الانتخابات بين الضرورة الوطنية وجودة التصميم الانتخابي
ليست الانتخابات مجرد صندوق اقتراع ولا استحقاقا دستوريا يُنفذ في موعده وإنما هي عملية سياسية ومؤسسية معقدة تُصمم لإعادة إنتاج الشرعية وتعزيز الاستقرار وترسيخ ثقة المواطنين بمؤسسات الحكم. وقد أثبتت التجارب الدولية أن الانتخابات لا تُعد نجاحا بمجرد إجرائها بل بقدرتها على إنتاج نظام سياسي أكثر تمثيلا واستقرارا وفي المقابل فإن الانتخابات التي تُجرى في بيئة سياسية منقسمة أو وفق قانون انتخابي لا يحقق العدالة والتوازن أو في غياب توافق وطني على أهدافها قد تتحول من أداة لبناء الشرعية إلى عامل يُفاقم الانقسام ويُضعف المؤسسات ويُنتج أزمات سياسية جديدة بدلا من معالجتها ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نجري الانتخابات؟ بل: كيف نصمم انتخابات تُعزز المشروع الوطني وتُرسخ الاستقرار وتمنح المؤسسات شرعية حقيقية تحظى بثقة المواطنين؟.
وفي الدول الديمقراطية الراسخة يُنظر إلى القانون الانتخابي باعتباره أحد أهم القوانين الناظمة للحياة الدستورية والسياسية لأنه لا ينظم عملية الاقتراع فحسب بل يرسم شكل النظام السياسي ويحدد طبيعة التمثيل ويؤثر بصورة مباشرة في استقرار الحكومات وكفاءة المؤسسات وقدرتها على أداء وظائفها ولذلك فإن أي تعديل في القانون الانتخابي لا ينبغي أن يكون استجابة لاعتبارات سياسية آنية بل يجب أن يستند إلى معايير علمية وتجارب مقارنة وحوار وطني واسع يضمن تحقيق التوازن بين عدالة التمثيل والاستقرار السياسي .
إن النقاش الدائر اليوم حول قانون الانتخابات صحي ومطلوب فجميع الملاحظات المطروحة تستحق دراسة متأنية لأن القانون الانتخابي ليس مجرد نصوص قانونية بل هو الإطار الذي يحدد شكل النظام السياسي لعقود قادمة الأمر الذي يفرض أن يكون أي تعديل نتاج دراسة علمية وحوار وطني شامل بعيدا عن الاعتبارات الظرفية والمصالح السياسية الآنية.
أولا : لماذا نجري الانتخابات؟
هذا هو السؤال الذي يسبق كل الأسئلة الأخرى وهو للأسف الأقل حضورا في النقاش العام.
في العلوم السياسية لا تُقاس جودة الانتخابات بمدى انتظام إجرائها فقط وإنما بالغاية التي تحققها فهل الهدف هو تجديد الشرعية؟ إنهاء الانقسام؟ إعادة بناء المؤسسات؟ تعزيز الوحدة الوطنية؟ أم مجرد الوفاء باستحقاق شكلي؟
حتى الآن لا توجد إجابة سياسية واضحة فلا الفصائل ولا المؤسسات الرسمية ولا حتى الجهات الداعية للانتخابات قدمت رؤية تشرح للشعب الفلسطيني ما الذي سيتحقق فعليا بعد الانتخابات وما هي القيمة السياسية المضافة لهذا الاستحقاق.
إن إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها لا يمثل إنجازا ديمقراطيا إذا لم يكن جزءا من مشروع سياسي واضح المعالم يتفق عليه الفلسطينيون ويحدد الأهداف الوطنية المرجوة من هذا الاستحقاق.
