كيف تم اغتيال الوطن؟
لم يكن الانقسام الفلسطيني الذي شهدته الأراضي المحتلة في منتصف الألفية الثانية مجرد انفجار لحظي لخلافات أيديولوجية أو نتائج انتخابات سياسية عام 2006؛ بل كان محصلة لعملية تراكمية وتهيئة ظرفية جرت بعناية على مدار سنوات لتفكيك بنيان المشهد السياسي الداخلي، ضمن مؤامرة كبرى استهدفت تصفية القضية الفلسطينية وإضعاف موقعها المركزي في المنطقة.
فقد بدأت حكاية هذا التحول الدراماتيكي بتفريغ الساحة الوطنية من قادتها التاريخيين ورموزها الكبار الذين كانوا يمثلون صمامات أمان حقيقية وقادرين على كبح جماح الأزمات ومنع الانزلاق نحو الاقتتال الأهلي. إن رحيل الزعيم ياسر عرفات مسموماً في ظروف غامضة، وما سبقه ورافقه من استهداف إسرائيلي مباشر ومكثف لرموز العمل الوطني والإسلامي عبر اغتيال القادة الكبار مثل أبو علي مصطفى، والمهندس إسماعيل أبو شنب، والشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي وغيرهم، أحدث فراغاً قيادياً وسياسياً هائلاً.
هذا التفريغ المفاجئ كان جزءاً أساسياً من التخطيط لتسهيل إحداث الانقلاب، حيث تُركت الساحة الوطنية عرضة للعبث والتجاذبات، وأتيح المجال لصعود قيادات وطاقات استُغلت – بوعي أو عن غير دراية وجهل – لتمرير مخططات التجزئة. ومع اختفاء القادة الكبار، أُفسح المجال لبروز منافسة تنظيمية ضيقة تحركها أموال وأجندات خارجية ووساطات دولية مشبوهة، فشجعت حالة التجييش المتصاعدة على الدخول في مواجهات ميدانية مفتوحة، مما حقق غايات إسرائيل في ضرب الوحدة الوطنية وتشتيت المسؤولية التاريخية بأيدي أبناء القضية أنفسهم.
وفي ظل هذا الفراغ القيادي، تصاعدت أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، واستُغل المال السياسي والتجييش الإعلامي لتعميق الشرخ بين الفصائل وتغذية التنافس الحزبي الضيق على حساب المصلحة الوطنية العليا. وقد أسهم السقوط في فخ المصالح التنظيمية وغياب الرؤية الاستراتيجية في تشتيت جهود العمل الوطني، مما أتاح للاحتلال فرصة الاستفادة من هذا الشرذم لتمرير سياساته وتهميش القضية على الساحتين الإقليمية والدولية.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن تجاوز هذه الحالة التاريخية المعقدة يتطلب إعادة بناء الميثاق الوطني على أسس جديدة تتجاوز أخطاء الماضي وترتكز على الشراكة السياسية الحقيقية وإعادة ترتيب البيت الداخلي. وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول مدى إمكانية الاستناد إلى الاستحقاقات الديمقراطية القادمة، وحول ما إذا كانت الانتخابات التشريعية والرئاسية، إلى جانب إعادة هيكلة وانتخابات المجلس الوطني، قادرة على تشكيل مدخل حقيقي وعملي لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني الموحد وإنهاء حالة الانقسام وترميم الشرعيات. إن المستقبل السياسي للشعب الفلسطيني يظل مرهوناً بمدى القدرة على بلورة قيادة جامعة عبر الاحتكام للشارع ورغبة الإرادة الشعبية، وضمان رؤية استراتيجية تستعيد مركزية القضية وتواجه التحديات الإقليمية والدولية، إذ إن استمرار الرهان على الأجندات الخارجية أو المصالح الفصائلية الضيقة سيعزز حالة الهشاشة، بينما يشكل التلاحم الوطني والتجديد الديمقراطي الشامل المدخل الوحيد لاستعادة المبادرة وتغيير معادلات الصراع.
المصدر : خاص-زوايا