سرقة التراث لطمس حقائق التاريخ

2026-07-12 08:36:44

في الدفاع عن الوجود الوطني الفلسطيني، الذي دخل مرحلة بالغة الدقة والحساسية في مواجهة المخطط الاستعماري الإسرائيلي الاجلائي الاحلالي، حيث بات يسارع الزمن في تكريس وقائع وهندسة جغرافية سياسية وديمغرافية نوعية، عبر الهيمنة على نحو 44% من مساحة الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، على طريق استكمال عملية السيطرة الكاملة على كل شبر من أرض فلسطين. ولا يقتصر على مخطط القدس 2050، بل يشمل المحافظات الشمالية كافة، من خلال قفزات استعمارية غير مسبوقة على تاريخ ال 60 عاما الماضية من الاحتلال الإسرائيلي. ووفق ما وصفه تقرير جديد ل "حركة السلام الان" و"كيرم نافوت" صادر في نهاية الربع الأول من عام 2026، بعنوان "عام المعجزات: إجراءات الحكومة الإسرائيلية لضم الضفة الغربية، 2023 – 2025" في التغول المتعاظم على الأرض الفلسطينية لخدمة 3 أهداف: أولا انشاء مستعمرات جديدة – حيث تم إقامة 102 مستعمرة و 185 بؤرة استيطانية جديدة، بالمقابل تم اجلاء وطرد 118 تجمعا بدويا فلسطينيا حتى الان، وأصدرت حكومة بنيامين نتنياهو قرارات ببناء 40,064 وحدة استيطانية في المستعمرات القائمة، وأضاف التقرير أن البؤر الزراعية باتت تسيطر على أكثر من 1,1 مليون دونم، بما في ذلك حوالي 750,000 دونم تم الاستيلاء عليها منذ تولي الحكومة الائتلافية القائمة منذ نهاية كانون أول / ديسمبر 2022، وتم شق ما لا يقل عن 223 كيلومترا من الطرق الجديدة في الضفة الغربية، وسيطر المستوطنون على ما لا يقل عن 11, 520 دونما من خلال الزراعة، وإعلان 25,059 دونما أراضي دولة؛
ثانيا السيطرة على المواقع الاثرية التاريخية في المناطق C و B، وتم إماطة اللثام عن قيام سلطات الاستعمار الإسرائيلية بالاستيلاء على أكثر من 140 موقعا أثريا وخربة تاريخية في محافظة الخليل لوحدها، وتم إعادة تصنيفها ضمن خرائط صادرة عما يعرف ب "الإدارة المدنية" على أنها مواقع أثرية إسرائيلية، وفي 6 آب / أغسطس 2025، صدر قرار إسرائيلي بالسيطرة على نحو 1775 دونما من أراضي بلدة سبسطية، أي نحو ثلث أراضي البلدة، ونقلت الى ما يسمى "منتزه السامرة القومي"، استنادا الى ذرائع ومزاعم توراتية صهيونية، تعتبر سبسطية بأنها عاصمة "مملكة إسرائيل القديمة." وتسعى سلطات الاستعمار عبر مخططات استيطانية مكثفة وخطوات "قانونية" وميدانية متسارعة الى فرض سيطرتها الكاملة على قرية بتير الاثرية ومنطقة برك سليمان التاريخية في محافظة بيت لحم، وتتدرج هذه الانتهاكات تحت ما يعرف ب "الاستيطان السياحي والرعوي"، الذي يهدف الى تهويد المواقع الاثرية وتغيير طابعها الجغرافي، وكان بتسلئيل سموتريش زار الموقع، وصرح بضرورة تغيير واقع المنطقة عبر السيطرة عليها، والذي يعتبر أحد أبرز المعالم التاريخية والسياحية في الضفة الغربية، وهناك نماذج وقوانين وقرارات استعمارية متعددة تطال كافة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.
وتعميقا لخيار فرض السيطرة على المواقع الاثرية التاريخية، وإعطائه طابعا سياسيا وثقافيا وايديولوجيا، كان رئيس حكومة الائتلاف الحاكم، بنيامين نتنياهو وضع حجر الأساس لما يسمى "مركز عطروت للتراث" في موقع مطار القدس الدولي التاريخي في قلنديا، يوم الاحد الموافق 5 تموز / يوليو الحالي، في خطوة تستهدف تغيير هوية المكان والعاصمة الفلسطينية، وعزلها عن محيطها الفلسطيني، وقطع الوصل العمراني لمدينة القدس. وشارك مع نتنياهو كل من وزير التراث عميحاي الياهو، ورئيس بلدية القدس، موشيه ليون، بالإضافة الى مسؤولين إسرائيليين آخرين. وقال رجل إسرائيل القوي في كلمته " أقول دائما: في الحياة العامة، لا بد من وجود بوصلة، والبوصلة تشير الى الطريق، الى الفكر، باختصار، البوصلة تشير الى الوجهة المنشودة، وفي حالتنا: الى الشمال، ولا أقصد فقط شمالي البلاد، (...) بل أقصد شمال القدس، باعتبارها منطقة ذات أهمية بالغة لتنمية المدينة الموحدة، التي لن تقسم بعد الآن. " وأضاف "في العام الذي نحتفل فيه بالذكرى ال 60 ل "تحرير الضفة الغربية"، والقدس قلب "وطننا"، تتخذ الحكومة الإسرائيلية قرارا ذا أهمية تاريخية بالغة، فكل حجر وتلة وموقع تراثي تقريبا يحمل في طياته آلاف السنين من تاريخ "الشعب" اليهودي في أرض إسرائيل"، وعليه أنشأنا "مركز عطروت للتراث" في الضفة الغربية ليتولى مهمة التوثيق والسيطرة على كل حجر، باعتباره جزءً من تراث "الشعب" اليهودي – اليهود الصهاينة، الذين اغتصبوا التوراة واليهودية على حد سواء.
ثالثا التطهير العرقي الاوسع لأبناء الشعب العربي الفلسطيني، الذي لا يقتصر على ال 118 تجمعا بدويا، انما يطال الشعب كل الشعب، في حرب إسرائيلية مفتوحة على الأيديولوجيا والاساطير والخزعبلات الصهيونية والتاريخ والتراث والجغرافيا والأرض والانسان الفلسطيني العربي صاحب الأرض والتاريخ والموروث الحضاري. ولم تتوقف إسرائيل في حربها وابادتها لكل معلم من معالم وتاريخ الشعب العربي الفلسطيني وحضارته، لأنها تواصل حربها على الجبهات كافة في عملية تكامل متسارع لتحقيق الانقلاب الاستراتيجي بالسيطرة على أرض فلسطين التاريخية، وإقامة اسرائيل الكاملة.
إذاً سرقة التراث مرتبطة ارتباطا عميقا بالسيطرة على الأرض، واجلاء أصحاب الأرض المواطنين الفلسطينيين العرب منها، لإحلال المستعمرين الصهاينة، وخلق تاريخ مزور لا أساس له من الصحة، في حرب وجودية لنفي وإبادة الشعب الفلسطيني، لذا كان ومازال ولا بد من وضع رؤية برنامجية نوعية لمواجهة النازية الاسرائيلية الصهيونية، ولا أغالي إن دعوت كل أبناء الشعب لأن يقرعوا جرس الإنذار، والضرب على جدران الخزان الفلسطيني لإنقاذ الذات الوطنية والمشروع الوطني والدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، فأما نكون وأما نكون، ولا خيار الا أن نكون.