بعد الإعلان عن الإتفاق ، مَن يراجع التجربة ؟

2026-08-01 11:06:17

مع الإعلان عن اتفاق غزة لاحقا لتصريحات ترامب وميلادينوف وأطراف أخرى ، انشغل كثيرون بتفاصيله المتعلقة بالسلاح ، والموظفون واللجنة الوطنية والانسحاب واللجان والهدنة المحتملة ، في وقت لم تعلق حكومة الأحتلال فيه بَعد على ذلك الإتفاق في ظل استعدادات نتنياهو لخوض الانتخابات لضمان استمرار وجوده . غير أن السؤال الأهم الذي يبقى غائباً هو ، كيف وصلنا إلى هنا ؟
ليس المقصود البحث عن طرف يتحمل المسؤولية وحده ، بقدر ما هو البحث عن مراجعة وطنية شاملة لمسار أمتد سنوات طويلة ، وأوصل المشروع الوطني الفلسطيني إلى واحدة من أخطر مراحله .

فإذا كانت "حماس" مطالبة اليوم بمراجعة نقدية شجاعة لمكانتها بالبيت الفلسطيني وللتصورات التي انطلقت منها في السابع من أكتوبر ، رغم حق شعبنا بمقاومة الأحتلال بما كفله القانون الدولي ، وما ترتب عليها من نتائج كارثية على غزة وأهلها بل وعلى فلسطين بشكل عام ، فإن القيادة الفلسطينية مطالبة بالقدر نفسه ، بمراجعة مسار أوسلو وما انتهى إليه دون دولة ، بل من توسع أستيطاني ، وتآكل الأرض والصلاحيات المفترضة للسلطة ، والازمات المعيشية المتلاحقة ، وتهميش منظمة التحرير ، وإضعاف الحركة الوطنية وبالمقدمة منها حركة "فتح" التي غاب عن مؤتمرها الثامن انجاز هذا المتطلب الأساسي من المراجعة النقدية والتقييم ووضوح تعريف هويتها المفترضة كحركة تحرر . 

لقد أثبتت التجربتان رغم التباين بينهما ، كلٌ بطريقتها أن شعبنا الفلسطيني لا يستطيع تحقيق أهدافه ، لا عبر مفاوضات بلا أوراق قوة ، ولا عبر مواجهة عسكرية تفتقر إلى استراتيجية وطنية جامعة وإلى قراءة دقيقة لموازين القوى والتحولات الدولية .

والأخطر أن ينحصر النقاش اليوم في تفاصيل تنفيذ الاتفاق المُعلن ، بينما يغيب السؤال عن مستقبل المشروع الوطني نفسه امام الإصرار على تنفيذ المشروع الإستعماري دون الانتظار لذرائع . فما قيمة الاتفاقات ، إذا بقيت غزة مدمرة والضفة الغربية تتعرض لمزيد من الضم والأستيطان وتهجير المخيمات وأرهاب المستوطنين وحصار القدس وتهويدها المستمر ، ومنظمة التحرير خارج مكونها ومكانتها وموقعها الطبيعي كمرجعية سياسية جامعة للشعب الفلسطيني ؟ في حال افتراض تنفيذ هذا الاتفاق . 

إن القضية لم تعد قضية سلاح من نزع أو تسليم أو موظفين أو ترتيبات إدارية ، بل قضية إعادة بناء المشروع الوطني التحرري على أسس جديدة ، نتمكن فيها من حماية وانقاذ شعبنا ، وتستعيد وحدة المؤسسات فيها وتوحد القرار الوطني المستقل ، وتربط بين المقاومة بأشكالها المختلفة ، من العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني والصمود الشعبي والعودة الى قواعد جماهير شعبنا والبناء الوطني الشفاف ، في إطار رؤية عقلانية لا تتخلى عن الحقوق الوطنية ولا تنفصل عن حقائق المرحلة نحو التقدم الفعلي في مراحل التحرر الوطني .

لقد دفعت غزة ثمناً يفوق الوصف ، كما دفعت الضفة الغربية ثمناً متراكماً من الشهداء أيضاً والأسرى والأرض والسيادة والمؤسسات . ولذلك ، فإن أقل ما يستحقه شعبنا اليوم هو أن تتحول هذه التضحيات إلى لحظة مراجعة وطنية صادقة ، لا إلى محطة جديدة لتشكيل مراكز نفوذ أو لتبادل الاتهامات أو إعادة إنتاج السياسات ذاتها بعناوين مختلفة او التورط في مشاريع أدارة السكان أو مشاريع تؤدي للأنفصال الجغرافي والسياسي .

فالشعوب لا تنهض بإنكار أخطائها ، وإنما بامتلاك الشجاعة للأعتراف بها ، واستخلاص الدروس منها ، والأنطلاق نحو مشروع وطني أكثر وحدة وواقعية على قاعدة الحد الأدنى من التوافق والقدرة على حماية شعبنا و مستقبل فلسطين وحريتها .

إن القضية اليوم لم تعد قضية اتفاق أو خلاف على تفاصيل تنفيذه في وقت يبقى فيه موضوع الانسحاب الأسرائيلي من غزة دون وضوح ، بل قضية مستقبل المشروع الوطني التحرري الفلسطيني نفسه الذي يتهدده التفكيك . فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تكرر أخطاءها ، ولا يبني مستقبله إلا من يمتلك شجاعة مراجعة تجربته ووضوح رؤيته .

لقد آن الأوان لمراجعة وطنية شاملة ، لا تستثني أحداً ، ولا تستهدف تصفية الحسابات مع أحد ، بل تنطلق من سؤال ، كيف نعيد بناء المشروع الوطني التحرري ، بعد أن كشفت تجربة أوسلو ، كما كشفت تجربة السابع من أكتوبر ، أن استمرار النهج ذاته لن يقود إلى نتائج مختلفة في مواجهة مخططات الأحتلال ، ومن أجل استمرار الكفاح الوطني نحو تصفيته اولاً ، والتي شكلت انتفاضة الحجارة الكبرى التجربة المضيئة انذاك من أجل ذلك ، والتي كان لها ان تحقق إنجازات اكبر لو أتيح بناء أتفاق أوسلو  على استثمار استمراراها وتصاعدها الشعبي .

قد تكون هذه المراجعة هي الأستحقاق الوطني الأكبر في المرحلة الراهنة ، بل وحتى قبل التفكير في خوض الإنتخابات والأنشغال في تشكيل القوائم ، رغم الاهمية القصوى بممارسة الديمقراطية الانتخابية والتغيير كحق لشعبنا صاحب المرجعية والسلطات ، لأن المراجعة النقدية والتوافق الوطني الواسع على أساس المصلحة الوطنية ووضوح الإرادة والرؤية السياسية والتمكين الفعلي والعملي لصمود شعبنا وحل أزماته الداخلية وأستثمار التحولات الدولية هي بداية الطريق وحدها القادرة على تحويل التضحيات الهائلة التي قدمها شعبنا إلى بداية جديدة ، لا إلى فصل آخر من إعادة إنتاج الأزمة أو أزمات جديدة .

* عضو المجلس الأستشاري لحركة فتح .