بلاد الواق واق... تجربة نجاح في مواجهة التحديات وهندسة المستقبل
قد لا تكون بلاد الواق واق معروفة للكثيرين، لكنها في هذا المقال ليست مجرد اسم افتراضي، بل نموذج تخيلي لدولة اختارت أن تجعل من التخطيط الاستراتيجي طريقًا لبناء المستقبل. وإذا كانت بلاد الواق واق تقدم هنا نموذجًا في التخطيط، فإن فلسطين كانت، ولا تزال، نموذجًا في بناء الإنسان والمؤسسات؛ فقد أسهم الفلسطينيون، بعلمهم وخبراتهم، في بناء العديد من الدول، وكان لهم حضور بارز في نهضتها الإدارية والاقتصادية والتعليمية. ومن هذا الإرث تنطلق فكرة هذا المقال، إيمانًا بأن من امتلك القدرة على الإسهام في بناء الآخرين قادر أيضًا على صياغة مشروع متكامل لبناء وطنه.
ليست كل الدول التي تواجه الأزمات محكومة بالبقاء داخل دائرة الأزمة، فالفارق بين دولة تنتظر تغير الظروف ودولة تصنع مستقبلها يكمن في قدرتها على التخطيط، وعلى تحويل التحديات من عوائق دائمة إلى مشاريع عمل قابلة للتنفيذ.
فالتاريخ لا يذكر فقط الدول التي امتلكت القوة، بل يذكر الدول التي امتلكت القدرة على إعادة بناء نفسها عندما واجهت ظروفًا استثنائية، فالدولة التي تفقد رؤيتها للمستقبل تصبح أسيرة للحاضر، أما الدولة التي تمتلك مشروعًا واضحًا فإنها تستطيع أن تحول حتى أصعب الظروف إلى مساحة للفعل والمبادرة.
في إحدى مناطق العالم المضطربة تقع بلاد الواق واق؛ دولة تعيش واقعًا استثنائيًا، فهي تواجه احتلالًا طويل الأمد، وترتبط باتفاقيات فرضت عليها قيودًا سياسية واقتصادية، وتقع في بيئة إقليمية مليئة بالصراعات والتحولات، ولذلك فإن مشروع بناء الدولة فيها لا يجري في ظروف طبيعية، بل في بيئة تتداخل فيها متطلبات التنمية مع تحديات الصمود والاستمرار.
لكن السؤال الذي طرحه الخبير الاستراتيجي (المدعو صاحب البصيرة المتقدة) على وزارة التخطيط في بلاد الواق واق لم يكن: كيف يمكن إدارة الأزمة فقط؟ بل كان السؤال الأكثر عمقًا: كيف يمكن بناء دولة قادرة على تجاوز الأزمة؟ فإدارة الأزمة تعني التعامل مع نتائج المشكلات، أما بناء الدولة فيعني معالجة جذورها، وإعادة ترتيب الأولويات، وصناعة القدرة الوطنية التي تمكن المجتمع من الانتقال من حالة رد الفعل إلى حالة الفعل.
ومن هذا المنطلق، قدم الخبير مشروعًا وطنيًا - في أكثر من 50 صفحة يغطي كل جوانب الحياة - ويمتد لعشرين عامًا إلى وزارة التخطيط، والتي بدورها قدمته إلى الحكومة، يقوم المشروع على رؤية شاملة تهدف إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على إدارة الاحتياجات إلى اقتصاد يبني القدرات، ومن مؤسسات تتعامل مع الواقع المفروض إلى مؤسسات تصنع واقعًا أكثر قدرة على الاستمرار.
اعتمد المشروع على ثلاث مراحل مترابطة؛ مرحلة قصيرة المدى تركز على تثبيت الاستقرار، وحماية القطاعات الأساسية، ومعالجة الاختلالات الأكثر إلحاحًا، ومرحلة متوسطة المدى تهدف إلى إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات وتطوير الخدمات والبنية التحتية، ومرحلة طويلة المدى تسعى إلى بناء دولة حديثة قائمة على المعرفة والإنتاج والتكنولوجيا، وقادرة على حماية مصالحها وصياغة مستقبلها.
وقد تبنت الوزارة المشروع عندما أدركت أن بناء الدولة لا يبدأ فقط من المشاريع الكبرى، بل يبدأ من الإنسان والمؤسسة، فالدولة التي لا تخطط للتعليم وفق حاجات مجتمعها وسوق العمل قد تجد نفسها أمام أعداد متزايدة من الخريجين الذين يحملون شهادات، لكنهم لا يجدون المسار الذي يحول المعرفة إلى فرصة وإنتاج.