ثانيا : القرار الوطني المستقل
من المبادئ المستقرة في التجارب الديمقراطية أن الانتخابات يجب أن تكون تعبيرا عن الإرادة الوطنية الحرة لا استجابة لضغوط خارجية ولا يجوز أن يخضع القرار الفلسطيني لضغوط دولية سواء كانت أوروبية أو أمريكية أو إسرائيلية أو حتى عربية دون وجود مقابل سياسي واضح يخدم الحقوق الوطنية الفلسطينية.
فإذا كان المجتمع الدولي يطالب بإجراء الانتخابات فمن المشروع أن يُطرح السؤال: ما الذي سيحصل عليه الشعب الفلسطيني بالمقابل؟ وهل ستُسهم هذه الانتخابات في إنهاء الاحتلال؟ أو حماية الحقوق الفلسطينية؟ أو تعزيز الاعتراف السياسي بالدولة الفلسطينية؟.
أما إذا كانت الانتخابات تأتي ضمن رؤى أو مبادرات خارجية تستهدف إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني أو إعادة هندسة موازين التمثيل السياسي أو التأثير في مكانة بعض القوى أو المؤسسات الوطنية فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول مدى استقلالية القرار الوطني فالانتخابات يجب أن تكون وسيلة لخدمة المشروع الوطني الفلسطيني وتعزيز وحدته ومؤسساته لا أداة لتحقيق أهداف أو أولويات لا تنبع من الإرادة الوطنية الفلسطينية.
ثالثا : حجم المجلس التشريعي
ينص القانون على رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو وبالقياس إلى عدد السكان ومقارنة بالعديد من البرلمانات في الدول ذات الأحجام السكانية المتقاربة فإن هذا الرقم يبدو مرتفعا من الناحيتين المالية والإدارية فالزيادة في عدد أعضاء المجلس لا تعني بالضرورة تحسنا في جودة التمثيل أو كفاءة الأداء التشريعي بل قد تؤدي إلى ارتفاع النفقات العامة وإطالة الإجراءات التشريعية وتعقيد عملية اتخاذ القرار لذلك فإن الإبقاء على العدد السابق وهو 132 عضوا يبدو أكثر اتزانا وانسجاما مع الواقع الديموغرافي الفلسطيني كما يحقق وفرا ماليا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة ويعزز كفاءة العمل البرلماني دون المساس بجودة التمثيل السياسي.
رابعا : لماذا لا تُجرى الانتخابات الرئاسية والتشريعية معا ؟
من المبادئ المتعارف عليها في الإدارة الانتخابية أن دمج الاستحقاقات الانتخابية المتزامنة يحقق ثلاث فوائد رئيسية: تخفيض التكلفة المالية ورفع نسبة المشاركة وإنتاج شرعية سياسية متكاملة.
ولهذا يبرز تساؤل منطقي: لماذا لا يُمنح الناخب ورقتي اقتراع في اليوم نفسه إحداهما للرئاسة والأخرى للمجلس التشريعي؟ إن هذا الخيار يحقق كفاءة مالية وإدارية ويجنب البلاد تنظيم عمليتين انتخابيتين منفصلتين خلال فترة زمنية قصيرة كما يمنح المؤسسات التنفيذية والتشريعية شرعية متزامنة وواضحة.
خامسا : نظام القوائم… هل هو الخيار الأمثل؟
اعتمد القانون نظام التمثيل النسبي الكامل مع اعتبار الوطن دائرة انتخابية واحدة.
ورغم أن هذا النظام يحقق درجة عالية من التمثيل السياسي إلا أن نجاحه يرتبط بوجود أحزاب سياسية مستقرة وديمقراطية داخليا وقادرة على إنتاج قياداتها وفق معايير الكفاءة والشفافية.
أما في الحالة الفلسطينية حيث تعاني الأحزاب من الانقسام وضعف البناء المؤسسي والتنظيمي فإن نظام القوائم قد يؤدي إلى نتائج عكسية فالقائمة المغلقة تمنح القيادات الحزبية سلطة تحديد ترتيب المرشحين وليس الناخب وبالتالي قد يصل إلى المجلس من يحظى برضا القيادة الحزبية لا من يحظى بثقة الجمهور كما أن النظام الحالي يحرم عددا كبيرا من الشخصيات الوطنية المستقلة والكفاءات الأكاديمية والمجتمعية من الترشح لأنها لا تستطيع تشكيل قوائم انتخابية كاملة.
