رسالة ستي للقيادة

2026-07-16 17:24:37

نريد انتخابات لا تُجدد الأزمة، بل انتخابات تُجدد الشرعية،قالتها ستي بعبارات اضطررت لتهذيبها ، فعندما تحدثتُ مع سيدة فلسطينية عاشت سنوات طويلة وهي تتابع تحولات الوطن وأحوال الناس، لم تدخل في تفاصيل المراسيم والقوانين والمواد الدستورية، ولم تبدأ حديثها بالمصطلحات السياسية التي اعتادها المختصون، لكنها طرحت أسئلة بسيطة في كلماتها، عميقة في معناها، تختصر كثيرًا من النقاشات التي تشغل النخب السياسية والقانونية.

قالت لي: "إذا بدنا انتخابات حقيقية، لازم نسأل حالنا، بدنا تغيير حقيقي وإلا مجرد تغيير في الشكل؟" قد تبدو ستي إنسانة عادية، لكن أسئلتها في الحقيقة تمس جوهر أي نظام سياسي يريد أن يحافظ على شرعيته، فالانتخابات ليست مجرد يوم يذهب فيه الناس إلى صناديق الاقتراع، وليست مجرد إجراء قانوني لإنتاج مجالس أو حكومات، بل هي علاقة ثقة بين المواطن والمؤسسة، وبين الناخب ومن يفوضه بإدارة الشأن العام.

تقول ستي ان الشرعية لا تُبنى فقط من خلال النصوص والقوانين، بل من خلال شعور الناس بأن النظام الذي يحكمهم يسمح بالمشاركة، ويستمع إلى أصواتهم، ويفتح المجال أمام التغيير عندما يصبح التغيير ضرورة، ملاحظات ستي حول الانتخابات القادمة، لم تنطلق من رغبة في مهاجمة أحد، ولم تجعل المشكلة مرتبطة بشخص أو اسم معين، بل تحدثت عن ظاهرة أوسع تتعلق بطريقة إدارة الحياة السياسية، وبحاجة المؤسسات إلى التجديد، وبضرورة إيجاد توازن بين احترام الخبرة ومنع الجمود.

قالت إن المشكلة ليست فقط في الأشخاص الذين يريدون الوصول إلى المواقع العامة، بل أيضًا في الذين بقوا طويلًا في مواقع المسؤولية والتأثير وصناعة القرار، وهي لا تعني بذلك أن كل من بقي في موقعه كان فاشلًا، ولا أن الخبرة أصبحت عيبًا، بل ترى أن أي نظام سياسي يحتاج إلى حركة دائمة بين الخبرة والتجديد.

ستي ترى أن المؤسسات التي لا تتجدد تفقد جزءًا من قدرتها على الاستجابة للتحولات، وقد تتحول مع الوقت إلى دوائر مغلقة يصعب دخول طاقات جديدة إليها، والتجديد هنا لا يعني إلغاء دور من خدموا الدولة أو تجاهل خبراتهم، بل يعني أن تبقى أبواب المشاركة مفتوحة، وأن تكون المسؤولية العامة مرتبطة بالكفاءة والإنجاز والثقة الشعبية.

ستي ليست مع فكرة الإقصاء المطلق، ولم تكن ترى أن الحل هو منع كل من سبق له تولي مسؤولية من العودة إلى العمل العام، فقد قالت إن المسؤول الذي ينجح في موقعه، ويبدأ مشروعًا يخدم الناس، قد يحتاج إلى وقت إضافي حتى يكمله.

فالعمل العام ليس دائمًا مجموعة من النتائج السريعة التي تظهر خلال فترة قصيرة، بعض المشاريع الوطنية أو التنموية تحتاج إلى استمرارية حتى تكتمل، وقد يكون تغيير المسؤول في منتصف الطريق سببًا في توقف مشروع بدأ يأخذ طريقه نحو النجاح.

تقول ستي النجاح يمكن أن يمنح فرصة ثانية، لكنه يجب ألا يتحول إلى حق دائم في البقاء، فالمسؤول الناجح يستحق أن يطلب ثقة الناس مرة أخرى، لكن التداول يبقى ضرورة حتى لا تتحول المناصب إلى مواقع مغلقة.

إن الديمقراطية لا تقوم على معاقبة الناجحين لمجرد أنهم نجحوا، كما أنها لا تقوم على حماية أصحاب المواقع مهما طال بقاؤهم، الديمقراطية تقوم على معادلة دقيقة: مكافأة الإنجاز، ومحاسبة الفشل، وتجديد الدماء عندما يصبح التجديد حاجة وطنية.

رؤية ستي تقودنا إلى سؤال أوسع يتعلق بطريقة توزيع المسؤوليات داخل النظام السياسي، فالقضية ليست فقط من يحق له الترشح ومن لا يحق له، بل أيضًا كيف تُدار مواقع المسؤولية، وكيف نضمن ألا تتجمع السلطات والأدوار في أيدي عدد محدود من الأشخاص وتصبح حكرًا عليهم.

فالمؤسسات القوية لا تُبنى على الأشخاص، مهما كانت قدراتهم أو خبراتهم، بل تُبنى على قواعد وأسس واضحة تضمن توزيع المسؤوليات، وتمنع تضارب المصالح، وتحافظ على استقلال كل موقع عن الآخر، فالشخص مهما كانت كفاءته يبقى جزءًا من مؤسسة، والمؤسسات التي تعتمد على الأشخاص أكثر مما تعتمد على القواعد تصبح أكثر عرضة للضعف عندما تتغير الظروف أو تتبدل القيادات.

ومن هنا جاءت ملاحظات ستي حول عدم الجمع بين أكثر من مهمة أو مسؤولية، فهي ترى أن الإنسان لا ينبغي أن يجمع بين أدوار متعددة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، عندما يؤدي ذلك إلى تركّز النفوذ أو إلى التأثير غير المتوازن في الحياة العامة.

فالمشكلة ليست دائمًا في طبيعة الشخص الذي يشغل أكثر من موقع، فقد يكون قادرًا على أداء مهمة واحدة بكفاءة، لكن السؤال الأهم هو: أليس في الجمع بين أكثر من مهمة حرمان آخرين من فرصهم؟ ثم هل يسمح هذا الجمع بظهور قيادات جديدة؟ وهل يحقق العدالة بين المواطنين؟ هل تكفي ساعات العمل اليومي لادارة ملفات كل واحد منها يحتاج الى اكثر من اتلوقت المتاح.

إن منع الجمع بين المهام لا يعني إقصاء أصحاب الخبرة، بل يعني حماية المؤسسات من الاعتماد المفرط على الأفراد، ومنع تحول النفوذ إلى حالة مرتبطة بشخص أو مجموعة محددة، ومن هنا فإن الإصلاح السياسي لا يبدأ فقط بوضع قيود على من يريد دخول الحياة السياسية، بل يبدأ أيضًا بمراجعة طريقة إدارة السلطة نفسها، فالمعيار ليس فقط من يترشح، بل كيف نضمن أن تكون المنافسة عادلة، وأن تكون القواعد التي تحكم المشاركة السياسية متوازنة ولا تؤدي إلى إقصاء غير مبرر.

فالعاملون في القطاع العام ليسوا فئة واحدة متجانسة؛ إذ تختلف طبيعة المسؤوليات والصلاحيات بين موظف يؤدي وظيفة مدنية محددة، وبين مسؤول يشغل موقعًا تنفيذيًا أو إداريًا يمنحه قدرة مباشرة على التأثير في الموارد أو القرارات.

ولهذا فإن حماية نزاهة الانتخابات هدف مشروع، لكن تحقيق هذا الهدف يجب أن يتم بطريقة متوازنة. فالدولة من حقها أن تمنع استغلال الوظيفة العامة أو استخدام إمكانات الدولة لخدمة أهداف انتخابية، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بأن تحترم حق المواطن في المشاركة السياسية، وأن تفرق بين من يملك أدوات النفوذ ومن يؤدي وظيفة عامة لا تمنحه مثل هذه الأدوات.

فالمنع الشامل قد يحول إجراءً يهدف إلى حماية الحياد إلى قيد واسع يمس حق فئات كبيرة من المواطنين في الترشح، ولذلك فإن العدالة تقتضي البحث عن وسائل تحقق الغاية دون التضحية بجوهر الحق، مثل تنظيم الاستقالة عند الترشح، أو تعليق بعض الصلاحيات خلال الفترة الانتخابية، أو وضع قواعد صارمة تمنع استخدام الموارد العامة في المنافسة السياسية.

كما أن أعضاء المجلس التشريعي يمثلون وضعًا دستوريًا خاصًا، لأنهم لا يشغلون وظيفة إدارية تقليدية، بل يمارسون تفويضًا شعبيًا مصدره الانتخابات، ولذلك فإن أي تنظيم لوضعهم يجب أن يوازن بين منع تضارب المصالح والحفاظ على استقلال السلطة التشريعية ودورها الرقابي.

