بين الخديعة والتواطؤ.. تحقيق أمريكي يكشف كواليس "الغضب المكتوم" وإدانات المساعدين لنتنياهو في حرب غزة

2026-07-21 19:47:05

كشف تحقيق موسع ومطول نشرته مجلة "ذا نيو يوركر" الأمريكية عن شروخ عميقة وخلافات غير مسبوقة دارت خلف الأبواب المغلقة بين إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن وحكومة الاحتلال الإسرائيلي خلال العدوان المستمر على قطاع غزة.

التحقيق، الذي استند إلى شهادات حصرية ومباشرة من كبار مسؤولي الأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية—ومن بينهم جيك سوليفان، وأنتوني بلينكن، ولويد أوستن—أماط اللثام عن شعور طاغٍ بالخديعة والمماطلة من قِبل بنيامين نتنياهو، يقابله اعتراف أمريكي متأخر بالعجز أو الامتناع عن استخدام أوراق الضغط الحقيقية لوقف شلال الدم.

اعترافات الفشل.. "كان يجب أن نضغط أكثر"

في خطوة تعكس حجم التخبط الداخلي، أقر مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان بالخطأ في إدارة الملف، مؤكدًا: "كان يجب علينا ممارسة ضغوط أكبر على إسرائيل لتتبنى نهجًا مختلفًا".

وكشف التحقيق أن البيت الأبيض ناقش في محطات عدة خيار تعليق أو تقييد شحنات الأسلحة، إلا أن بايدن كان يتدخل شخصيًا لإحباط هذه المقترحات، مدفوعًا بتقديرات (تبين زيفها لاحقًا) بأن صفقة تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار باتت وشيكة.

كذب ومماطلة.. لعبة "الأسبوعين" لشراء الوقت

وفقًا للشهادات الواردة في التحقيق، كان نتنياهو ووزير شؤونه الاستراتيجية رون ديرمر يعتمدان استراتيجية التضليل الممنهج لكسب الوقت ومواصلة العمليات العسكرية.

جون فاينر (نائب مستشار الأمن القومي): أكد أن الجانب الإسرائيلي "لم يكن صادقًا أبدًا بشأن خططه العسكرية أو جداوله الزمنية".

أنتوني بلينكن (وزير الخارجية): انفجر غاضبًا في وجه ديرمر خلال إحدى الجلسات قائلًا: "لا أريد أن أسمع عبارة (أسبوعين آخرين) مجددًا"، ليرد عليه المسؤول الإسرائيلي بسخرية: "حسنًا، سأقولها بالإنجليزية القديمة".

صدمة في الخارجية وتساؤلات خلف الأبواب المغلقة

التحقيق أظهر فجوة هائلة بين التصريحات الدبلوماسية العامة لواشنطن وما يدور في أروقة صنع القرار:

أبدى بلينكن صدمته المبكرة من حجم الدمار والضحايا في غزة، متسائلًا في اجتماعاته: "كيف يمكن ألا يندم المرء أمام الثمن الباهظ الذي دفعه الأطفال والنساء الأبرياء؟".

سادت حالة من الإحباط بين موظفي الخارجية الأمريكية الذين كانوا يتساءلون علنًا في الاجتماعات المغلقة: "ما الذي يفعلوه بحق الجحيم في غزة؟".

امتنع بلينكن شخصيًا عن فرض عقوبات على وحدات عسكرية إسرائيلية متورطة في جرائم تعذيب ضد المعتقلين الفلسطينيين في معتقل "سديه تيمان"، خشية أن تؤدي الخطوة إلى عرقلة المفاوضات.

أوستن: نتنياهو مقامر يلعب بأموالنا

جاء الوصف الأشد قسوة لنتنياهو على لسان وزير الدفاع الأمريكي السابق لويد أوستن، الذي شبه رئيس حكومة الاحتلال بـ "المقامر الذي يلعب بأموال الكازينو"، في إشارة صريحة إلى أن واشنطن هي من تدفع الفاتورة السياسية والعسكرية والدفاعية لحروب نتنياهو. كما حذر أوستن القادة الإسرائيليين من أن المبالغة في قتل المدنيين في غزة "ستساهم في صناعة جيل جديد من المقاومين".

"إهانة" بايدن ورسالة الصليب الأحمر السرية

لم تتوقف الخلافات عند حدود قطاع غزة، وإنما امتدت لتشمل ملفات أخرى كشفت عن استخفاف إسرائيلي كامل بالإدارة الأمريكية:

اغتيال نصر الله: كشف التحقيق أن عملية اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله نُفذت دون إطلاع واشنطن مسبقًا، وجاءت بعد يومين فقط من طرح أمريكا لمبادرة هدنة، مما جعل بايدن يشعر بـ "الإهانة الشخصية"، ورغم ذلك واصلت إدارته الدفاع عن إسرائيل دوليًا.

رسالة الصليب الأحمر السرية: في مارس 2024، تلقت إدارة بايدن رسالة سرية شديدة اللهجة من رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حذرت فيها من أن ممارسات الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين تضع إسرائيل في مصاف دول توصف بالديكتاتورية مثل كوريا الشمالية وإريتريا، وطالبت الرسالة بوقف فوري لإمدادات السلاح الأمريكية لأنها تسهم في ارتكاب جرائم حرب.

غطاء أمريكي كامل رغم "اللعب بالجميع"

على الرغم من اعتراف أحد مسؤولي البيت الأبيض بمرارة قائلًا: "بيبي (نتنياهو) كان يلعب بنا جميعًا"، وتعمّد الأخير إفشال خطاب كان بايدن ينوي توجيهه للإسرائيليين للتخلي عن شعار "النصر المطلق" عبر طرح شروط تعجيزية جديدة واغتيال إسماعيل هنية ومحمد الضيف؛ فإن الإدارة الأمريكية واصلت تقديم الدعم العسكري غير المحدود واستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لتعطيل أي قرار يفرض وقفًا لإطلاق النار.

يخلص التحقيق إلى نتيجة واضحة: الخلافات الأمريكية الإسرائيلية لم تكن على جوهر الحرب أو أهدافها، بل كانت صراعًا بين إدارة أمريكية تدرك حجم العزلة والدمار وتبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء وجهها، وحكومة احتلال تعمدت المماطلة والخداع مستغلةً "الشيك المفتوح" للدعم الأمريكي الذي لم يتوقف قط.