ولهذا فإن من المناسب إعادة مناقشة خيار النظام المختلط الذي يجمع بين القوائم والدوائر الفردية باعتباره أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين التمثيل الحزبي والتمثيل المجتمعي.
سادسا : هل نسبة الحسم الحالية تحقق الاستقرار؟
حُددت نسبة الحسم في مشروع القانون بـ 1% ولفهم أثرها لا بد من النظر إلى الأرقام.
إذا كان عدد المسجلين للانتخاب 2.8 مليون ناخب فإن نسبة الحسم تُحسب من الأصوات الصحيحة المشاركة.
فإذا بلغت نسبة المشاركة 80% فإن عدد المقترعين سيكون حوالي 2,240,000 ناخب وبالتالي فإن نسبة الحسم (1%) تعادل 22,400 صوت أما إذا بلغت نسبة المشاركة 40% فإن عدد المقترعين سيكون حوالي 1,120,000 ناخب لتصبح نسبة الحسم 11,200 صوت فقط.
وهذا يعني أن قائمة قد تدخل المجلس التشريعي بما يقارب أحد عشر ألف صوت فقط إذا كانت نسبة المشاركة منخفضة.
وفي المقابل لو رُفعت نسبة الحسم إلى 2% فإن الحد الأدنى سيصبح 22,400 صوت عند مشاركة 40% و44,800 صوت عند مشاركة 80%.
أما إذا بلغت 3% فسيرتفع الحد الأدنى إلى 33,600 صوت عند مشاركة 40% و67,200 صوت عند مشاركة 80%.
وهنا تكمن المعضلة التي يواجهها أي مشرّع انتخابي فنسبة الحسم المنخفضة تعزز التعددية السياسية لكنها قد تؤدي إلى مجلس شديد التشتت يصعب فيه تشكيل أغلبية مستقرة أو تمرير التشريعات أما نسبة الحسم المرتفعة فتحد من التشرذم لكنها قد تحرم قوى سياسية ناشئة من التمثيل.
ولذلك فإن اختيار نسبة الحسم يجب ألا يكون قراراً سياسيا بل قراراً فنياً يستند إلى الهدف الذي يراد تحقيقه من النظام الانتخابي: هل الأولوية لتعظيم التمثيل أم لتعزيز الاستقرار البرلماني؟
سابعا : الانتخابات ليست حدثا… بل مسارا وطنيا متكاملا
تؤكد الخبرات الدولية في مجال إدارة الانتخابات أن نجاح أي عملية انتخابية لا يبدأ يوم الاقتراع بل يبدأ منذ لحظة تصميم النظام الانتخابي وبناء البيئة السياسية والقانونية والمؤسسية التي ستجري فيها الانتخابات فوجود قانون انتخابي متوازن وإدارة انتخابية مستقلة ومحايدة وقضاء قادر على الفصل في الطعون والنزاعات الانتخابية وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين وقبول مختلف الأطراف بنتائج الانتخابات هي جميعها عناصر أساسية لنجاح أي عملية ديمقراطية ولا تقل أهمية عن عملية التصويت نفسها.
كما تُظهر التجارب المقارنة أن الانتخابات التي تُجرى في ظل غياب توافق سياسي كاف أو دون وضوح في أهدافها الوطنية قد تتحول إلى محطة جديدة في الصراع السياسي بدلا من أن تكون مدخلا لحله. ولذلك فإن نجاح الانتخابات لا يُقاس بنسبة المشاركة أو بعدد صناديق الاقتراع وإنما بقدرتها على إنتاج شرعية سياسية مستقرة وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات وإيجاد نظام سياسي قادر على الاستجابة لتطلعات المجتمع ومواجهة التحديات الوطنية.
