفين المتفرع من شارع قصر النيل وكلاهما يقع في وسط البلد، يوجد المستشفى القبطي الذي رقد فيه صديقي الأقرب وأحد الذين دربوني على القراءة خالد مسمار، لقد أُجريتْ له جراحة يفترض ألا تكون خطرة، لاستئصال حصى من الكلية إذاً كلها ثلاثة أيام، ويعود إلى غرفته في سكن الطلبة بجامعة الأزهر. غير أن خطأً طبياً أرغمه على البقاء لأسابيع. كانت حرارته قد ارتفعت بصورة مقلقة، لم ينجح الأطباء في خفضها فاستبد بنا الخوف عليه، كنت أواظب على زيارته يومياً، وكانت أم طارق تواظب على إعداد عصير البرتقال الطازج للشاب الذي كان بمثابة شقيق لها في الغربة، فلم تنسى اهتمامه بي حين أجريت جراحة لاستئصال اللوزتين مما أعاق عملي الإذاعي قرابة الشهر بعد أن انتكست الجراحة والتهبت.

كانت علاقات الغربة أقوى وأعمق من أي علاقات أسرية طبيعية، فما أكثر الوقائع الأسرية التي عشناها واعتمدنا عليها، فكانت الهواء النقي والمنعش الذي نتنفسه.. لم تلغي أوجاع الغربة التي نكابدها، إلا أنها جعلتها في حياتنا أمرا نستطيع تحمله.

أثناء فترة رقود الحاج خالد في المستشفى قمت بقراءة كل المواد المسجلة باسمه في برنامج العمل اليومي، كان زملائي يأتون إلى الإذاعة، إما لكتابة المادة المطلوبة منهم، أو لتسجيل الفقرة الإذاعية الخاصة بهم، أي أن البقاء في الإذاعة لا يتجاوز الساعتين إلى ثلاث ساعات في اليوم، وحين تكرستُ كمذيع جديد أضيف إلى عملي الأصلي ما يملأ فراغ المتغيبين، لقد بلغ بي الانهماك بالعمل والسعي للتعويض حد أن أكون أول الواصلين للإذاعة، وآخر المغادرين.

في لقاء ضمني مع الكاتب المصري الكبير الدكتور يوسف إدريس، المرشح الدائم لجائزة نوبل للآداب، سمعت منه تقويما مميزا لأناشيد الثورة الفلسطينية التي انفردت بإذاعتها "العاصفة".

كان الدكتور يوسف إدريس يشارك كضيف شرف في المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين الذي انعقد في العاصمة اللبنانية بيروت، وحين عرف أنني أعمل في صوت العاصفة، سألني كيف حافظتم على سرية الإذاعة دون أن تكشفها سلطات الاحتلال الإسرائيلي؟

أجبت: إننا نبث برامجنا من القاهرة ومن المكان الذي تعرفه جيدا 4 شارع الشريفين.

لاحظت دهشة مفاجئة اعترت وجهه شديد الوسامة، شعرت بنشوة النجاح بفعل جودة أدائنا كفلسطينيين وكأننا نبث من القدس أو الخليل أو غزة أو نابلس "كما كان يظن".

قال: أحببت الأناشيد القوية التي تبثونها، لقد شدتني من حيث المضمون والشكل، إنها إضافة نوعية للأناشيد الوطنية العربية عموما.

حين عدت إلى القاهرة وأبلغت مديري الأستاذ فؤاد ياسين بالمحادثة التي جرت مع الأديب المصري الكبير، طلب من مهندس الإذاعة المصري أبو علي، تسجيل جميع الأناشيد على أشرطة كاسيت، وتقديمها هدية للكاتب الكبير.

كيف ينتج النشيد؟

لقد جرى التعامل مع إنتاج النشيد، بذات الصيغة التي ينتج فيها التعليق السياسي، لم يكن يؤلف تلقائيا أو ارتجاليا ولا حتى استنساخا عن السائد في الأغاني والأهازيج الفلسطينية.

كنا نتنادى إلى اجتماع موسع يشارك فيه مدير الإذاعة، وجميع العاملين فيها من مذيعين ومعلقين ومعدي برامج، وبالطبع كان المؤلفون والملحنون هم أكثر المشاركين أهمية وإسهاماً.

