الحلقة الحادية عشرة: الإعلام الرسمي انفاقٌ ضخم... وفاعليةٌ معدومة
حين سميت وزيرا للإعلام وناطقا رسميا باسم الحكومة الإشكالية التي شكلها العالم برئاسة محمود عباس، سألني الصحفيون الذين هم زملائي، ما هي خططك بشأن وزارة الإعلام؟
فوجئ الزملاء بتصريح اعتبروه غريبا حين قلت: خطتي تتلخص في أنني سأعمل جاهدا مع رئيس الوزراء ورئيس السلطة لإلغاء الوزارة.
قمت بالاعتماد على الدكتور أحمد صبح كوكيل للوزارة فهو رجل ذو تجربة في المجالين الدبلوماسي والإداري، تخليت له عن معظم مسؤولياتي في الوزارة متفرغا لأداء دور سياسي وإعلامي، في زمن سطوة الفضائيات وإشكاليات السلطة.
وحين توجهت إلى غزة للالتقاء بزملائي المعينين في وزارة الإعلام، وكلهم من الكتاب الصحفيين المتمكنين، طلبت منهم مواصلة عملهم دون التزام إداري، فما معنى أن يقضي كاتب متمكن جل يومه وراء مكتب دون عمل.
لحسن الحظ أن عملي وزيرا للإعلام وناطقا رسميا باسم الحكومة انتهى في أقل من أربعة أشهر بانتهاء عمل حكومة عباس، وبذلك أكون أرحت واسترحت.
قبل ازدحام الفضاء بالمحطات الإذاعية والتلفزيونية، كانت الرسمية تحتكر المشاهدين والمستمعين في بلدانها فهي الوحيدة المسموح سماعها، وحين كانت إذاعات آتية من وراء الحدود تقتطع جزءًا من المستمعين المحاصرين بالإذاعة الرسمية، كانت تجري عمليات تشويش على إرسال الإذاعة غير المرغوب فيها.
لم يكن التشويش ليلغي إذاعة بقوة صوت العرب مثلاً، أو البرنامج العام من القاهرة، بل كانت تقلل من متابعيهما.
لم يعد بوسع أي نظام مهما بلغ استبداده واحتكاره لوسائل الإعلام أن يمنع مواطنيه من متابعة إرسال المنابر الإذاعية والتلفزيونية الهابطة من الأقمار الصناعية، التي يزدحم الفضاء بها، كان تعدد المحطات الخاصة وتنوعها هو أقوى ما نشأ من تحديات أمام الإعلام الرسمي، وبدا أن الملايين التي تنفق عليها تذهب سدى، أو أنها لا تحقق المطلوب إن لم تحقق نتائج عكسية.
لقد تراجعت المحطات الرسمية إلى حيث يمكن القول "إن لا لزوم لها" ، ليس فقط بفعل المنافسة التي تسجل في غير صالحها بل وأيضاً بفعل عزوف الناس عن إضاعة وقتهم في متابعة أخبار المسؤولين وهم يصافحون من يجتمعون بهم، أو وهم يرسلون ببرقيات تهنئة بأعيادهم الوطنية، أو برقيات تعزية بوفاة أقاربهم. أو الخطب المطولة التي غالباً ما تعاد إذاعتها عدة مرات في الإذاعة والتلفزيون فضلاً عن نشرها الإجباري في الصحافة المحلية.
وكذلك انصرف المواطنون عن المحطات الرسمية لأنها في الغالب تفتقر إلى تعددية الآراء والبرامج والتوجهات، أو غالباً ما تفرد الكاميرا أو الميكرفون ساعات لأهل النظام وتحجب أصحاب رأي مختلف عن الظهور، مع أن المحجوب عنه هو من ينفق على التلفزيون الرسمي من خلال الضريبة التي يدفعها، بينما من يظهر هو أكبر مستهلك للضريبة من خلال ما يوضع تحت تصرفه من إمكانيات الجزء الأكبر منها خارجٌ عن القوانين.
حين كنت رئيساً لاتحاد الإذاعات العربية، شاركت في فعالية تلفزيونية جرت فيها مقارنة بين نشرات الأخبار في محطات C.B.S. الأمريكية والBBC البريطانية والبرنامج الثاني في التلفزيون الفرنسي، وبين محطات من الدول العربية، كان قد تقرر أن تتناول التلفزيونات الأجنبية والعربية أحداث يوم موحد كي تتم المقارنة، النشرات الأجنبية لم تزد عن خمس عشرة دقيقة، تناولت أحداث ذلك اليوم وبالمصادفة كانت هامة، أذكر منها تسريح آلاف العمال من شركة أمريكية عملاقة، اصطدام طائرة يوغوسلافية بجبل فرنسي قتل كل من كان فيها، وزيارة شارون للولايات المتحدة وما دار فيها من محادثات… الخ.