ثامنا : الحاجة إلى حوار وطني شامل حول النظام الانتخابي
إذا كانت الانتخابات ستحدد شكل النظام السياسي الفلسطيني لسنوات طويلة قادمة فإن من غير الحكمة أن يبقى النقاش حول قانون الانتخابات محصورا بين القوى السياسية أو داخل المؤسسات الرسمية فقط فالنظام الانتخابي ليس ملكا لفصيل أو حكومة أو سلطة بل هو عقد اجتماعي وسياسي ينظم العلاقة بين المواطن ومؤسسات الحكم ويحدد شكل التمثيل السياسي للأجيال القادمة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطلاق حوار وطني شامل يسبق إقرار أي قانون انتخابي ويشارك فيه الجميع دون استثناء بما يشمل الفصائل والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات المهنية والعمالية والاتحادات الشعبية والقطاع الخاص والشخصيات الوطنية المستقلة والأكاديميين والجامعات الفلسطينية وخبراء النظم الانتخابية ولجنة الانتخابات المركزية إلى جانب الاستفادة من خبرات دولية محايدة ومتخصصة في تصميم النظم الانتخابية وإدارة العمليات الديمقراطية بما ينسجم مع الخصوصية الوطنية الفلسطينية ويعزز استقلال القرار الوطني.
فالقوانين الانتخابية الأكثر استقرارا في العالم لم تكن نتاج توافقات سياسية مؤقتة وإنما جاءت ثمرة حوار مجتمعي واسع استند إلى الخبرة العلمية والممارسة العملية وهدف إلى تحقيق التوازن بين عدالة التمثيل والاستقرار السياسي وكفاءة المؤسسات وضمان أوسع مشاركة ممكنة للمواطنين.
إن السؤال اليوم ليس ما إذا كانت فلسطين تحتاج إلى انتخابات فذلك أمر لا خلاف عليه وإنما السؤال هو: أي انتخابات نريد؟ هل نريد انتخابات تُجرى لاستيفاء استحقاق شكلي أم انتخابات تُعيد بناء الشرعية وتعزز الوحدة الوطنية وتُنتج مؤسسات قادرة على مواجهة التحديات الوطنية؟
ان جودة الانتخابات لا تُقاس بيوم الاقتراع وإنما تبدأ منذ اللحظة التي يُصاغ فيها القانون الانتخابي وتتجسد في مدى قدرة هذا القانون على تحقيق التوازن بين التمثيل والاستقرار وبين التعددية والفاعلية وبين الحق في المشاركة ومتطلبات الحكم الرشيد فالانتخابات ليست غاية بحد ذاتها وإنما وسيلة لبناء مؤسسات شرعية وقادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه وكلما كان القانون أكثر توازنا وعدالة وكان القرار أكثر استقلالا واتسعت دائرة الحوار الوطني حوله أصبحت الانتخابات أكثر قدرة على إنتاج نظام سياسي مستقر يحظى بثقة المواطنين ويخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية قبل أي اعتبار آخر.
إن بناء نظام انتخابي يحظى بثقة الجميع لا يبدأ بصندوق الاقتراع بل يبدأ بإرادة سياسية صادقة وحوار وطني شامل وقانون انتخابي عادل يضع مصلحة فلسطين فوق كل اعتبار فالقانون الانتخابي الرشيد لا يقتصر أثره على تحديد الفائزين في الانتخابات بل يؤسس لمؤسسات شرعية وفاعلة ويعزز استقرار النظام السياسي ويرسخ ثقة المواطنين بمؤسساتهم فالتاريخ لا يتذكر من أجرى الانتخابات بل يتذكر من نجح في أن يجعلها نقطة انطلاق نحو الاستقرار والوحدة وبناء الدولة .