اكتوبر يضع الكيان على المحك
الأفكار التي تؤثر في المجتمعات ليست بالضرورة وليدة حقائق علمية أو قوانين تاريخية ثابتة، فبعضها ينشأ من الذاكرة الجماعية والقراءات الرمزية للتاريخ، ثم يتحول مع مرور الزمن إلى عنصر حاضر في طريقة فهم الشعوب لماضيها وحاضرها ومستقبلها، وقد لا تكون هذه الأفكار قابلة للقياس بمعايير العلم الصارمة، لكنها تصبح مؤثرة عندما تدخل في تشكيل الوعي الجمعي وتؤثر في طريقة قراءة الأحداث وتفسير التحولات.
ومن بين هذه الأفكار التي ظهرت في بعض النقاشات الإسرائيلية ما يُعرف بـ"لعنة العقد الثامن". وهي ليست نبوءة دينية ملزمة، ولا قانونًا تاريخيًا يحدد أعمار الدول أو يرسم نهاياتها، وإنما فرضية رمزية تستند إلى قراءات تاريخية وقلق متجذر حول قدرة الكيانات المصطنعة المرتبطة بالديانة اليهودية على تجاوز أزماتها والحفاظ على استمراريتها لأكثر من ثمانين عامًا.
العقد الثامن ليس رقما سحريًا، بل خليط تداخل الذاكرة الدينية والتاريخية، ومن بعض القراءات التي ربطت مراحل زمنية معينة في تاريخ الكيانات اليهودية بأزمات وتحولات كبرى، لكن أهمية هذه الفكرة لا تكمن في صحة الرقم أو عدم صحته، بل في حضورها داخل الوعي الجمعي، لأن المجتمعات لا تتحرك فقط وفق الوقائع المادية، بل وفق الروايات التي تصنعها عن ذاتها وعن مستقبلها.
وهنا تصبح الفكرة الرمزية جزءًا من عملية أوسع يمكن تسميتها بـ"هندسة الوعي"، حيث لا تُصنع صورة المستقبل فقط عبر القرارات السياسية والقدرات العسكرية، بل أيضًا عبر الطريقة التي يرى بها المجتمع نفسه، والأسئلة التي يحملها حول قوته وضعفه وقدرته على الاستمرار.
فإسرائيل، منذ قيامها، لم تكن مجرد كيان سياسي حديث، بل حملت مشروعًا استعماريًا جمع بين الذاكرة الدينية، والتجربة التاريخية لليهود، والرؤية القومية الحديثة، والاعتماد على القوة العسكرية والتحالفات الدولية، ولذلك فإن الاستمرارية لم ترتبط فقط بامتلاك جيش قوي أو اقتصاد متطور، بل ارتبطت بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وإدارة تناقضاتها، والتكيف مع بيئة إقليمية ودولية متغيرة.
فالدول لا تختبر قدرتها على البقاء عندما تكون الظروف مستقرة فقط، بل عندما تتراكم عليها الاختبارات في وقت واحد، فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي، كما أن التحالفات الدولية وحدها لا تكفي، وإنما تكمن الاستمرارية في تحقيق توازن بين المجتمع، والمؤسسات، والاقتصاد، والجيش، والشرعية الداخلية والدولية.
ومن هذه الزاوية تكتسب السنوات الأخيرة أهميتها، لأنها كشفت عن تزامن أزمات لم تعد منفصلة عن بعضها البعض، بل بدأت تتفاعل لتشكل اختبارًا مركبًا لقدرة الكيان على إدارة تناقضاته.
قبل السابع من أكتوبر، شهد المجتمع الإسرائيلي واحدة من أعمق أزماته الداخلية منذ تأسيس الدولة على خلفية أزمة التعديلات القضائية التي طرحتها حكومة بنيامين نتنياهو، فقد تجاوز الخلاف حدود الصراع حول صلاحيات المحكمة أو الحكومة، وتحول إلى نقاش أوسع حول طبيعة الدولة وحدود السلطة والعلاقة بين المؤسسات والمجتمع.
وقد كشفت الاحتجاجات الواسعة والانقسامات التي ظهرت داخل قطاعات كانت تعد تقليديًا من أعمدة الدولة عن شقوق عميقة تحت صورة التماسك التي سعت إسرائيل إلى تكريسها، ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر لتغير الأولويات، لكنها لم تُلغِ هذه الأسئلة، فالأزمات الكبرى قد توحد المجتمعات مؤقتًا أمام الخطر الخارجي، لكنها لا تعالج بالضرورة جذور الانقسامات الداخلية.
بعد ذلك دخلت إسرائيل مرحلة مختلفة، لم تعد فيها المواجهة حربًا قصيرة أو جبهة واحدة، بل صراعًا متعدد الساحات وطويل الأمد، فقد واجهت إسرائيل بيئة أمنية تشمل غزة، ولبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، إضافة إلى المواجهة مع إيران، وهو واقع يضع العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية أمام اختبار غير مسبوق.