كان الاجتماع يقسم إلى قسمين، الأول تقويم الأناشيد التي تذاع ومدى الحاجة لتكرار فكرتها ومضمونها وهدفها، فيوصى باستمرار إذاعة بعضها وتقليل إذاعة البعض الآخر، أما الجزء الثاني من الاجتماع فكان مُنصبا على استعراض الأفكار الجديدة التي يتقدم بها المؤلفون وكتاب التعليقات والمتابعون للأحداث والتطورات السياسية، كان يجري اعتماد أفكار تعكس القضايا التي تفرزها التطورات السياسية، ويكلف المؤلفون بصياغتها وبعد الاستماع إليها من قبل المشاركين في الاجتماع، يتم إدخال تعديلات عليها، أو تظل كما هي ويستدعى الملحن، ويمنح عدة أيام لإنجاز النشيد، ثم يعقد اجتماع خاص لسماعه بصورة أولية، وحال إقراره يكلف الملحن بالتنفيذ، أي أن يتوجه إلى إدارة إذاعة صوت العرب حيث كانت تلك الإذاعة الكبرى والأكثر شهرة في زمنها، هي من يغطي نفقات التسجيل ومكافآت العازفين والمنشدين فيتم حجز الأستوديو، وبعد بروفات مضنية يتم التسجيل النهائي.

لم يكن صوت العرب يغطي تكاليف النشيد إلا إذا وضع فؤاد ياسين توقيعه عليه، تحت كلمة (يعتمد).

كانت فكرة النشيد ومضمونه متصلتان حتما بالحاجة التعبوية التي يتطلبها الحدث، وهذا نموذج لأحد الأناشيد وكيف ولد.

وصلنا من القيادة لوم شديد بفعل ضعف معالجتنا لحصار بلدة دورا. الذي دام ستة أشهر، كنا نعالج الأمر إذا ما ورد خبر جديد، كان المواطنون في دورا وفي كل الوطن يتابعون الإذاعة، ويأسفون لخلو أخبارها وتعليقاتها من أهم حدث يعيشه الوطن والناس هناك، كان الحصار بمثابة ضغط على أهل البلدة الجنوبية من أجل المقايضة بين رفع الحصار وتسليم أهم مجموعة فدائية كانت تقض مضاجع الإسرائيليين، مجموعة باجس أبو عطوان وعلي أبو مليحة وعلي ربعي ورفاقهم، كان باجس وعلي يظهرون بكامل سلاحهم وعتادهم في البلدة لدقائق ويختفون، وحين يعرف الإسرائيليون بظهورهم تُحتل البلد بقوات كبيرة من الجيش وأحياناً كانوا يحضرون آليات كما لو أنهم في قلب معركة بين جيش وجيش آخر، ذلك من أجل إرهاب المواطنين.

كان باجس وعلي يظهران في الأعراس، ويقدمان التحية لأهل العرس بزخات رصاص من رشاشاتهم ويختفيان، ونقل مرة أن باجس طلب الحاكم العسكري الإسرائيلي من مكتب بريد دورا، وتحداه وقال له "اسحب قواتك من حول البلدة وايأس من أن تجد مواطناً من دورا يدلك علينا أو يسلمنا لك".

جن جنون الإسرائيليين من هذا التمادي الذي لا يوجه إهانة للاحتلال وقواته فحسب، بل يشجع شباب البلدة على الاقتداء بالفدائيين الذين يتحدّوا الاحتلال ولا يخافون.

حين وصلتنا حكايات كثيرة عن أعمال باجس وعلي ورفاقهم، وحصار دورا وإصرار أهل البلدة على حماية الأبناء، عقدنا اجتماعا خاصاً لتطوير المعالجة بما في ذلك إنتاج نشيد منسجم مع الموقف ومعبر عنه.

في الاجتماع وُضعت العناصر الأساسية لفكرة ومضمون النشيد بحضور المؤلف الشاعر حسيب القاضي رحمه الله، وقيل له: نُريد النص بعد ساعة، وتم استدعاء الملحن مهدي سردانة، وطلب إليه أن يلحن وينفذ النشيد في أقل من ثمان وأربعين ساعة.

اعتكف حسيب في أحد الأستوديوهات الصغيرة، قال لي طيب عبد الرحيم الذي كان آنذاك نائباً لمدير الإذاعة، إنه واصل حث حسيب على الإسراع في صياغة النص وفق الخطوط التي وضعها الاجتماع، كان كلما دخل على حسيب وهو يحاول الكتابة يرى الأوراق الممزقة في ازدياد، وفي إحدى المرات قال له حسيب: لقد غادرني شيطان الشعر ولم يعد ثانيةً، لذلك أعتذر، سأحاول في البيت. أغلق الطيب باب الأستوديو وحشر حسيب في المكان الضيق وأجلسه وراء المكتب وقال: انتظرني سأحضر لك سيجارة وفنجان قهوة، في الدقائق التي أعد فيها فنجان القهوة، كان حسيب قد اهتدى إلى الخيط، لم يأته شيطان الشعر فقط بل سكن في مخيلته وأنتج واحداً من أجمل وأقوى أناشيد العاصفة.

"طوّق يا عدو طوّق.. مدينتنا وقريتنا وشارعنا وحارتنا.. وسجّن أهلنا وشنّق.. يمين الله يمين الله عن الثورة ما نتخلى ولا بنحيد يمين الله

طوّق يا عدو وانسف منازلنا.. بقلبي بنيت لثورتي بيت

وجوعنا وعطشنا ما بنهاجر عن تراب الوطن والدار ولا ندلك عن الثوار، يمين الله يمين الله، عن الثورة ما نتخلى ولا بنحيد يمين الله.

أناشيد العاصفة التي بلغت ما يزيد عن مائة وستين نشيداً تصلح لأن تكون محطات غنائية تسجل أهم أحداث الثورة.

فمنذ بدء إرسال الإذاعة وكان ذلك في العام 68 وحتى العودة إلى الوطن على طائرة أوسلو الإشكالية، سجلت الأناشيد معالجات سياسية كانت ضرورية في حينها، أناشيد عن التلاحم الفلسطيني – اللبناني وقد أنتجت لتغطية الوجود الفلسطيني المسلح على أرض لبنان، الذي كانت تعارضه نسبة ليست بالقليلة من الشعب اللبناني.

وأناشيد عن العلاقة الفلسطينية الأردنية حين كان ينشأ خلاف مع النظام في الأردن، وأناشيد حين يبدأ الحديث ولو همساً عن ترك السلاح والذهاب إلى خيار الحل السلمي.

تم إنتاج نشيد بعنوان، يا ثورتنا اشتعلي اشتعلي خلي الحل السلمي يولي!!

ومن أجل تعميق أواصر الوحدة الوطنية أنتجت أناشيد أكثرها رواجاً "واحدة لغة البارود" و"طل سلاحي من جراحي" وكلاشينكوف خلي رصاصك في العالي".

كانت البندقية والتمسك بها وخيار الكفاح المسلح هما الأكثر حضوراً في الأناشيد

مثل يا شعبنا هز البارود. وبأيدي رشاشي بدي اضلي ماشي.

ولقد اقترحت على مهتمين بهذا الجانب من إبداعات الثورة الفلسطينية، أن ينتجوا دراسات حول دور الأغنية في المسيرة الثورية وتغطية الأحداث السياسية.

كانت أغنيات العاصفة محفوظة لدى قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني والعربي، كنت تسمعها في الشوارع والمظاهرات والاحتفالات المدرسية والوطنية والجنازات والأعراس.

كانت تشكل إضافة نوعية وإبداعية للأناشيد الوطنية العربية.

لقد ساهم في تأليفها وتلحينها وأدائها أشقاء عرب التزموا بالقواعد الصارمة التي وضعها فؤاد ياسين، ولم يعرف هل ملحن النشيد فلسطيني أم مصري أم عراقي. هوية النشيد كانت متطابقة مع هوية الثورة التي كان أبلغ وصف لها، أنها فلسطينية المنطلق عربية القلب والامتداد.

الشاعر المبدع مريد البرغوثي التحق بالإذاعة في وقت متأخر، كان صاحب صوت لامع وقلم مميز يعالج القضايا السياسية بأسلوب وجداني مؤثر ولغة رفيعة المستوى.

في يومٍ كنت فيه مناوباً أي وفق ترتيبات فؤاد ياسين مشرفاً على الإذاعة – إذ كان الرجل يدربنا على الإدارة بأن يكلفنا بالتناوب عليها "أنت المناوب اليوم، إذاً أنت المسؤول الأول عن الإذاعة، تراجع المواد المكتوبة وتجيزها بوضع توقيعك عليها، توزع المواد على المذيعين كل حسب ما يناسب شخصية صوته، وتكون كمناوب من يضع خطة العمل اليومي ويشرف على تنفيذها على مدى ساعتين".

كان مهندس الصوت يقوم بعمل "مونتاج" لحلقة من برنامج كلمات إلى فلسطين الوطن والشعب، كان البرنامج بمثابة تعليق سياسي ولكن يكتب بأسلوب وجداني، ويقرأ كذلك.