شرح لنا مدير الأخبار في C.B.S سياسة المحطة والمساحة المخصصة في النشرة للأحداث والإعلانات، والتي لا يمكن الخروج عنها ولو لعدة ثوان، وحين عرضت محطاتنا العربية معالجاتها لذلك اليوم، كانت أقل نشرة تزيد عن نصف ساعة وكانت الأخبار البروتوكولية تحتل معظم محاور النشرة، حتى أن مدير ال C.B. S قال ساخراً إني شاهدت أبواباً تفتح وتغلق، وصعوداً على الأدراج، وعناق أشخاص أكثر بكثير مما كانت تجب مشاهدته من أحداث.
ولقد أفرز الانتشار الكثيف للفضائيات ظاهرة "التحايلية" بحيث صار عند أي نظام نوعان من المحطات الأول: المحطات الرسمية جداً التي لا هم لها إلا تغطية أخبار المسؤولين وكلها لا تهم المواطن بشيء.
والثاني: هي المحطات المموهة، التي يسمح لها بهامش محدود من التميز عن الرسمية، إلا أنها رديف لها ومكمل لرسالتها في الترويج للحاكم أو بإبعاد النظر عن أخطاء وسوء أداء النظام.
المشاهد لم يعد فريسة سهلة لهذا التطور التحايلي، إذ صار متاحاً له أن يهرب من الرسمية وشبه الرسمية إلى محطات أخرى يرى في متابعتها متعة وجاذبية، خصوصاً بعد أن احتلت المسلسلات معظم وقت المواطن الذي أرهقته السياسات الحكومية وأمرضته قلة الجدوى جراء هذه السياسات.
ثم إن الفضائيات المحلية والقادمة من وراء الحدود والرسمية وغيرها، أتاحت للمواطن مجالاً حيوياً لتقويم أداء القادة المفروضين على الشاشات بحكم مسؤولياتهم الرسمية، وحيث يظن الذي تفرد له المحطة الرسمية ساعات في الأسبوع، يقول فيها ما يشاء ظناً منه أن المواطنين لا يملكون إلا متابعته وتصديق ما يقول، فإن ما ينبغي أن يعرفه جيداً، هو أن المواطن ميال إلى السخرية من أقوال الرسميين الذين يمطرون المشاهد بإنجازات وهمية وكثيراً ما كان الرسمي يقول شيئاً في الصباح ليقول عكسه تماماً في المساء، معتمداً على ما يظنه ضعفاً في ذاكرة الناس، بينما يكون الناس في واقع الأمر قد انقسموا إلى قسمين الأول غالبية عظمى تحجم عن المشاهدة والاستماع لكل ما هو رسمي، وقلة قليلة تشاهد وتسمع من قبيل الفضول ليس إلا، والمحصلة النهائية هو ضعف الاهتمام الشعبي بالشأن السياسي حتى لو كان بالغ الأهمية.
الإعلام الرسمي العربي الذي صار الفلسطيني نسخة طبق الأصل عنه، تمحور حول رئيس النظام ومساعديه، هو أكبر وأعمق مؤثر سلبي على الرأي العام، بل هو ومن خلال ابتعاده عن معالجة قضايا الناس وهمومهم واستغراقه في الترويج الذي غالباً إن لم يكن دائماً ساذجاً وسطحياً يؤدي تلقائياً ليس فقط إلى إدارة الظهر للمنابر الرسمية، بل والبحث عن منابر مختلفة يرى فيها صدقية إخبارية وتحليلية أفضل بكثير مما تعرضه عليه وسائل الإعلام الرسمية.
كذلك فإن الإعلام العربي الرسمي الذي هو حكماً غير " تعددي" ليس مجرد إعلام ترويجي ودعائي لرئيس النظام ومساعديه، بل إنه أخطر وسائل القمع الفكري حين يحجب أصواتاً بفعل معارضتها أو اختلافها عن الخط الرسمي.
فحجب الأصوات وازدياد المدرجين على قائمة الممنوعين من الظهور على منابر الإعلام الرسمي الممول من قبل دافع الضريبة، هو نوع من القتل غير الشرعي وغير الأخلاقي للرأي الآخر، الذي من خلال حجبه وإلغائه يفقد المنبر الإعلامي توازنه وصدقيته وحتى موضوعية معالجاته، فيصبح رديفا لعمل الأجهزة ذات الطابع والوظيفة البوليسية.
