وحدة فتح قوة للوطن… والانقسام هدية مجانية للخصوم
في اللحظات المفصلية التي يواجه فيها شعبنا الفلسطيني تحديات وطنية وسياسية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة، تبرز وحدة حركة فتح باعتبارها ضرورة وطنية وليست مجرد خيار تنظيمي. لأن فتح التي قادت المشروع الوطني لعقود طويلة وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، كانت دائماً أقوى حينما توحدت إرادتها وتكاتفت جهود أبنائها خلف أهدافها ورسالتها التاريخية. وهو الذي دفعني للكتابة عن وحدة فتح وخوفي العميق الصادق على هذه الحركة الرائدة ومشروعها الوطني، وإيماني بأن قوة حركة فتح كانت وستبقى في وحدتها وتماسك ابنائها.
إن أية خلافات أو تباينات داخل الحركة يجب أن تبقى ضمن الأطر التنظيمية والمسؤولية الوطنية، لأن الانقسام لا يضعف فتح وحدها، بل ينعكس سلباً على مجمل الحالة الفلسطينية، ويمنح خصومها فرصة لاستثمار التشتت وإضعاف الدور الوطني الذي تمثله. ومن هنا، فإن الحفاظ على وحدة فتح ليس دفاعاً عن حركة فحسب، بل دفاع عن المشروع الوطني الفلسطيني وعن إرث الشهداء الذين صنعوا تاريخها المجيد.
لقد أثبتت التجارب أن قوة فتح كانت دائماً في وحدتها، وأن كل من يراهن على تفكيكها أو إضعافها يراهن على وهم، لأن الحركة التي ولدت من رحم الثورة قادرة على تجاوز التحديات عندما ينتصر أبناؤها للمصلحة الوطنية العليا، ويضعون الوطن فوق كل اعتبار، لأن الوحدة الفتحاوية لم تعد خياراً تنظيمياً فحسب، بل ضرورة وطنية تفرضها التحديات التي تواجه شعبنا وقضيتنا الفلسطينية، فحركة فتح تكون أكثر قوة وتأثيراً عندما تتوحد طاقاتها وتتجاوز خلافاتها الداخلية.
إن أي انقسام داخل حركة فتح لن ينعكس سلباً على الحركة فحسب، بل سيمنح خصومها السياسيين والمتربصين وأصحاب الاجندات وبعض الانظمة الاقليمية والدولية الخارجية فرصة للاستفادة من حالة التشتت والضعف الناتجة عنه. فكلما كانت فتح موحدة وقوية، ازدادت قدرتها على الدفاع عن مشروعها الوطني والحفاظ على مكانتها في الساحة الفلسطينية. أما الخلافات والانقسامات فإنها تفتح المجال أمام قوى المعارضة، وفي مقدمتها حركة حماس، لتعزيز حضورها السياسي والتنظيمي والاستفادة من حالة التراجع التي قد تصيب الحركة. لذلك تبقى وحدة فتح وتماسك أبنائها ضرورة وطنية وتنظيمية لحماية إرثها النضالي ودورها التاريخي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني.
إن حدوث أي انقسام داخل حركة فتح، فإن الخاسر الأكبر سيكون قيادة الحركة وأطرها القيادية، بما فيها لجنتها المركزية، خصوصاً بعد مؤتمرها الثامن وتجدد شرعيتها، لأن أي تراجع في وحدة الحركة سينعكس مباشرة على قدرتها في قيادة المشروع الوطني والحفاظ على مكانتها التاريخية والتنظيمية. فالقوة الحقيقية للقيادة لا تقاس بالمواقع والمناصب، بل بقدرتها على الحفاظ على وحدة الحركة وجمع أبنائها تحت راية واحدة ورؤية مشتركة. ولذلك فإن مسؤولية قيادة فتح اليوم تكمن في تعزيز الحوار الداخلي، واحتواء الخلافات، وترسيخ ثقافة الشراكة والوحدة، حفاظاً على إرث الحركة وتاريخها ودورها الوطني، لأن قوة فتح من قوة وحدتها، وضعفها يبدأ عندما تتغلب الانقسامات على المصلحة الوطنية والتنظيمية العليا.
إن من يحاول العبث بوحدة حركة فتح، يخطئ في قراءة تاريخها وحاضرها. فحركة فتح لم تبنى على شخص أو مجموعة، بل قامت على الشراكة الوطنية والنضال المشترك والتعددية داخل إطارها التنظيمي. وقوة فتح الحقيقية كانت دائماً في وحدتها وقدرتها على استيعاب الاختلاف تحت سقف أهدافها الوطنية. لذلك فإن أي محاولة لشق الصف أو فرض الهيمنة على الحركة لن تخدم إلا خصوم المشروع الوطني، بينما يبقى الحفاظ على وحدة فتح وتماسكها مسؤولية جماعية لحماية إرثها التاريخي ودورها الريادي في مسيرة الشعب الفلسطيني، وعلى الجميع أن يكون على دراية تامة أن "فتح لن تنقسم .. ومن يحلم بتفكيكها يطارد سراباً". وليعلم الجميع أن فتح ليست جسراً يعبر عليه الباحثون عن المصالح الشخصية، وليست شركة تجارية لتوزيع المكاسب والمنافع، فكل من ينظر لها من هذا المنظور يسيء إلى تاريخها وتضحيات ابنائها، لأن فتح أكبر من الأشخاص وأبقى من المصالح.
إن حركة فتح تمثل أكبر قوة سياسية وتنظيمية في الساحة الفلسطينية، وأي انقسام داخلها يؤدي عادة إلى تشتت الأصوات والجهود وتراجع قدرتها على اتخاذ مواقف موحدة وتنفيذ برامجها السياسية والتنظيمية. وفي المقابل، تستفيد القوى المنافسة من هذا الواقع عبر توسيع نفوذها واستقطاب مؤيدين جدد وإبراز نفسها كبديل أكثر تماسكاً.
إن التجارب السياسية بشكل عام تظهر أن الانقسامات داخل الحركات الكبرى تمنح خصومها مساحة أكبر للتأثير في الرأي العام وتحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية. لذلك يرى كثيرون أن وحدة فتح ليست مصلحة تنظيمية فقط، بل عامل مهم في الحفاظ على قوة الحركة وحضورها ودورها في الحياة السياسية الفلسطينية. وفي المقابل، فإن وجود اختلافات في الآراء داخل أي حركة سياسية أمر طبيعي، لكن التحدي يكمن في إدارة هذه الاختلافات ضمن الأطر التنظيمية والحفاظ على وحدة القرار والهدف المشترك.
وفي الختام، تبقى وحدة حركة فتح صمام الأمان للحركة وللمشروع الوطني الفلسطيني، وتبقى مسؤولية الحفاظ عليها واجباً وطنياً وأخلاقياً يقع على عاتق جميع أبنائها. فالتاريخ أثبت أن فتح كانت أقوى عندما توحدت إرادتها، وأن الانقسام لم يكن يوماً في مصلحة الوطن، بل شكل فرصة لخصومه للنيل من قضيته العادلة. إن المرحلة الراهنة تتطلب مزيداً من الحكمة والتماسك ورص الصفوف، لأن فتح الموحدة هي قوة للوطن، وعنوان للاستقرار الوطني، وحصن منيع في مواجهة كل من يسعى إلى إضعاف القضية الفلسطينية أو المساس بثوابتها الوطنية. فحين تتوحد فتح... تسقط رهانات المتربصين، والمتأمرين، لآن فتح عصية على الانشقاق… ومحصنة بإرث الشهداء.