فقد قامت هذه العقيدة تاريخيًا على الردع، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، وتحقيق الحسم السريع، والاستفادة من التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي. لكن التحول من حرب محدودة إلى استنزاف طويل ومتعدد الجبهات يطرح سؤالًا مختلفًا: ليس فقط هل تستطيع إسرائيل خوض المعارك، بل هل تستطيع تحمل كلفة الصراع المستمر عسكريًا واقتصاديًا واجتماعيًا؟
وهنا يظهر الجيش الإسرائيلي باعتباره أحد أهم عناصر اختبار الاستمرارية، فالجيش لا يواجه فقط تحدي العمليات العسكرية، بل تحدي الحفاظ على الجاهزية، واستمرار عمل قوات الاحتياط، ومنع تحول الحرب الطويلة إلى عبء متزايد على المجتمع والاقتصاد، فالحروب الممتدة تختبر قدرة الدولة على توزيع الأعباء، وليس فقط قدرتها على استخدام القوة.
ومن أبرز مظاهر هذا الاختبار أزمة التجنيد الإجباري، وخاصة إعفاء قطاعات واسعة من اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية، فلم تعد القضية مجرد خلاف اجتماعي أو ديني، بل تحولت إلى سؤال يتعلق بالأمن القومي والعقد الاجتماعي: هل ما زالت مكونات المجتمع الإسرائيلي مستعدة لتحمل الأعباء نفسها من أجل استمرار المشروع الصهيوني؟
عندما تصبح مسألة المشاركة في الدفاع عن الدولة موضع انقسام سياسي واجتماعي، فإن الأزمة لا تبقى داخل المؤسسة العسكرية، بل تمتد إلى تعريف العلاقة بين المواطن والدولة نفسها.
وفي هذا السياق، تصبح الانتخابات الإسرائيلية المقبلة اختبارًا إضافيًا لقدرة النظام السياسي على إدارة الانقسام الداخلي. فالقضية لا تتعلق فقط بمن يفوز أو يخسر، بل بمدى قدرة الأطراف المختلفة على قبول قواعد الانتقال السياسي في مجتمع يعيش استقطابًا حادًا وتوترًا أمنيًا مستمرًا.
وإذا أسفرت الانتخابات المقبلة عن انتقال السلطة إلى معسكر سياسي مغاير، فإن التحدي لن يقتصر على هوية الحكومة الجديدة، بل سيمتد إلى مدى قدرة النظام السياسي على استيعاب نتائجها، والحفاظ على قواعد تداول السلطة في ظل مجتمع يعيش استقطابًا حادًا وتوترًا أمنيًا مستمرًا.
لكن اختبار الاستمرارية لا يرتبط فقط بالداخل الإسرائيلي، بل بالتحولات في البيئة الدولية أيضًا، فإسرائيل ما زالت تمتلك علاقة استراتيجية قوية مع الولايات المتحدة، لكن طبيعة النقاش الدولي حول سياساتها والحروب التي تخوضها تغيرت، وأصبحت تواجه بيئة سياسية أكثر تعقيدًا، حيث تزداد الأسئلة حول العلاقة بين القوة والشرعية.
كما أعادت الحرب على غزة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وأثبتت أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس ملفًا يمكن تجاوزه أو إدارته أمنيًا فقط، بل قضية سياسية وتاريخية ما زالت تؤثر في المنطقة والعالم.
إضافة إلى ذلك، فإن الحرب الطويلة والمتعددة الساحات تفرض أعباء اقتصادية متزايدة، لا ترتبط فقط بالإنفاق العسكري، بل بتأثيرها على سوق العمل والاستثمار والثقة بالمستقبل، ما يضيف بعدًا جديدًا إلى اختبار قدرة الدولة على الاستمرار بنفس النموذج الذي اعتمدته خلال العقود الماضية.
إن جوهر المشكله يكمن في تزامن الأزمات، فإسرائيل اليوم تواجه في الوقت نفسه مجتمعًا منقسمًا سياسيًا، وجيشًا مستنزفًا في حرب متعددة الجبهات، وخلافًا حول توزيع أعباء الخدمة العسكرية، وضغوطًا اقتصادية، وتحولات في البيئة الدولية، وسؤالًا مفتوحًا حول مستقبل القضية الفلسطينية
ومن هنا تصبح "لعنة الثمانين" أكثر من مجرد فكرة رمزية مرتبطة برقم زمني؛ إنها استعارة عن لحظة تاريخية تختبر فيها الدولة قدرتها على إعادة إنتاج مصادر قوتها، فالدول لا تنهار لأنها بلغت عمرًا معينًا، كما أنها لا تستمر لأنها تمتلك جيشًا قويًا فقط، التاريخ يبين أن الدول تبدأ بالضعف عندما تفقد القدرة على إدارة تناقضاتها الداخلية، أو عندما تصبح الفجوة بين صورتها عن ذاتها وبين واقعها أكبر من قدرتها على المعالجة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي، هل تستطيع إسرائيل دخول عقدها التاسع وهي قادرة على إعادة بناء توافقها الداخلي، والحفاظ على قدرتها العسكرية، وإدارة علاقتها بالعالم، وإيجاد صيغة سياسية لصراع أثبتت الأحداث أنه لا يمكن تجاهله؟ ان السابع والعشرون من أكتوبر لناظره قريب.