نقطة ضوء | الحاويات… أول المراثي وآخر المرايا 

2026-07-12 21:03:41

وأنت تجوب بسيارتك شوارع البلاد ، تقع عيناك على مشاهد موجعة ، وتسمع أذناك حكايات مثقلة بالحزن، أبطالها نساء ورجال، وشيوخ وأطفال، ينبشون حاويات النفايات المنتشرة على جوانب الطرقات . يحملون أكياسا  سوداء، أو يجرون عرباتٍ هرمة، ويبحثون في صمت عن طعام يصلح للاستهلاك البشري، أو عن قطع من البلاستيك، أوالزجاج ، أوالحديد، أو سائر  المواد التي يمكن بيعها أو الاستفادة منها؛ لعلَّ ثمنها يسدُّ جوعا ، أو يعينهم على توفير أدنى مقومات الحياة . 

أتساءل وأنا أراقب هذا المشهد: ماذا يمكن أن يجد جيش الفقراء داخل هذه الحاويات ؟ وهل تستطيع تلك الحاويات أن تهزم الفقر والحاجة المنتشرين في كل مكان؟ ومن هؤلاء الذين يبدأون رحلتهم مع بزوغ الفجر؟ ربما موظف لم يعد راتبه يكفيه، أو عامل فقد مصدر رزقه، أو مديون أثقلته نوائب الحياة، أو امرأة أرملة أو مطلقة أُغلقت الأبواب في وجهها، أو مسن وجد نفسه وحيدًا في معترك الحياة.

ويبلغ المشهد ذروة قسوته حين يعود بعضهم خالي الوفاض، بعد أن أمضى وقتًا طويلًا في البحث داخل حاوية بعينها. ثم ينتقل إلى أخرى بعد أن يستكشف جوانبها ومحيطها، باحثا  عما تبقى من فتات يسكت صوت الجوع والحاجة ، ويحفظ شيئًا من الكرامة.

هذه ليست قصصًا غريبة من نسج الخيال، ولا حكايات عجيبة من بطون التراث ، بل هي صور وطن أثقلته سنوات الاحتلال ، والانقسام، والحصار الاقتصادي، والإخفاق السياسي، والعجز الوطني. إنها حكاية شعب أنهكته الأزمات، وأتعبه الانتظار، وسكنت أعماقه روايات الخذلان.

شعب الفقراء  ليس حالة إنسانية طارئة أو محدودة الانتشار، بل هو واقع يمتد في مختلف أنحاء الجغرافيا الفلسطينية، ولا يقتصر على منطقة دون أخرى .

إلى أركان الحركة السياسية والوطنية الفلسطينية :

إذا أردتم أن تعرفوا حقيقة أحوال الناس، فلا تكتفوا بالتقارير، واستطلاعات الرأي المدفوعة، والأرقام الرسمية الجامدة. توقفوا بصمت أمام حاويات النفايات المنتشرة في أرجاء الوطن، وتأملوا الوجوه التي تبحث فيها عن قوت يومها؛ هناك ستجدون المؤشر الأكثر صدقًا على حال البلاد.

إلى صناع الخير والرحمة وأصحاب الثروات :

لا تبحثوا عن الواقع في بيانات البنوك أو حركة الأسواق، بل راجعوا دفاتر الديون في البقالات، والصيدليات، والمشافي، ومراكز شحن الكهرباء والماء؛ فهناك تُكتب قصص الناس الحقيقية.

▪️إلى قادة الفصائل والمنظمات والثوار السابقين : 

تعالوا إلى الأغوار، والقرى، والمخيمات التي شُرِّد أهلها. زوروا أسر الشهداء، والأسرى، والجرحى، والعائلات التي تنام على صوت الجوع، وترتبط عجلة حياتها بالمعونات والصدقات والمساعدات. لقد مات في قلوب  الناس الهمُّ الجمعي والوعي الوطني، وأصبح الخلاص الفردي منهجهم الوحيد، وغدت استباحات المستعمرين للبيت، والأرض، والضمير الفلسطيني قضايا يظن الناس أنها تخص الطبقة الحاكمة وحدها ؛ باعتبارها صاحبة "المزرعة السعيدة"  ، وقاطفة خيراتها، ومناصبها، وشركاتها، وانتخاباتها.

أقترح تحويل حاويات النفايات في البلاد إلى صناديق شكاوى، أو مقترحات، أو حتى صناديق انتخابات، بعد إعدادها وتجهيزها للمهمة الجديدة: فتُغسل بالماء الساخن والصابون البلدي، وتُعقَّم بالمواد اللازمة، وتُطلى بألوان زاهية موحدة، وتُكتب على جنباتها شعارات تطالب : بالمساواة، والعدالة ، والمصير المشترك، ومقاومة الفساد، وملاحقة السارقين  والهاربين .

وأقترح أيضًا تأسيس شركة جماهيرية عامة للحاويات باسم “زهرة الفنجان”، للاستثمار في قطاع النفايات وإعادة تدوير البلاستيك، والورق، والكرتون، والمعادن، والنفايات الإلكترونية، وإنتاج الأسمدة العضوية، وتحويل النفايات إلى طاقة لتوليد الكهرباء والغاز، أو إنتاج الوقود البديل اللازم للمصانع الكبرى، مثل مصانع الإسمنت والدخان .

فلسطين ليست أرقامًا في تقرير، ولا عناوين في مؤتمر صحفي، ولا بيانات تُقرأ ثم تُطوى. فلسطين وطنٌ يستحق أن نعيش فيه كرماء، أحرارًا، متساوين في الحقوق والواجبات، نبني حاضره ومستقبله، لا أن نفتش في حاويات نفاياته عما يسد الرمق . 

لا سامح الله كلَّ من سرق هذا الشعب حقه في العدالة ، والمساواة ، والكرامة. ، والأمل، وغرس في جسده خناجر الفقر، والحرمان، والخوف. ولا سامح الله كلَّ من عبث بمستقبل البلاد والعباد، وأهان كبرياء شعب لم يتوقف يومًا عن الصبر، والصمود، والعطاء .