دولة الطوابير... كيف تحولت إدارة الأزمات في فلسطين إلى إدارة انتظار؟
يبدو أن الفلسطيني أصبح مواطنًا محترفًا في الانتظار.
ينتظر الراتب...
وينتظر فتح الحاجز...
وينتظر تصريح العمل...
وينتظر الكهرباء...
وينتظر الإفراج عن أموال المقاصة...
وأخيرًا... ينتظر دوره أمام محطة الوقود.
حتى أصبح الانتظار سياسة عامة، والطابور مؤسسة وطنية غير معلنة، والمواطن هو الموظف الوحيد الذي يعمل مجانًا في إدارتها.
الطابور... المؤشر الاقتصادي الجديد
في العالم، تقاس قوة الاقتصاد بالناتج المحلي، ومعدلات النمو، وحجم الاستثمار.
أما في فلسطين، فيمكن إضافة مؤشر جديد:
طول الطابور أمام محطة الوقود.
كلما طال الطابور، عرف الناس أن هناك أزمة.
وكلما خرج مسؤول ليؤكد أن "الأمور طبيعية"، أدرك المواطن أن الأزمة ربما في بدايتها فقط.
الإدارة برد الفعل... لا بالفعل
لدينا قدرة مذهلة على إدارة ما بعد الأزمة.
نجتمع بعد وقوعها.
ونشكل لجنة بعدها.
ونصدر بيانًا بعدها.
ونبحث عن المبررات بعدها.
أما السؤال الذي لا يطرحه أحد فهو:
لماذا لم تكن هناك خطة قبل أن تبدأ الأزمة؟
الإدارة الحديثة لا تُقاس بسرعة عقد الاجتماعات، بل بعدد الأزمات التي منعت حدوثها.
عندما يهزم الاقتصاد نفسه
تخيل أن لديك أموالًا... لكنك لا تستطيع استخدامها بكفاءة.
هذا ليس مشهدًا من رواية خيالية، بل جزء من الواقع الاقتصادي الفلسطيني، حيث تحولت أزمة فائض الشيكل، إلى عقدة تؤثر في قدرة بعض الشركات على استيراد الوقود واستمرار التوريد.
إنه اقتصاد يملك السيولة، لكنه يفتقد المرونة.
البيان الصحفي... أسرع من شاحنة الوقود
في كل أزمة، تصل البيانات قبل أن يصل الوقود.
تطمينات...
وتأكيدات...
ونفي للشائعات...
لكن المواطن لا يبحث عن بيان مطبوع، بل عن مضخة تعمل.
فالوقود لا يُضخ بالكلمات.
المواطن... الحلقة الأضعف دائمًا
عندما تنفد المحروقات، لا يتوقف المسؤول عن التنقل.
لكن سائق التاكسي يخسر رزقه.
والمزارع يؤجل عمله.
وصاحب المصنع يرفع تكلفة الإنتاج.
والمريض يخشى تأخر سيارة الإسعاف.
وكأن تكلفة كل أزمة تُوزع بالتساوي...
إلا أن المواطن يدفع الحصة الأكبر.
هل الأزمة في الوقود؟
لا.
الوقود مجرد عنوان.
أما القصة الحقيقية فهي اقتصاد يعتمد على الخارج، وأزمة مالية مزمنة، وقيود على الحركة، وغياب هوامش كافية للمناورة، واستجابة يغلب عليها التعامل مع الحدث بعد وقوعه.
ولهذا، كل أزمة صغيرة تتحول سريعًا إلى أزمة كبيرة.
فلسطين لا تحتاج إلى معجزة
لا أحد يطالب بالمستحيل.
لكن الناس تريد إدارة تتوقع، لا إدارة تتفاجأ.
تريد شفافية، لا شائعات.
تريد خطط طوارئ، لا طوارئ بلا خطط.
تريد مؤسسات تبني الثقة، لا بيانات تطلب من الناس أن يثقوا دون أن يروا النتائج.
السؤال الذي ينتظر إجابة
إذا كانت أزمة الوقود كشفت كل هذا الخلل...
فماذا سيحدث لو واجهنا أزمة أكبر؟
هل لدينا مخزون استراتيجي؟
هل لدينا بدائل للطاقة؟
هل لدينا إدارة استباقية؟
أم سنكتشف ذلك أيضًا ونحن نقف في طابور جديد؟
الطابور ليس قدرًا
لا يمكن لفلسطين أن تغيّر كل القيود المفروضة عليها، لكن يمكنها أن تعزز قدرتها على إدارة ما هو داخل نطاق مسؤوليتها.
فالاحتلال يفرض تحديات حقيقية، لكن الإدارة الرشيدة تحدد كيف تُواجه هذه التحديات، وكيف تُخفَّف آثارها على المواطن.
ولذلك، فإن أخطر ما في أزمة الوقود ليس نقص الوقود نفسه، بل أن يتحول الطابور إلى مشهد اعتيادي، وأن يصبح الانتظار أسلوب حياة، وأن تقتنع المؤسسات بأن إدارة الأزمة تكفي، بينما المطلوب هو منعها قبل أن تبدأ.
وعندما يصبح المواطن قادرًا على التنبؤ بالأزمة قبل صدور البيان الرسمي، فهذه ليست مشكلة في الوقود...
بل رسالة واضحة بأن الوقت قد حان للانتقال من إدارة الانتظار إلى إدارة المستقبل.