لا تحاكموا الضحية… فالأزمة الفلسطينية صنعت تحت الاحتلال الاسرائيلي
كلما اشتدت الأزمة الاقتصادية في فلسطين، ارتفعت أصوات تحمل الحكومة الفلسطينية كامل المسؤولية، وكأنها تدير اقتصاد دولة ذات سيادة كاملة تسيطر على حدودها ومواردها وإيراداتها. غير أن الحقيقة التي لا يجوز إغفالها هي أن الاقتصاد الفلسطيني هو الاقتصاد الوحيد في العالم الذي يعمل تحت الاحتلال، بما يفرضه ذلك من قيود هيكلية تعيق أي مسار طبيعي للنمو والتنمية.
لم يقتصر الضرر الذي أصاب الاقتصاد الفلسطيني منذ عام 2024 على الانكماش الحاد، بل أعاد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى مستويات عام 2009، في تراجع يعادل فقدان نحو خمسة عشر عامًا من التنمية الاقتصادية. كما تشير التقديرات إلى أن احتياجات إعادة إعمار قطاع غزة تبلغ نحو 71.5 مليار دولار، فيما وصلت معدلات البطالة في القطاع إلى نحو 78%، بينما لا تزال البطالة في الضفة الغربية تدور حول 28%، وهي مؤشرات تعكس عمق الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الفلسطيني.
أما الأزمة المالية التي تواجهها الحكومة، فلا يمكن فهمها بمعزل عن البيئة التي تعمل فيها. فهي ترتبط بعوامل قسرية، في مقدمتها الاقتطاعات الاحتلالية الإسرائيلية وتعطيل تحويل أموال المقاصة، التي تشكل المصدر الرئيس للإيرادات العامة، إلى جانب القيود المفروضة على الحركة والتجارة والاستثمار، وفقدان عشرات الآلاف من الفلسطينيين فرص عملهم داخل إسرائيل منذ عام 2023، وهو ما أدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة وتراجع ملموس في الإيرادات العامة.
لا يعني ذلك أن الحكومة بمنأى عن النقد أو المساءلة، فهي مطالبة بمواصلة الإصلاح المالي والإداري، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الشفافية، وتحفيز الإنتاج الوطني، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص. لكن من غير المنصف، سياسياً وإقتصادياً، تحميلها وحدها مسؤولية أزمة صنعتها عقود من الاحتلال والإغلاقات والحروب والسياسات التي قيدت الاقتصاد الفلسطيني، وحالت دون تطوره بصورة طبيعية.
أخطر ما يمكن أن يحدث هو تبديل عنوان الأزمة، بحيث يتحول النقاش من مساءلة من صنعها إلى محاكمة من يحاول إدارتها في ظل ظروف استثنائية. فالنقد البناء ضرورة، لكنه يفقد قيمته عندما يتجاهل الأسباب الجذرية للأزمة ويختزلها في أداء الحكومة وحده.
رسالتنا إلى المواطن أن يمارس حقه في النقد والمساءلة، لكن دون أن يغيب عن وعيه السبب الحقيقي للأزمة الاقتصادية.
رسالتنا إلى الحكومة أن الظروف الاستثنائية لا تعفيها من مسؤولية تحسين الأداء، بل تجعل الإصلاح والكفاءة والشفافية أكثر إلحاحاً.
رسالتنا إلى المجتمع الدولي، فهي أن التنمية لا يمكن أن تزدهر تحت الاحتلال، وأن أي حديث عن اقتصاد فلسطيني قوي سيظل منقوصاً ما دامت القيود المفروضة على الأرض والإنسان والموارد قائمة.
الحقائق والأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني والجهات الدولية المتخصصة، وفي مقدمتها البنك الدولي، تؤكد أن الأزمة الاقتصادية الفلسطينية ليست أزمة إدارة فحسب، بل هي، في جوهرها، أزمة احتلال مستمر يقيد إمكانات الاقتصاد ويحد من فرص التنمية، وهو ما يجعل إنهاء هذا الواقع شرطًا أساسيًا لبناء اقتصاد قادر على النمو والاستقرار.