خاص| بعد إصابتها في مجزرة الباقة... كفاح الفاخوري تعود إلى التصوير بساق مبتورة
أروى عاشور- راية - غزة:
في خيمةٍ صغيرةٍ منصوبة على أرضٍ فارغة في حي الرمال غرب مدينة غزة، تعيش المصورة الصحفية كفاح الفاخوري (35 عاماً)، بعد أن تحولت إصابتها في مجزرة مقهى الباقة منتصف يونيو/حزيران 2025 إلى رحلة طويلة من الألم، انتهت ببتر ساقها تدريجياً نتيجة الإهمال الطبي ونقص الإمكانيات العلاجية في قطاع غزة. تعيش كفاح اليوم مع والدتها المسنة (68 عاماً) في ظروف نزوح قاسية، دون أي دعم إغاثي، بينما تحاول التمسك بحياتها والعمل بعد عودتها مطلع عام 2026.
"كنت قد أنهيت تصوير فعالية إغاثية في ذلك اليوم، وبعدها ذهبت مع زميلاتي إلى مقهى الباقة غرب غزة لنرتاح قليلاً، لم أكن أتوقع أن دقائق الراحة تلك ستنتهي بكل هذا، لم يمضِ وقت طويل حتى وقع انفجار شديد، في البداية كنت واعية تماماً، وبدأت أصرخ: أنا عايشة، أنا عايشة، أنقذوني، رأيت الناس حولي ولا أفهم ماذا حدث، ووجدت شخصاً أمامي كان يتحرك بصعوبة، فظننت أنه حي، وطلبت منه أن يساعدني، أمسكت بيده لأستند عليها لكن يده انفصلت وبقيت في يدي، عندها فقط فقدت الوعي تماماً".
أسفر الاستهداف عن استشهاد أكثر من خمسة وعشرين شخصاً، فيما كانت كفاح من بين المصابات اللواتي نُقلن إلى المستشفى في حالة حرجة.
"عندما وصلت إلى مستشفى الشفاء الطبي قالوا إن الإصابة بتر في القدم، في تلك اللحظة ظننت أن الأمر سينتهي عند هذا الحد، كنت أفكر فقط في العلاج وتركيب طرف صناعي والعودة للمشي، لكن بعد ذلك بدأت رحلة مختلفة تماماً وبقيت داخل المجمع نحو أسبوعين وبسبب نقص العلاج والمعدات، بدأت الالتهابات تنتشر، وكل عملية جراحية كنت أدخلها كانت تنتهي ببتر جزء إضافي من ساقي".
"خضعت حتى اليوم لثماني عشرة عملية جراحية، البتر بدأ في القدم، ثم امتد إلى الساق، ثم وصل إلى أعلى الفخذ، لم يكن هناك استقرار في حالتي، وفي كل مرة كنت أستيقظ من العملية لأجد أن جزءاً جديداً قد اختفى من ساق قدمي، لم أفقد ساقي مرة واحدة بل فقدتها على مراحل، وهذا ما جعل الألم أصعب بكثير من الإصابة نفسها".
"الأسبوع المقبل سأدخل عملية جديدة، وهناك حديث من الأطباء عن بتر إضافي إذا استمرت المضاعفات، أكثر ما يؤلمني أنني لا أعرف أين ستتوقف هذه الرحلة، كل مرة أظن أنني وصلت للنهاية، أعود من جديد إلى غرفة العمليات".
قبل هذه الإصابة، كانت الحرب قد أخذت من كفاح جزءاً آخر من حياتها، ففي 29 يناير/كانون الثاني 2024، استشهد والدها السبعيني عطا وشقيقاها محمد (26 عام) ومحمود(30 عام) إثر استهداف تجمع مدني في حي الزيتون شرق مدينة غزة.
"استشهاد والدي وإخوتي غيّر حياتي بالكامل، فقدت السند والدعم، وأصبحت أنا ووالدتي وحدنا، كنت أحاول أن أتماسك رغم الألم، لكن بعد ذلك جاءت الإصابة لتكمل ما بدأته الحرب، أحياناً أشعر أنني أُنزف من كل الجهات، من فقدان أفراد عائلتي ومن جسدي في الوقت نفسه".
تعيش كفاح اليوم مع والدتها المسنة (68 عاماً) داخل خيمة غير مدعومة في حي الرمال غرب غزة، حيث تتفاقم المعاناة اليومية بسبب غياب الخدمات الأساسية وصعوبة الحركة.
" الخيمة لا تصلح للعيش، الأرض فارغة، ولا يوجد أي دعم أو تجهيزات لنعيش بها، القوارض تدخل بشكل متكرر، ولا أستطيع مطاردتها أو إبعادها، والدتي كبيرة في السن ولا تستطيع مساعدتي في كل مرة، هناك ليالٍ أستيقظ فيها على الحركة حولي ولا أستطيع فعل شيء حتى أبسط تفاصيل الحياة أصبحت مرهقة جداً".
"التنقل هو أصعب شيء، أحتاج دائماً للذهاب إلى مستشفى الشفاء من أجل المتابعة الطبية لكن الطريق طويل ومليء بالركام، لا أستطيع الحركة بسهولة حينما أمشي على الكرسي المتحرك، وكل زيارة تتحول إلى معاناة جسدية ونفسية، أحياناً أفكر في تأجيل العلاج فقط لأن الوصول إلى المستشفى أصبح مرهقاً أكثر من المرض نفسه، ورغم تحويلة السفر قد صدرت لي لكن المشكلة الأكبر في الحصار المشدد على المعبر الذي يمنعني من الخروج لاستكمال علاجي ".
ورغم كل ذلك، عادت كفاح إلى عملها الصحفي مطلع عام 2026، محاولةً تأمين احتياجاتها واحتياجات والدتها بعد انقطاع أي مصدر دخل لكن العودة لم تكن سهلة خاصة انها تحتاج لمرافق معها أثناء العمل.
"لم أعد إلى العمل لأنني بخير بل لأنني مضطرة بعد كل ما فقدته لم يعد لدي خيار، أحتاج إلى أن أعمل؛ لأعيش أنا ووالدتي، العودة إلى التصوير لم تكن سهلة، لكنني شعرت أن البقاء في الخيمة دون عمل سيجعلني أضعف أكثر".
وتشير حالتها إلى انتهاك واضح لعدد من الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي الإنساني، أبرزها الحق في الصحة والحصول على العلاج والرعاية الطبية، والحق في السكن الملائم، وحرية التنقل والوصول إلى الخدمات الصحية، إضافة إلى ما تنص عليه قرارات حماية المدنيين والنساء في النزاعات المسلحة، ومنها قرار مجلس الأمن 1325، بشأن ضمان الرعاية والحماية للنساء المتضررات من الحروب دون عوائق.
"عندما أحمل الكاميرا اليوم أشعر أنني أعيش تناقضاً قاسياً، أنا أُصوّر معاناة الناس بينما أعيشها في الوقت نفسه، كل مشهد أراه يعيد إليّ ما مررت به، ومع ذلك أستمر؛ لأن التوقف يعني الاستسلام".