الزيارة... ما حققت وما لم تحقق

2026-07-29 10:35:33

بنيامين نتنياهو، أكثر رؤساء حكومات إسرائيل معرفةً بأمريكا، وأكثرهم تأهيلاً في التأثير على مؤسساتها الرئيسية من الكونجرس إلى البيت الأبيض، وقد حصد جرّاء ذلك محاصيل مهمة، ما كان لغيره أن يجنيها، وخصوصاً في عهد ترمب الذي كان بالنسبة لنتنياهو الدجاجة التي تبيض ذهباً، فقد أخذ منه الكثير.. الجولان والقدس والتطبيع المستجد ثم وهذا أهم ما حصل عليه منه، وهو استجابته لتحريضاته وشنّه الحرب على إيران، التي ما تزال أغلبية الشعب الأمريكي تعتبرها حرب نتنياهو الشخصية التي انقاد إليها ترمب، وتسبب في خساراتٍ أمريكيةٍ فادحة، داخلياً وخارجياً واقتصادياً، خساراتٍ لم تكن ضرورية، إذ كان بالإمكان تفاديها على طريقة الرئيس السابق باراك أوباما الذي توصل إلى اتفاقٍ متوازنٍ مع إيران، دون إطلاق طلقةٍ واحدة، أو خسارة دولارٍ واحد.

نتنياهو الذي يعرف أمريكا وعرف كيف يمتطي ترمب، ويقوده إلى حربٍ عُرفت بدايتها ولم تُعرف نهايتها، وصلت أموره أخيراً إلى نقطةٍ خانته فيها قدراته على مواصلة التلاعب بترمب، الذي وجد أخيراً من ينبهه إلى أن نتنياهو شريك خسارة، فأبعده عن الملف الإيراني، وعمل على تحجيم أجنداته في غزة وسوريا وجنوب لبنان، وفوق ذلك وهذا ما يعرفه نتنياهو جيداً باستبعاد تحريضاته على تركيا بشأن صفقة الطائرات النوعية المحتملة، كما لم يذعن لتحريضاته بشأن الاتفاق مع السعودية حول المشروع النووي السلمي العملاق، الذي جرى التوقيع على أوراقه مؤخراً، دون ربطه بتنازلٍ سعوديٍ عن شرط المملكة بشأن التطبيع، وهو ما يرفضه نتنياهو كونه يؤدي إلى قيام دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلة، عبر مسارٍ سياسيٍ مضمونٍ لبلوغها.

نتنياهو وبحكم خبرته بأمريكا ومعرفته بما يستطيع ولا يستطيع، خصوصاً بعد أن التصقت به تهمة توريط ترمب في حربٍ ترفضها غالبية الشعب الأمريكي، لم يذهب إلى واشنطن في زيارته الأخيرة، كي يغيّر المسارات الأساسية تجاه الحرب على إيران، وأن يستعيد دوره كعرّابٍ لترمب، ومؤثرٍ مباشرٍ على قراراته، كما لم يذهب وفي برنامجه إلغاء صفقة الطائرات المحتملة مع تركيا، ولا التراجع عن المشروع النووي السلمي السعودي، ولا حتى طيّ صفحة غزة كما يريد، ولا جنوب لبنان وسوريا، فهو يدرك أن المصالح الأمريكية في هذه الأمور تجاوزته كثيراً، إذن لماذا الزيارة؟ ولماذا استمات نتنياهو في إتمامها بعد البهدلة التي تلقّاها من ترمب ونائبه جي دي فانس؟

الزيارة بالنسبة لنتنياهو أضحت هدفاً بحد ذاتها، وكل ما يرجوه منها فقد حصل على بعضه ولم يحصل على البعض الآخر، ما حصل عليه.. منصةً محدودة المدى والمظهر خاطب منها الناخبين الإسرائيليين مدّعياً بأن أموره مع ترمب عادت إلى حالتها القديمة، إذ أجرى على حدّ قوله محادثاتٍ ممتازةٍ معه، ولكن ما لم يحصل عليه هو الإغداق التلفزيوني القديم حين كان يظهر على الشاشات ندّاً لترمب وأحياناً صاحب قراره، أمّا مطالبته بإطاحة النظام في طهران، وتدمير ما تبقى من منشآتٍ نووية عنوانها الآن جبل الفأس الصعب، وإلغاء صفقة الطائرات مع تركيا، والمشروع النووي السلمي مع السعودية، فلن يتوقف عن المطالبة بذلك كبضاعةٍ تصلح للتسويق في مزادات الانتخابات المقبلة في إسرائيل.

هذا هو نتنياهو وهذا هو إلحاحه المألوف عنه وطريقته في الإفادة من كل صغيرةٍ وكبيرة لخدمة أجندته الشخصية، وهي البقاء في سدّة الحكم والتي سيظل يعمل من أجلها ما دام على قيد الحياة.