الأمن القومي الفلسطيني ، الرؤية الوطنية في مرحلة التحرر .
إستمعت قبل أيام ، عبر تسجيل متداول على مواقع التواصل الأجتماعي ، إلى جزء من مداخلة قدّمها أحد الإخوة خلال ندوة تناولت نظام الفصل العنصري الإسرائيلي والأمن القومي الفلسطيني ، بدعوة من إحدى المؤسسات الوطنية الفاعلة . وتوقفت عند ما ورد في تلك المداخلة حول مفهومي "الرؤية" و"الأمن القومي". ولأن ما أتيح لي الإستماع إليه هو الجزء المتداول فقط من تلك المداخلة المقدمة ، فإن هذه الملاحظات تنحصر في مناقشة الأفكار المطروحة فيها ، انطلاقاً من أهمية هذه المفاهيم بالنسبة للمشروع الوطني التحرري الفلسطيني ، بعيداً عن أي سجال شخصي .
فقد ورد في تلك المداخلة أن "الرؤية" تتمثل في عدم الانجرار إلى مواجهة شاملة مع الأحتلال ، لأن ذلك يخدم ما يسمى إسرائيلياً بـ"خطة الحسم". ولا أختلف مع حق أي قيادة أو مؤسسة وطنية في تقدير الموقف واختيار الوسائل التي تراها مناسبة في كل مرحلة ، وإن اختلفت معها في هذا التقدير . لكنني أعتقد أن ثمة خلطاً جرى بين الرؤية الوطنية ، والاستراتيجية ، وتقدير الموقف ، وهي مفاهيم لكل منها وظيفة مختلفة .
فالرؤية تحدد الغاية الوطنية ، والإستراتيجية ترسم المسار العام لتحقيقها ، أما تقدير الموقف فهو الأداة التي تُتخذ في ضوئها القرارات وفق معطيات كل مرحلة . لذلك ، لا يجوز اختزال الرؤية في قرار أمني آني ، ولا اختزال الأمن القومي في إجراء مرحلي منفصل عن استراتيجية وطنية شاملة .
وتزداد أهمية هذا التمييز في الحالة الفلسطينية ، لأننا لسنا دولة مستقلة تدافع عن حدودها من اعتداءات خارجية ، بل شعب ما زال يخوض معركة تحرر وطني على أرضه في مواجهة مشروع استعماري استيطاني إحلالي بكل أدواته واشكاله .
ومن هنا ، فإن مفهوم الأمن القومي الفلسطيني ينبغي أن ينطلق من حماية مشروع التحرر الوطني ، لا من أعتبارات أمنية منفصلة أو إجرائية مجردة .
وليس هذا مفهوماً مستحدثاً ، فقد سعت الثورة الفلسطينية المعاصرة ومنظمة التحرير وفصائلها ، بما مثله الشهيد القائد صلاح خلف "أبو إياد" وغيره من القادة في بناء ومؤسسة ومفهوم الأمن الموحد ، إلى ترسيخ فهم يعتبر الأمن جزءاً من معركة التحرر الوطني ، ووظيفته حماية الشعب ووحدة الحركة الوطنية . وهو إرث يحتاج اليوم إلى تطوير بما ينسجم مع التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة .
ومن هنا ، فإن الأمن القومي الفلسطيني يقوم على حماية الإنسان الفلسطيني ، وصون الأرض والهوية ، وتعزيز صمود المجتمع ، والحفاظ على وحدة نسيجه ، وتعبئة جميع عناصر القوة السياسية والدبلوماسية والقانونية والاقتصادية والأمنية في مواجهة الأحتلال والأستيطان ومخططاته .
وفي هذا السياق ، لا يمكن اختزال إرهاب المستوطنين في كونه قضية أمنية داخلية ، من خلال تقديم الشكاوى بشأنه للشرطة الفلسطينية كما ورد في المداخلة المذكورة ، لأنه جزء من سياسة استعمارية منظمة ، ترتقي في كثير من ممارساتها إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، وتهدف إلى ترهيب الفلسطينيين وتهجيرهم وفرض وقائع جديدة على الأرض . ومن هنا ، فإن مواجهته لا تقتصر على الإجراءات الميدانية والمقاومة الشعبية ، بل يجب ان تشمل أيضاً ملاحقة مرتكبيه أمام القضاء الدولي ، بالتعاون مع المؤسسات الحقوقية الأممية . وما شهدته بلدة دير جرير قبل أيام ، كما تشهده عشرات القرى والبلدات الفلسطينية كل يوم ، يؤكد أن هذه الاعتداءات ليست أحداثاً معزولة ، وإنما إحدى أدوات المشروع الاستيطاني الإحلالي .
