قسم أبحاث الزيتون.. مبررات الإنشاء وأهدافه الاستراتيجية (2- 10)

2026-07-29 09:58:30

يعتبر قطاع الزيتون في فلسطين الأوسع من حيث المساحة؛ إذ يشكل حوالي 45% من مجمل الأراضي الزراعية، ويستحوذ على 85% من المساحات المزروعة بالأشجار المثمرة (البستنة). واستناداً إلى بيانات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني من خلال المسح الزراعي، بلغت مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون 575,167 دونماً (شاملة قطاع غزة الحبيب الذي أباد الاحتلال ما يزيد عن 90% من زيتونه).

ووفقاً لبيانات وزارة الزراعة، يصل عدد الأشجار المثمرة إلى نحو 10 ملايين شجرة، بمتوسط إنتاج يبلغ 22 ألف طن من زيت الزيتون سنوياً على مدار السنوات العشر الأخيرة.

وإذا أردنا قراءة واقعنا بالمنظار الإقليمي والعالمي، فإن الأرقام تضعنا أمام مفارقة عجيبة؛ فمساحتنا المزروعة بالزيتون تعادل 57,517 هكتاراً من أصل 11.2 مليون هكتار في العالم (أي بنسبة ضئيلة جداً تقارب 0.5% من المساحة العالمية). وفي المقابل، فإن أشجارنا البالغة 10 ملايين شجرة تشكل حوالي 1.1% من مجمل الأشجار عالمياً (900 مليون شجرة). هذا الفارق الرقمي يثبت كفاءة الكثافة العددية للأشجار في وحدة الأرض الفلسطينية مقارنة بالمعدل العالمي.

لكن المفارقة الصادمة تكمن في الإنتاج؛ إذ إن متوسط إنتاجنا البالغ 22 ألف طن من أصل 3.426 مليون طن عالمياً، يشكل فقط 0.6% من الإنتاج العالمي. هذه "الأرقام الصماء" تشير بوضوح لا يقبل الشك إلى أن إنتاجية شجرة الزيتون في فلسطين متدنية جداً، وأننا نواجه تراجعاً حاداً في الإنتاجية مقارنة بالمستويات الدولية، وهو ما يضعنا أمام المبررات الحتمية لإنشاء "قسم أبحاث الزيتون" في مركز البحوث الزراعية بجامعة خضوري.

أولاً: المبررات والدوافع الحتمية للإنشاء:

1. أهمية استراتيجية واقتصادية: الزيتون يمثل الهوية الزراعية الأكبر في فلسطين، وهو مصدر دخل مباشر وغير مباشر لعشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية، ومنتج استراتيجي يمتلك جينات المنافسة العالمية إذا ما أُدير علمياً.

2. عشوائية الخبرة الميدانية: استمرار اعتماد المزارعين على الخبرات التقليدية المتوارثة والاجتهادات الشخصية، في غياب تام للبيانات العلمية الدقيقة والخرائط الإرشادية.

3. غياب المظلة التخصصية: عدم وجود جهة بحثية تخصصية متفرغة للأبحاث التطبيقية الميدانية للزيتون، وتشتت الجهود البحثية الحالية بين جهات متعددة دون تنسيق أو تكامل.

4. محدودية الفحص والجودة: ضعف خدمات التشخيص المبكر للأمراض والآفات العابرة للمواسم، وغياب منظومة وطنية بحثية صارمة لضبط الجودة والتصنيف الكيميائي والحسي لزيت الزيتون.

ثانياً: الأهداف الاستراتيجية للقسم الجديد

بناءً على هذه المعطيات، يقام "قسم أبحاث الزيتون" ليكون قاعدة ارتكاز علمية تحقق الأهداف التالية:

1- رفع الإنتاجية وتحسين الجودة: عبر تطوير ممارسات زراعية حديثة ومبنية على نتائج البحث العلمي التطبيقي لتجسير الفجوة مع الإنتاج العالمي.

2- المكافحة الذكية للأمراض: باستخدام أدوات التشخيص المتقدمة وبرامج الإدارة المتكاملة للآفات لتفادي الخسائر السنوية.

3- حفظ الإرث الوراثي والتطوير: صون المصادر الوراثية لأشجار الزيتون المحلية (مثل النبالي والصوري)، ودراسة الأصناف وتطوير جيناتها لمقاومة التغير المناخي وإطالة عمر الزيت التخزيني.

4- الابتكار في المنتجات الثانوية: تعزيز القيمة المضافة لقطاع الزيتون عبر تطوير صناعات تحويلية مبتكرة (كزيتون المائدة، مستحضرات التجميل الطبيعية، الأعلاف، والاستغلال الأمثل للجفت والزيبار).

5- الإرشاد الميداني المباشر: نقل المعرفة من أروقة المختبرات إلى قلب الحقول عبر التدريب، والزيارات الحقلية، والتمكين المعرفي للمزارع.

6- بناء بنك معلومات وطني: تأسيس قاعدة بيانات رقمية شاملة ومحدثة تشمل نسب الإنتاج، توزيع الأصناف، خريطة الأمراض، والخرائط الجغرافية الزراعية.

7- العالمية والشراكات: مد جسور التعاون والشراكة مع الجامعات المحلية، والمراكز البحثية العالمية، والمكتب العربي للزيتون، ومجلس الزيتون الدولي (IOC) لتبادل الخبرات.

إن الانتقال بقطاع الزيتون من نمط الفلاحة التقليدية الموروثة إلى رحاب الاستثمار العلمي الممنهج عبر هذا القسم في جامعة خضوري، لم يعد ترفاً، بل هو طوق النجاة الوحيد لحماية ذهبنا الأخضر ومستقبل أجيالنا.