عندما يُصبحُ الوقودُ مفتاحَ الاقتصاد: فلنحرصْ أن تكونَ المفاتيحُ في أيدٍ أمينة

2026-07-18 15:01:14

ليست كل القطاعات الاقتصادية متساوية في تأثيرها على حياة المجتمع، فهناك قطاعات إذا اضطربت لا تتوقف آثارها عند حدود النشاط التجاري، بل تمتد لتصل إلى كل بيت وكل مؤسسة وكل شارع، وقطاع المحروقات يأتي في مقدمة هذه القطاعات، لأن الوقود ليس مجرد سلعة تُباع في محطات التعبئة، بل هو الطاقة التي تحرك الاقتصاد والمجتمع.

التزامًا بانتمائي الوطني والقيمي، أتمنى ألا يكون للسادة في شركة الهدى للمحروقات أي دور في شح الوقود، وفي حال ثبت وجود علاقة بين الخلاف القائم بين الشركة والدولة وبين نقص الإمدادات، فإن ذلك يفتح بابًا للتأكيد على أن الخلافات التجارية أو الإدارية يجب أن تُعالج عبر المؤسسات المختصة، لا أن يتحمل المواطن نتائجها، فالدولة مطالبة بحماية المصلحة العامة، كما هي مطالبة بحماية حقوق ومصالح رجال الأعمال.

ويُقدَّر حجم استهلاك السوق الفلسطيني من المشتقات النفطية بمئات الملايين من اللترات سنويًا، تشمل بشكل أساسي البنزين والسولار المستخدمين في النقل والخدمات والصناعة، بينما تصل القيمة المالية لهذا القطاع إلى مليارات الشواكل سنويًا. ورغم انتشار مئات محطات الوقود في مختلف المحافظات، إلا أن هذه الشبكة الظاهرة تخفي خلفها منظومة أكثر تعقيدًا تتعلق بالتوريد والتخزين والنقل والتوزيع.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل يكفي وجود عدد كبير من المحطات لضمان أمن الوقود؟ أم أن القوة الحقيقية تكمن في الجهات التي تتحكم بالحلقات التي تسبق وصول الوقود إلى المواطن؟

فكل مركبة تتحرك، وكل مصنع يعمل، وكل خدمة تصل إلى المواطن، تقف خلفها منظومة طويلة تبدأ من توفير الوقود ولا تنتهي عند المحطة. ولهذا فإن قضية المحروقات ليست فقط قضية أسعار أو تجارة، بل قضية تتعلق بقدرة المجتمع على الاستمرار في الحركة.

في فلسطين تزداد حساسية هذا القطاع بسبب الاعتماد الكامل على الاستيراد الخارجي، وغياب مصادر إنتاج محلية، واعتماد مختلف القطاعات على شبكة معقدة من التوريد والتخزين والنقل والتوزيع. فالمحروقات تمثل أحد الشرايين الأساسية للاقتصاد، وأي خلل في تدفقها يمكن أن يتحول بسرعة من مشكلة تشغيلية إلى أزمة تمس الحياة اليومية للمواطنين.

تشير بيانات الطاقة إلى أن السوق الفلسطيني يستهلك كميات كبيرة من البنزين والسولار سنويًا، ما يجعل هذا القطاع من أكثر القطاعات ارتباطًا بالأمن الاقتصادي، ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بكمية الوقود الموجودة في السوق، بل بمن يمتلك القدرة على ضمان استمرار وصولها.

فالمواطن يرى محطة الوقود باعتبارها نقطة النهاية، لكنه لا يرى السلسلة الطويلة التي تقف خلف كل لتر يصل إلى خزان مركبته: من يؤمن الكميات؟ من يمتلك القدرة على التخزين؟ من يدير شبكة النقل؟ ومن يستطيع ضمان وصول الوقود إلى مختلف المناطق؟

ومن هنا يصبح فهم سوق المحروقات الفلسطيني ضرورة، لأن القوة لا تقاس فقط بعدد المحطات أو انتشار العلامة التجارية، بل بموقع كل طرف داخل سلسلة الإمداد.

وخلال السنوات الماضية، برز عدد من الشركات الكبرى في سوق المحروقات الفلسطيني، من بينها مجموعة الهدى للمحروقات، وشركة الوكالة للمحروقات (ASU)، ومجموعة السلام، والنيل، إضافة إلى عدد كبير من المحطات المستقلة. وقد استطاعت هذه الشركات بناء حضور مهم نتيجة الخبرة والتوسع والاستثمار في قطاع يحتاج إلى قدرات تشغيلية ولوجستية كبيرة.

لكن وجود شركات قوية ليس مشكلة بحد ذاته، فكل اقتصاد يحتاج إلى شركات قادرة على الاستثمار والتوسع. والسؤال الحقيقي لا يتعلق بوجود شركة كبيرة أو صغيرة، بل يتعلق بموقع كل شركة داخل المنظومة، وبمدى قدرة السوق على التعويض إذا تعرض أحد مراكز القوة لأي اضطراب.

ففي قطاع المحروقات، لا تكفي معرفة عدد المحطات التي تحمل اسم شركة معينة، لأن المحطة هي الحلقة الأخيرة فقط، أما القوة الحقيقية فتظهر في القدرة على تحريك السلسلة كاملة: التوريد، التخزين، النقل، والتوزيع.

ولهذا فإن أي نقاش جاد حول هذا القطاع يحتاج إلى بيانات واضحة حول حجم التوزيع لكل شركة، ونسبة المحطات التي تعتمد على كل مورد، وحجم المخزون، والقدرات التخزينية، وشبكات النقل، ومدى قدرة السوق على الاستمرار إذا غاب أحد اللاعبين الرئيسيين.

لكن هشاشة قطاع المحروقات لا ترتبط فقط بالجانب اللوجستي، بل تمتد إلى الجانب المالي أيضًا. فشركات المحروقات تتعامل مع حركة نقدية ضخمة بحكم طبيعة النشاط؛ فهي تستقبل يوميًا مبالغ كبيرة من المستهلكين والمحطات، ثم تعيد توجيهها إلى عمليات التوريد والتشغيل، وأي اضطراب في الدورة المالية يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة على قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها والاستمرار في توفير الوقود.

وفي ظل مشكلة تراكم الشيكل داخل الجهاز المصرفي الفلسطيني، والقيود المرتبطة بالتخلص من فائض العملة المحلية، ظهرت تحديات أمام بعض القطاعات التي تعتمد على التداول النقدي الكبير، وهذا يطرح سؤالًا أوسع: هل تمتلك المنظومة المالية القدرة الكافية على استيعاب احتياجات القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع المحروقات؟

فأزمة الوقود قد لا تبدأ دائمًا من نقص المادة نفسها، بل قد تبدأ أحيانًا من تعطل إحدى الحلقات التي تسمح باستمرار الدورة الاقتصادية: التمويل، السيولة، التوريد، أو التوزيع. ومن هنا فإن الحديث عن أمن المحروقات لا يمكن فصله عن الأمن المالي والاقتصادي، فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى معرفة من يملك المحطات، بل يحتاج إلى فهم كامل للمنظومة التي تجعل الوقود يصل إليها.

وهنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن أن يتحول غياب الوقود إلى عامل يؤدي إلى تجميد الحركة؟

الإجابة لا تبدأ من اتهام شركة بعينها أو جهة محددة، بل من دراسة قدرة المنظومة كلها على الصمود. فإذا كان السوق يمتلك مخزونًا كافيًا، وبدائل متعددة، وشبكة توزيع مرنة، ونظامًا ماليًا قادرًا على استيعاب حركة الأموال، فإن أي اضطراب يبقى محدود الأثر.

أما إذا كان الاعتماد كبيرًا على عدد محدود من نقاط القوة، أو إذا كانت إحدى حلقات المنظومة تعاني من ضعف مزمن، فإن أي ضغط قد يتحول بسرعة إلى أزمة تؤثر في المواطنين والاقتصاد، إن القضية ليست البحث عن مسؤول واحد، ولا تحميل شركة بعينها مسؤولية منظومة كاملة، بل فهم طبيعة قطاع استراتيجي تتحرك معه حياة الناس. ففي عالم اليوم، لا تكمن القوة فقط في امتلاك الموارد، بل في امتلاك القدرة على إدارتها وضمان استمرار تدفقها عند الحاجة.

ولهذا فإن السؤال النهائي ليس فقط: من يبيع الوقود؟ بل: من يملك مفاتيح استمرار الحركة؟ لأن الوقود ليس مجرد طاقة للمحركات، بل طاقة للمجتمع كله، وحماية تدفقه أصبحت جزءًا من حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني.

آن الأوان ان تعمل الجهات الرسمية على  إيجاد حلول جذرية للمعضلة المتكررة في الآونة الأخيرة، من خلال ضرورة منع الاحتكار لأي سبب كان، عبر إيجاد رقابة صارمة تمنع التهريب والتهرب والخلط، وفي ذات الوقت تسهم في حل مشكلة تراكم الشيكل لدى أصحاب المحطات والشركات، اضافة الى حماية رجال الاعمال الملتزمين ،وفي ذلك ضمانة لاستمرار عجلة الاقتصاد في الدوران.