ولهذا وضعت الخطة مبدأ أساسيًا: التعليم ليس مصنعًا للشهادات، بل منظومة لبناء الإنسان القادر على المشاركة في التنمية، فالجامعة ليست فقط مكانًا لمنح المؤهلات، بل مؤسسة لإنتاج المعرفة، وتطوير البحث العلمي، وتقديم الحلول لمشكلات المجتمع.
ومن هنا جاءت مراجعة العلاقة بين الجامعات وسوق العمل، فليس من مسؤولية الدولة أن تستجيب لكل رغبة في فتح تخصص جديد إذا لم تكن هناك حاجة حقيقية إليه، لأن التخطيط الوطني يجب أن يحمي المجتمع من إنتاج بطالة تحمل شهادات، وأن يوجه التعليم نحو القطاعات التي يحتاجها المستقبل.
وفي الجانب الاقتصادي، انطلقت الخطة من حقيقة أساسية مفادها أن الاستقلال النسبي في القرار لا يمكن أن يتحقق دون قاعدة إنتاجية وطنية، فالاقتصاد الذي يعتمد على الاستهلاك والاستيراد فقط يبقى أكثر عرضة للضغط، بينما الاقتصاد الذي يمتلك الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والطاقة يصبح أكثر قدرة على حماية خياراته.
ولهذا تناول المشروع الأمن الغذائي والطاقة والمياه، واعتبرها أكثر من مجرد ملفات خدمية، بل هي عناصر من عناصر الأمن الوطني، فالدولة التي لا تستطيع تأمين احتياجاتها الأساسية في الظروف الصعبة تصبح أكثر هشاشة، أما الدولة التي تبني قدراتها الإنتاجية فإنها تمتلك مساحة أوسع للحركة والمناورة.
كما اعتبر المشروع أن الثقافة والهوية الوطنية ليستا قضايا رمزية فقط، بل عناصر قوة تساعد المجتمع على الحفاظ على تماسكه في مواجهة الضغوط، فالدول لا تستمر فقط بما تمتلكه من موارد، بل بما تمتلكه من وعي بذاتها وبقدرتها على تعريف مستقبلها.
أما الأمن، فقد تعامل معه المشروع باعتباره مفهومًا شاملًا يتجاوز الجانب العسكري ليشمل أمن الإنسان، والغذاء، والطاقة، والمياه، والاقتصاد، والمعلومات، واستمرارية المؤسسات، فالدولة القوية ليست الدولة التي لا تواجه الأزمات، بل الدولة التي تمتلك القدرة على تجاوزها.
إن تجربة بلاد الواق واق تطرح سؤالًا يتجاوز حدودها الافتراضية: هل تستطيع الدول التي تعيش تحت الضغط أن تخطط لمستقبلها قبل أن تتغير ظروفها؟
والإجابة التي تقدمها هذه الرؤية هي أن التخطيط ليس نتيجة للاستقرار فقط، بل هو أحد الأدوات التي تصنع الاستقرار، فالدول لا تنتظر انتهاء الأزمات لكي تبدأ البناء، بل تبني نفسها لكي تستطيع مواجهة الأزمات.
قد لا تستطيع بلاد الواق واق تغيير كل الظروف المحيطة بها في وقت قصير، لكنها تستطيع أن تعيد ترتيب عناصر قوتها الداخلية: تعليمها، ومؤسساتها، واقتصادها، ومواردها البشرية، وطريقة إدارتها للمستقبل.
وهنا يظهر مفهوم هندسة الصراع والوعي؛ فالصراعات لا تُدار فقط في ساحات السياسة والاقتصاد، بل تُدار أيضًا في ميدان الوعي، وفي قدرة المجتمع على فهم واقعه، وحماية روايته، وبناء مشروعه، فالدولة التي تفقد قدرتها على التخطيط تفقد جزءًا من قدرتها على الدفاع عن وجودها، أما الدولة التي تمتلك رؤية واضحة فإنها تستطيع تحويل التحديات إلى فرصة لإعادة بناء ذاتها.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية لأي دولة ليست فقط مع الظروف الخارجية، بل مع قدرتها الداخلية على إعادة تنظيم أولوياتها، وتحويل التحديات إلى مشروع، والانتقال من انتظار المستقبل إلى هندسة المستقبل.
ختامًا، وبما أن هناك عوامل أخرى في فلسطين غير تلك التي في الواق واق، أعتقد جازمًا أن وزارة التخطيط الفلسطينية لديها القدرة والكفاءات الضرورية للاستفادة من مشروع الخبير الاستراتيجي واسمه صاحب البصيرة المتقدة في غالبية الجوانب التي طرحها، وأنا لن أتوانى في توفير الدراسة كاملة لمعالي الوزير.