وفي المقابل ، فإن الدعوة إلى عدم الانجرار إلى المربع الذي يرسمه الاحتلال ، خاصة في مواجهة اعتداءات المستوطنين بالمناطق الريفية ، لا ينبغي عرضها بأي حال وضمن اي مداخلة على أنها تخلي عن حق شعبنا في الدفاع عن نفسه وحماية أرضه وممتلكاته ، أو أن تُفهم كذلك . فهناك فرق جوهري بين الانجرار إلى مواجهة تخدم أهداف الأحتلال ، وبين الدفاع المشروع عن الإنسان والأرض والوجود الوطني . بل إن حماية المواطن الفلسطيني وتعزيز صموده في أرضه تمثل أحد أهم أركان الأمن القومي في مرحلة التحرر ، وبما تشكله كجزءاً أساسياً من العقيدة الأمنية الفلسطينية وواجبات المؤسسة الأمنية وفق امكانياتها بالتعاون مع اللجان الشعبية بالمواقع الريفية تحديدا .
كما أن الأمن القومي الفلسطيني لا ينفصل عن الديمقراطية ، وسيادة القانون ، ووحدة النسيج الوطني . وهنا لا يقل الأمن الاقتصادي أهمية ، في ظل استمرار الأحتلال في سرقة أموال المقاصة ، وما نشهده اليوم من أزمة وقود وغيرها من الأزمات التي يكتنفها غياب الشفافية التي تمس أحد أهم حقوق المواطنة . فالمجتمع الذي يُستنزف اقتصادياً يصبح أقل قدرة على الصمود في مواجهة الأحتلال ، كما أن الفساد والإضرار بالمصلحة الوطنية العليا يضعفان الجبهة الداخلية ويمنحان الأحتلال فرصاً إضافية لتحقيق أهدافه في حصار شعبنا ومحاولات تقويض مؤسساتنا الوطنية . ولذلك ، فإن بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة ، واحترام الحقوق والحريات ، وتعزيز سيادة القانون ، ومكافحة الفساد ، وترسيخ ثقة المواطن بمؤسساته ، إلى جانب تبني سياسات تخفف الأعباء المعيشية عن المواطنين في ظل عدم انتظام الرواتب والمستحقات ، كلها عناصر أساسية في مفهوم الأمن القومي الفلسطيني .
أما المؤسسة الأمنية ، التي قدم أفرادها تضحيات من خلال مسارات الكفاح الوطني دفاعاً عن الإنسان والأرض والهوية ، فهي إحدى أدوات المشروع الوطني ، وتتمثل وظيفتها في حماية المواطن والمؤسسات ، وتنفيذ السياسات في إطار القانون والرؤية الوطنية ، واداة في خدمة المشروع الوطني .
إن رؤيتنا الوطنية واضحة وهي تتمثل في إنهاء الأحتلال ودحر الأستيطان ، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس ، وضمان حق شعبنا في تقرير مصيره، وحل قضية اللاجئين وفق القرار ١٩٤ ، كما الى اسقاط الابرتهايد وهزيمة المشروع الإستعماري بالاستفادة من التحولات الجارية بالعالم اليوم ومن قدرات شعبنا . أما الأمن القومي الفلسطيني ، فيتمثل في القدرة على حماية هذه الرؤية الوطنية ، وتسخير جميع الإمكانات الأمنية لذلك ، الى جانب تعزيز قدراتنا بالمقاومة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والقانونية لخدمة مشروع التحرر الوطني .
لذلك ، فإن النقاش حول الأمن القومي الفلسطيني ينبغي أن ينطلق من فهم طبيعة مرحلة التحرر الوطني ومتطلباتها ، ومن الدقة في استخدام المفاهيم ، لأن ذلك ليس شأناً أكاديمياً فحسب ، ولا ينبغي أن يكون مجرد اجتهاد شخصي ، بل مسؤولية وطنية تزداد أهميتها خاصة عندما تصدر هذه المفاهيم عن مسؤولين أو أشخاص يتحدثون باسم مؤسسات وطنية . فوضوح الرؤية ، ودقة المفاهيم ، ووضوح العقيدة الأمنية ، هي المدخل إلى سياسات أكثر قدرة على حماية شعبنا ، وتعزيز صموده ، وتحقيق أهدافه في الحرية والأستقلال الوطني .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح".