انتهى الطموح...
كنت اسعي دوما لتنمية عقول البشر ويا لها من مهنة تحتوي على الكثير من التفكير والاطلاع والمثابرة والتطوير. ولكن مهلا: أنا لم اشأ ان أكون كذلك, اعني إنني لم اخطط لأصبح " مجرد دكتور"
حين كنت طفلًا، كان العالم بسيطا...
وقد قلت لمربي الصف عندما كنت في الابتدائي ان غايتي ان اكبر وان اشغل منصبا يوصف في الأخبار بـ "مصدر مسؤول", او "مصدر موثوق", او "واسع الاطلاع": وكان مذيع النشرة يغيظني عندما يقول:"وقد قال مصدر رفض الكشف عن اسمه..". استهواني ذلك, وأحببت ان أقوم بمثل هذا الدور عندما اكبر
وكانت الأحلام أكبر من أعمارنا.
أما أنا، فكنت أريد أن أصبح ذلك الرجل الذي تبدأ به نشرات الأخبار: "صرّح مصدر مسؤول..." أو "أكد مصدر موثوق..."
كنت أظن أن أكبر أمنية في الحياة أن يصبح لك صوتٌ يسمعه الجميع.
كبرت...
فاكتشفت أن هناك من يولد ليبحث عن المجد، وهناك من يولد ليبحث فقط عن مكان آمن ينام فيه.
في غزة... لا تقاس الأعمار بالسنوات... بل بعدد ما فقدناه.
فقدنا المدارس قبل أن نفقد الدروس. وفقدنا البيوت قبل أن نفقد عناوينها. وفقدنا الأصدقاء قبل أن نودعهم. وفقدنا المستقبل... قبل أن نصل إليه.
كانوا يقولون: "العلم يصنع الأمم."
لكن من يخبرهم أن أمة كاملة أصبحت تبحث أولًا عن ماء، وعن رغيف، وعن سقف، قبل أن تبحث عن كتاب؟
لم يعد يؤلمني أنني لم أصبح ذلك "المصدر المسؤول"...
بل يؤلمني أن أبناءنا لم يعودوا يسألون: "ماذا سنصبح؟"
بل يسألون: "هل سنبقى أحياء حتى الغد؟"
ويا لسخرية هذا العالم...
كم من إنسان نقي، يحمل قلبا أبيض ورسالة عظيمة، وجد نفسه في أكثر الأماكن قسوة.
وفي المقابل... كم من إنسان ولد حيث الأمان، فكان الحلم بالنسبة إليه عادة يومية، لا معركة بقاء.
ليست المشكلة أن الأقدار تختلف...
المشكلة أن العالم اعتاد هذا الاختلاف، حتى أصبح يرى ماسي الناس خبرا عابرا بين نشرة الطقس وأسعار الأسهم.
لقد انتهى الطموح...
ولم يعد أكبر أحلامنا أن نصل إلى منصب، أو شهرة، أو لقب.
أصبح الطموح أن يعود الأطفال إلى مدارسهم.
أن يكتب الطالب واجبه المدرسي بدل أن يكتب اسمه على حقيبة النزوح.
أن تخاف الأم من تأخر ابنها عن البيت... لا من ألا يعود إليه.
أن يصبح صوت جرس المدرسة أعلى من صوت الانفجار.
وأن يأتي يوم لا يحتاج فيه الأب أن يعتذر لأطفاله لأنه عجز عن منحهم حياة تشبه أحلامهم.
وأخيرا...
أيقنت أن المسحراتي لم تنته مهمته...
لكننا لم نعد بحاجة إلى من يوقظ النائمين...
بل إلى من يوقظ ضميرا نام طويلا.
لا اعتقد أن مهمة "المسحر" انتهت: ما زلنا في حاجة لمن يوقظنا. وليت هذا الرجل يجيء في النهار أيضا....
فليس أشد قسوة من أن يرى العالم شعبا كاملا يحمل أحلامه تحت الأنقاض...
ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان... ليس أن يعيش في أسوأ مكان، بل أن يدرك أنه كان يستحق فرصة عادلة، تماما كما يستحقها أي إنسان على هذه الأرض.....واكتفي بهذا القدر