الحملة ضد المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية كريم خان

2026-07-25 16:07:24

انتهت الحملة ضد المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية كريم خان بعزل الرجل بسبب الاتهامات التي وجهت ضده بالتحرش الجنسي وسوء استخدام السلطة. يمكن مناقشة المخالفات الاجرائية التي ارتكبتها عديد الدول الأعضاء في ميثاق روما والتي أفضت الى العزل لانها كثيرة وفاضحة. لكنني أعتقد ان هذا مضيعة للوقت فقد وقع الضرر وكان من المستحيل استمرار خان في عمله والأهم من ذلك هو الخطر الحقيقي من إنهاء خدمات خان بهذه الطريقة المهينة. 

تحاول اسرائيل استغلال الحدث لتصعيد حملتها ضد المحكمة والتعاون مع إدارة ترامب لإنهاء وجودها برمته، بدءاً بالادعاء أن مذكرات الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو وغالانات (وغيرهم كما يشاع) كان نتاج عملية فساد سياسي وأخلاقي تستوجب الرجوع عنهم فورا. 

بطبيعة الحال، هذا الطرح سخيف ومضلل ويمكن مواجهته بسهولة بالتذكير مثلا أن المذكرات تم إصدارها من قبل قضاة مستقلين بعد معاينة أدلة جنائية مفصلة وأن المدعي العام السابق استعان بلجنة ضمت أهم الخبراء في القانون الدولي والقانون الدولي الجنائي (وهم خبراء مستقلون كان من بينهم ثيودور ميرون الخير القانوني الذي ترأس المحكمة الخاصة بيوغسلافيا ويعد من ألمع الاسماء الدولية في القانون الدولي الجنائي وكان قد خدم في سبعينيات القرن الماضي كمستشار قانوني في وزارة الخارجية الاسرائيلية وسفير لدولة الاحتلال في كندا حتى عام ١٩٧٥) درست هذه اللجنة الحيثيات وأصدرت تقريرا مفصلا حول صوابية إصدار المذكرات. 

ويجب أيضا الاشارة ان كريم خان تأخر كثيرا في إصدار المذكرات وتحريك ملف التحقيق في الوضع في فلسطين حتى جاءت الإبادة لتفرض عليه التحرك. التأخير كان بمثابة فضيحة قانونية وأخلاقية تحدث عنها خبراء القانون والحقوقيون كثيرا في سنوات سبقت الابادة، خاصة وان الاستيطان والتعذيب جريمتان معرفتان في ميثاق روما تركتبهما دولة الاحتلال دون توقف ما قبل المقتلة وبعدها. 

رحل خان لكن العقوبات الأمريكية الصارمة ضد القضاة اللذين أصدروا مذكرات التفاهم والمؤسسات الحقوقية الفلسطينية التي تعاونت مع المحكمة لا زالت قائمة وما زال الخطر الحقيقي يواجه وجود المحكمة. وما تزال الدول الأعضاء في المحكمة تتقاعس عن حماية المحكمة وقضاتها وترفض اتخاذ اجراءات محلية يمكنها حمايتهم من العقوبات الأمريكية. هذا ما تريد دولة الاحتلال ومعها إدارة ترامب والمتواطئين معهما حجبه عن النقاش. يراد لهذه المحكمة أن تعود كما صور لها الرجل الأبيض الغربي: محكمة للقادة الأفارقة وغيرهم من الشخصيات التي يعاديها الغرب مثل دوتيرته وبوتين. في هذا السياق، تجدر الإشارة أن إدارة بايدن تعاونت مع المحكمة في القضية ضد بوتين وغيره رغم أنها ترفض الانضمام للمحكمة (مثل روسيا والصين). 

ماذا يعني كل ما سبق؟ الان السؤال المركزي يجب أن يكون كيف سيتم اختيار المدعي العام الجديد وما الضمانات التي ستتوفر له/ا بأنه/ا سيتمتعون بالحماية اللازمة للقيام بواجبات المنصب دون خوف او خضوع؟ حتى الان ليس هناك من جواب لان الاعلام بالمجمل انجر وراء جزرة الفصيحة الجنسية ولم يسائل الدول الأعضاء عن مواقفها واستعدادها لحماية المحكمة والعاملين فيها ومعها. هذه أسئلة جوهرية يجب طرحها حتى لا يُسمح للدول الغربية الأعضاء في المحكمة إنقاذ الجنائية الدولية مقابل افراغها من مضمونها والقضاء على ملف فلسطين. السؤال الان هو ليس من سيخلف خان فقط ولكن على حساب ماذا وبأي ثمن. 

صحيح ان المنظومة الدولية عجزت عن ادخال رغيف خبز او حبة دواء لغزة بل ان كثير من أعضائها تواطأ لحماية الاحتلال واستمرار الابادة. لكن انهيار المنظومة الدولية القانونية سيشكل خطرا اكبر بكثير على وجود الضعفاء مثل الشعب الفلسطيني وسيطلق يد الاحتلال اكثر ويحرم الدول التي تحترم نفسها مثل اسبانيا وايرلندا وغيرهم من الارتكاز على المنظومة القانونية والقيمية المتمثلة بالقانون الدولي لتبني سياسات تحاصر الاحتلال وتعزله وستفضي لانهاء الاستعمار ان أحسنا التصرف. حماية المحكمة الجنائية الدولية ليس ترفا.