يومها كان الحدث الأبرز الذي فرض نفسه على الإذاعة، وحتى على العالم كله.. العملية الفدائية النوعية التي هبط فيها عدد من الفدائيين على شاطئ البحر، كانت قائدة العملية فتاة اسمها دلال المغربي، وكانت العملية بمثابة جبهة قتالية امتدت على مسافة كيلو مترات على الشاطئ، وقد اشتبك الفدائيون مع الجيش الإسرائيلي في أكثر من مكان.

قررنا نشر مغزى العملية على كل المواد الإذاعية، التعليقات والأخبار والمنطلقات القصيرة، والبرامج. كان من نصيب مريد أن يكتب عنها حلقة خاصة من برنامج كلمات إلى فلسطين الوطن والشعب.

كان المهندس أبو علي يعد الحلقة للإذاعة - بوضع لمساته عليها كالموسيقى المصاحبة لصوت المذيع، والفواصل المنتقاة والتي توحي بالمعنى الذي يرمي إليه النص، سمعت مقطعاً منها حين كنت مارا من أمام باب الأستوديو، استوقفني، طلبت من المهندس إعادة النص المسجل كاملاً، كان مريد قد غادر بعد أن سجل ما كتب:

إليك نجيء يا وطني.. إليك نجيء.

بنا وجدْ إذا مدته ريح هواك.

فوق الأرض فوق البحر يمتد.

وإن متنا فلا نرتد عن عينيك.

بل إنا إلى عينيك نرتد.

همسنا في جذور الزرع يا وطني.

بأنك وحدك العهد

ونرضع حبك الأطفال ما ولدوا.

وليس يعوقهم عن زحفهم للأرض لا مهد ولا لحد.

فتى يأتي يزنره الهوى والوجد. تلو فتى.. وتلو فتى.

فيا أعدائنا عِدُوا ...

استدعيت الملحن الأول مهدي سردانة على الفور، استمعنا معاً

إلى النص، وقلت له، أرى فيه أغنية جميلة وجديدة وبليغة.

تفاعل مهدي مع كلماتها التي عبرت بقوة وعمق عن الحدث الذي أسر قلوبنا.

عملية دلال المغربي التي سميت باسم الشهيد كمال عدوان، وضع النص في جيبه وقال سأنجزه بالتأكيد، غداً سأسمعك اللحن، ونذهب إلى التسجيل.

في الاجتماع اليومي أسمعنا مهدي ما أبدع على العود، كان بمثابة مهرجان لحني، استخدم فيه لمحات فلكلورية وتوزيعاً موسيقياً متقناً، وحين انتقل إلى الأثير بعد أن اعتمد قوبل بحماس شديد من قبل الجمهور.

مأتم القديم واحتفال الجديد

قررت القيادة الفلسطينية توحيد مؤسسات الثورة جميعاً. بما في ذلك الإعلام الذي صار يسمى "الإعلام الموحد"، تطلّب ذلك وقف إذاعة شعار العاصفة واستبدال ذلك بصوت فلسطين، ومن أجل إثبات صدق النوايا وجدية القرار، طلب منا في صوت العاصفة وضع جميع الأناشيد التي تذكر فيها كلمة العاصفة وفتح، في الأرشيف مكتوب عليها "تمنع إذاعتها".

كان يوماً حزيناً، أن نودع في الأرشيف أجمل الأناشيد التي ميزت الإذاعة، وشدت الجمهور لها "أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها ولجيشها المقدام صانع عودتي".

وضع فؤاد ياسين شعار الإذاعة باسمها الجديد، وأجرى مسابقة بين المذيعين لاختيار أفضل وأقوى من يسجل الشعار الذي نستهل به الإذاعة وآخر نختتم به.

المذيع الذي وقع الاختيار عليه، كان الدكتور عبد الشكور التوتنجي، وهو واحد من الأصوات الأولى التي عانقت الأثير يوم الانطلاقة الأولى لصوت العاصفة، كان عبد الشكور في سنته الأخيرة بكلية الطب جامعة القاهرة، وهذا ما منعه من الهجرة معنا إلى بيروت، حيث تم ارتجال إذاعة متواضعة هناك من أجل أن لا يسكت صوت الثورة ولو بصورة مؤقتة.

بدأنا العمل في إذاعة يمكن وصفها بالبدائية، انطلقت من منطقة تجمع مؤسسات ومكاتب الثورة اسمها الطريق الجديدة، وهي حي يقع بين محلة الفاكهاني التي حملت اسم "دولة عرفات " وسائر أحياء بيروت الغربية، وحين وصلت تقارير الاستماع، لم تكن مشجعة ولا يمكن الاعتماد على المرتجلة والبدائية كإذاعة رئيسية، كانت لنا برامج تبث من الجزائر وبغداد غير أنها لم تكن لتفي بالغرض الذي كانت إذاعتنا من القاهرة تفي به، نقاء الصوت، واتساع مساحة الانتشار، واتساع قاعدة الجمهور المستهدف في فلسطين وسوريا والأردن ولبنان.

