خاص بالصور| حين تصبح الخيمة مشغلاً.. إسراء تعيد بناء حياتها بماكينة خياطة

2026-07-25 13:29:16

أروى عاشور - غزة - راية: 

داخل خيمة صغيرة في مخيم الزهور غرب مدينة غزة، استعادت إسراء أبو القمصان ماكينة الخياطة بعد أشهر من النزوح وفقدان منزلها ومشغلها. وبين مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار، تحاول تحويل الخيمة من مكان للإيواء المؤقت إلى مساحة للعمل، في محاولة لاستعادة مصدر رزقها وبناء حياة بدأت من الصفر.

تجلس إسراء (33 عاماً) ساعات طويلة أمام ماكينة خياطة صغيرة، تنجز طلبات زبائنها وسط ظروف معيشية قاسية. لم تعد الخياطة بالنسبة لها مجرد مهنة، بل وسيلة لاستعادة جزء من حياتها التي فقدتها مع الحرب، وإثبات أن العمل يمكن أن يستمر حتى في أكثر البيئات هشاشة.

بدأت علاقتها بالخياطة قبل سنوات، بعد أن درست تصميم الأزياء والتصميم الداخلي، وأسست عام 2012 مشغلها الخاص. لم يقتصر عملها على إنتاج الملابس، بل دربت نساء أخريات وساعدتهن على اكتساب مصدر دخل، مؤمنة بأن التمكين الاقتصادي يمنح المرأة مساحة أوسع للاستقلال والاعتماد على الذات.

لكن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014 أنهت تلك البداية. تقول: "كان المشغل حلمي... وفجأة انتهى كل شيء."

لم تكن الخسارة مقتصرة على المعدات أو المكان، بل طالت سنوات من العمل والجهد. ورغم ذلك، عادت تدريجياً إلى الخياطة من داخل منزلها، حتى تمكنت عام 2020 من افتتاح مشغل جديد، واستأنفت عملها من جديد.

غير أن الحرب الأخيرة كانت أكثر قسوة. فقدت منزلها ومشغلها معاً، ولم تتمكن من إنقاذ أي من أدواتها.

وتقول: "لم أستطع إنقاذ أي شيء... كنت أحاول فقط النجاة مع أطفالي."

ومع تكرار النزوح عشر مرات، تحولت حياتها إلى سلسلة من الانتقالات القسرية. في كل مرة كانت تغادر مكاناً، كانت تترك خلفها جزءاً من حياتها، إلى أن وجدت نفسها بلا منزل، وبلا مصدر دخل، وبلا أدوات تمكنها من العودة إلى عملها.

وتضيف: "كل مرة كنا نخرج بوضع أسوأ... لا خيمة، ولا احتياجات، ولا شيء."

في تلك المرحلة، تراجع حلم العودة إلى الخياطة، وبدا أن أولوية البقاء طغت على كل ما عداها.

لكن نقطة التحول جاءت عبر منشور نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي، أعلنت فيه رغبتها في العودة إلى العمل رغم أنها لم تكن تملك خطة واضحة أو الإمكانات اللازمة.

تقول: "كتبت أني سأعود للعمل... ولم أتوقع أن يحدث شيء."

سرعان ما تلقت رسائل من زبوناتها وصديقاتها، وبدأت طلبات الخياطة تصل إليها مجدداً. استعانت في البداية بماكينات خياطة لدى صديقاتها، ونفذت أعمالاً محدودة بحسب ما توفر من أقمشة وإمكانات.

لاحقاً، اتخذت قراراً بتحويل خيمتها إلى مساحة عمل صغيرة. وضعت فيها ماكينة خياطة وبعض الأدوات الأساسية، رغم ارتفاع أسعار المواد الخام، وصعوبة إدخالها إلى القطاع، والانقطاع المتكرر للكهرباء، والاعتماد على وسائل بدائية لمواصلة العمل.

وتقول: "بمجرد أن جلست خلف ماكينة الخياطة عاد إليّ الشغف، كأنني لم أتوقف يوماً."

داخل الخيمة نفسها، تتقاسم إسراء يومها بين العمل ورعاية طفليها اللذين لم يتجاوزا الثامنة من العمر. لا يوجد فصل بين المنزل وورشة العمل؛ فالمكان ذاته يحتضن تفاصيل الحياة اليومية والإنتاج في آن واحد.

وتوضح: "أحياناً أعمل وأنا أراقبهما، وأحياناً أترك كل شيء من أجلهما. هنا لا يوجد فرق بين البيت والعمل، كل شيء يحدث في المكان نفسه."

يعكس هذا الواقع تجربة كثير من النساء في قطاع غزة، اللواتي اضطررن إلى تحويل أماكن النزوح إلى مساحات للإنتاج والعمل، في ظل فقدان مصادر الدخل وغياب الاستقرار، لتصبح الخيمة أكثر من مجرد مأوى مؤقت.

وترى إسراء أن العودة إلى الخياطة لم تكن قراراً اقتصادياً فحسب، بل محاولة لاستعادة حياتها بعد كل ما فقدته.

وتقول: "أنا لا أعمل فقط لأعيش، بل لأثبت أنني قادرة على أن أبدأ من جديد مهما كانت الظروف."

اليوم، وبين أقمشة معلقة داخل خيمة وماكينة خياطة تعمل بإمكانات محدودة، تواصل إسراء إعادة بناء حياتها غرزة بعد أخرى. لا تنكر حجم الخسارة التي مرت بها، لكنها تؤمن أن كل قطعة تنجزها تمثل خطوة جديدة نحو استعادة ما يمكن استعادته، وأن الاستمرار في العمل هو شكل من أشكال التمسك بالحياة رغم الحرب.