ولأن الإعلام هو الإفراز المنطقي للسياسة، فإن تراجع الزخم السياسي لأي قضية ولأي جهة تعبر عنها رسمياً، لا بد وأن تُحدثَ تراجعاً ملموساً في درجة تأثير الإعلام الرسمي على متلقيه، وخشية اتهام الطبقة السياسية الرسمية بالفشل، فإنها تجد نفسها مضطرة لتقديم خطاب تبريري، يفسر الفشل على أنه بفعل تطورات خارجة عن الإرادة، وعندنا في فلسطين فالاحتلال يصلح لأن يكون مشجبا نعلق عليه وقائع التقصير والفشل.
وفي حقبة تراجع الإنجازات السياسية المقنعة ازدادت حاجة الإعلام الرسمي لاختراع إنجازات وتسويقها عبر تضخيمها، حتى لو كانت كلها تقع في دائرة المواقف النظرية والدعائية، وهنا يكمن سر كثرة استخدام الوقائع البروتوكولية العادية كإنجازات.
كذلك فهنالك محظور يلمسه الفلسطينيون ويتحدثون عنه بلغة انتقادية وكثيرا ما تكون ساخرة، وهي أن الساسة يلوذون بطرح توجهات مستحيلة التحقيق، ويعتبرون مجرد طرحها عملا عظيما يستحق الإشادة وحتى الاعتناق.
الإعلام ليس مسؤولا عن صناعة الظاهرة، لأن المسؤول الفعلي هو صانع السياسة، الذي يفرض على الإعلام أن يروج للأقوال كما لو أنها أفعال، ولكن دور الإعلام فيما هو ليس مسؤولا عن إنتاجه، يكمن في سطحية وسذاجة الأداء والإفراط في ادعاء الاقتناع بما هو غير مقنع.
ظاهرة الأقوال الشعبوية كبديل ربما وحيد عن الأفعال، جذرها يكمن في أن كثيرين من وجهاء الطبقة السياسية، لا يعرفون مستوى وعي الجمهور الذي يخاطبونه، ذلك أن الجمهور الفلسطيني بالذات، جرب حكاية القرارات التي تتخذ ظناً من متخذيها بأنها ترضي الجمهور، وبين القدرات الحقيقية لتطبيق هذه القرارات. والأمثلة على ذلك ليست كثيرة فحسب بل تراها في القرارات التي تعلن للإرضاء ولا يطبق أي منها.
لنأخذ مثلا.. كيف عالجت الطبقة السياسية وفرضت على الاحتلال أن يعالج حكاية التنسيق الأمني، لقد أصدرت كل مستويات العمل الرسمي الفلسطيني في السلطة والمنظمة والقوى قرارات بدت قاطعة بإلغاء التنسيق الأمني.
لم يثق الجمهور بصدقية هذه القرارات، لأنه يرى تواصل التنسيق الأمني بصورة صارخة، فضلا عن أنه صار يأخذ الحقيقة من الإعلام الإسرائيلي الذي بدوره لا يكف عن الإتيان بوقائع تؤكد أن التنسيق الأمني ما يزال يعمل بل وأحيانا يقول إنه يتضاعف.
كذلك فإن طرح الانفكاك عن إسرائيل كما لو أنه مجرد قرار فني أو إداري او كفاحي، والذي جرى تداوله كسياسة حكومية مركزية، إلا أنه فقد صدقيته الموضوعية من خلال رؤية المواطن الفلسطيني لواقع السيطرة الإسرائيلية الفعالة إن لم أقل المطلقة على كل مقومات الاستقلال الاقتصادي والمالي، فما دامت المعابر جميعاً تحت السيطرة الإسرائيلية، وما دامت العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية التي تأسست في حقبة أوسلو قد انهارت لمصلحة التفوق العسكري والأمني والاقتصادي الإسرائيلي، وما دامت اعتبارات أوسلو وصلت من الهشاشة حد إلغائها أو تطويعها وفق الأجندات الإسرائيلية، فإن شعار الانفكاك وإن بدا حلماً وطنياً إلا أن إمكانيات تحقيقه وفق المعادلات السائدة وهي معادلات قوة لا غير، تجعل من طرحه كسياسة مجرد ذر للرماد في العيون .
الإعلام الحكومي كما يفهمه الرسميون هو المكلف بالترويج لسياسات الحكومة مهما كانت، ولا يمكن توقع أن يقوم إعلام تتحكم السلطة الرسمية بمدخلاته ومخرجاته ونفقاته إلا أن يقدم على الترويج الإيجابي حتى لما لا صدقية له من القرارات والممارسات.
إلى اللقاء في الحلقة القادمة