كان أبو جهاد يعتمد كثيراً على الإذاعة في إيصال رسائله للخلايا العاملة في الوطن، لم تكن الإذاعة المرتجلة في بيروت لتصل إلى أبعد من حدود لبنان وبعض الجليل.

ولمعالجة هذا الأمر قرر أبو جهاد وبعد تشاور مع أبو عمار، أن يؤسس إذاعة في جنوب لبنان لعلها تحقق مبتغاه في الاتصال المنتظم مع خلايا الداخل، وتم اختيار قرية جنوبية مهجورة اسمها "عين بعال" كمقر للإرسال.

وخلال شهرين جرى اختراع وتركيب الإذاعة الجديدة، في كهف مظلم، وحين انطلقت أول إشارة اعتمدت كإذاعة رسمية.

كنا نعد المواد في بيروت ونبثها من على بعد مائة كيلو متر في الجنوب، وحين كنا نسمع دوي طائرة ما نقدر أنها تحلق من أجل أن تقصفنا، فننتشر حول المغارة ثم نعود بعد أن يختفي صوت الطائرة، كان الكهف وما حوله يعج بالعقارب الصفراء السامة غير أن عناية الله التي منعت عنا القصف الجوي التدميري منعت كذلك لدغات العقارب المميتة.

منحتنا الجزائر إذاعة متنقلة تحملها شاحنتان ضخمتان، وتمكنا من شراء إذاعة قوية من يوغسلافيا، كانت تغطي كل لبنان وفلسطين وسوريا والأردن.

غير أن الإسرائيليين حين قرروا اقتلاع الثورة الفلسطينية من جنوب لبنان وبيروت، وضعوا الإذاعة الرئيسية والقوية على رأس الأهداف المقرر تدميرها.

كانت إذاعتنا تقع فوق مرتفع يطل على البحر الملامس لمدينة صيدا ومخيم عين الحلوة اسمه "سيروب"، لقد تم قصفها بقنابل ارتجاجية وقد شاهد المواطنون عملية إسكات الصوت الذي كانوا يحبونه ويتابعون أخباره وأناشيده وتعليقاته، حاول مهندسونا إصلاح الأجهزة إلا أن الأمر بدا مستحيلاً، فلقد فعلت القنابل الارتجاجية فعلها، إذ لم تتبق قطعة متصلة بقطعة أخرى.

حرب بيروت بثت على الإذاعة الجزائرية إلى أن غادر الثوار والمحاربون المدينة إلى المنافي الواقعة بعيداً وراء البحر.

ظلت إذاعات الثورة الفلسطينية تبث من بغداد والجزائر وعدن وصنعاء، إلى أن سكتت نهائياً بعد أن انطلق صوت فلسطين من على أرض الوطن، حين كانت بداية المشروع تسمى غزة - أريحا أولا. دون أن نقدر احتمال أن تكون أخيراً.

توقفت تجربتي في العمل الإذاعي حين اختارتني القيادة الفلسطينية كي أعمل ممثلا لمنظمة التحرير في موسكو، وخلال عملي في تلك الدولة العظمى لمدة خمس سنوات اكتشفت كم تأثر عملي الدبلوماسي إيجابا بما اكتسبته من الإذاعة، غير أنني أختم هذا النص بحكاية لها دلالة عميقة، حكاية شخصية وعاطفية وحدثت كالتالي.

فوجئ العاملون في صوت فلسطين التي بدأت تبث برامجها من مدينة أريحا بعد أن بدأ تطبيق اتفاقات أوسلو، بدخولي المباغت إلى المبنى المتواضع الذي استخدم كمقر مؤقت لإذاعة الثورة التي صارت إذاعة السلطة، ظن العاملون هناك أنني حضرت لممارسة عملي القديم كمدير للإذاعة إلا أنهم فوجئوا حين استأذنت المسؤول هناك "رضوان أبو عياش" بقراءة نشرة إخبارية على الهواء وبررت ذلك بأنه نذر قطعته على نفسي بأن أقرأ مادة من الإذاعة حين تبث من أرض الوطن، وحدث ذلك بالفعل، وكانت نهاية جميلة لعملي الإذاعي قبل انتقالي النهائي إلى مجال آخر هو العمل السياسي والديبلوماسي.

إلى اللقاء في الحلقة القادمة..