إن الهدف من الإصلاح ليس استبدال أشخاص بأشخاص فقط، بل بناء نظام يجعل الوصول إلى المسؤولية قائمًا على الكفاءة والثقة الشعبية، ويجعل ترك المسؤولية جزءًا طبيعيًا من دورة الحياة السياسية، فالمناصب العامة ليست ملكًا لأحد، لكنها أيضًا ليست أماكن يجب إخلاؤها لمجرد تغيير الوجوه، المعيار الحقيقي هو خدمة الناس، والقدرة على الإنجاز، واحترام قواعد التداول، والقبول بأن المسؤولية العامة تكليف مؤقت وليست امتيازًا دائمًا.

لكن كل هذا النقاش يبقى ناقصًا إذا لم نتحدث عن جوهر الانتخابات نفسها: هل ستكون انتخابات قادرة على إنتاج شرعية كاملة؟ وهنا كانت ملاحظة ستي الأكثر وضوحًا: لا يجوز أن نجري انتخابات دون القدس وغزة، فبالنسبة لها، وكما يرى كثير من الفلسطينيين، ليست الانتخابات مجرد إجراء تقني يتم فيه تسجيل الناخبين وفتح الصناديق وإعلان النتائج، بل هي تعبير عن وحدة الشعب وحقه في اختيار من يمثله، ولهذا فإن غياب أي جزء أساسي من الشعب الفلسطيني يطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة الشرعية التي ستنتجها هذه الانتخابات.

فالقدس ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه أو تأجيله إلى مرحلة لاحقة، فهي جزء اساسي من الهوية الوطنية والسياسية الفلسطينية، ومشاركة أهلها ليست مسألة رمزية فقط، بل عنصر أساسي في معنى الانتخابات نفسها، كما أن قطاع غزة ليس حالة هامشية أو استثناءً يمكن التعامل معه بسهولة، بل هو جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني ومن بنيته السياسية والاجتماعية. والظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع تجعل مسألة إجراء انتخابات فيه مرتبطة بتحديات حقيقية تتعلق بالقدرة العملية على تنظيم العملية الانتخابية، وضمان مشاركة المواطنين، وتوفير الظروف التي تسمح لهم بممارسة حقهم بحرية.

إن الحاجة الداخلية إلى تجديد الشرعية، أو الضغوط الدولية التي تطالب بإجراء الانتخابات، يجب ألا تكون سببًا لإجراء انتخابات منقوصة، فالانتخابات ليست مجرد موعد يجب الالتزام به بأي ثمن، بل هي عملية سياسية هدفها بناء الثقة، حيث إن الانتخابات التي تستثني جزءًا من الشعب قد تنتج مؤسسات موجودة من الناحية القانونية، لكنها ستواجه منذ البداية أسئلة صعبة حول مدى قدرتها على التعبير عن الإرادة الشعبية الكاملة.

إن إجراء الانتخابات يجب أن يبقى هدفًا وطنيًا، لأن تجديد الحياة السياسية حاجة لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية، لكن التجديد الحقيقي لا يقاس فقط بموعد الانتخابات، بل بقدرتها على إنتاج مؤسسات تحظى بالثقة والاحترام، فالانتخابات ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لبناء شرعية جديدة قادرة على مواجهة التحديات، وإذا فقد المواطن شعوره بأن العملية الانتخابية عادلة وشاملة، فإن وجود صندوق الاقتراع وحده لن يكون كافيًا لإنتاج الثقة.

وربما تختصر الحكمة الشعبية كل هذا النقاش: لا تمنعوا الناس من المشاركة، ولا تجعلوا المناصب حكرًا على أحد، ولا تغلقوا الباب أمام من أثبت نجاحه، لكن لا تسمحوا أيضًا بأن تتحول المسؤولية العامة إلى موقع دائم لا يخرج منه أحد، فالوطن لا يُبنى بإقصاء الخبرات، ولا بتجميد الواقع، ولا بانتخابات ناقصة، بل بتوازن دقيق بين الاستمرارية والتجديد، بين احترام الإنجاز وضمان التداول، وبين قوة المؤسسات وحق المواطنين في المشاركة.

فالسياسة في النهاية ليست صراعًا على المقاعد والمواقع، بل مسؤولية تجاه الناس، ومن ينجح في خدمة الناس يستحق أن تُتاح له فرصة أخرى وفق قواعد عادلة، ومن يتحمل المسؤولية يجب أن يعرف أن ترك الموقع في الوقت المناسب هو جزء من احترام الدولة والمؤسسات.

تقول ستي: نريد انتخابات تعطي فرصة للجديد، وتحترم خبرة من أثبت نجاحه، وتحفظ حق الشعب كله في المشاركة. نريد انتخابات لا تبحث فقط عن تغيير الأسماء، بل عن استعادة الثقة وبناء مؤسسات يشعر المواطن أنها تمثله. لا نريد انتخابات تُجدد الأزمة، بل انتخابات تُجدد الشرعية.