حين تصبح الأزمة ثقافة!!
ليست أخطر الأزمات تلك التي تضرب الاقتصاد أو السياسة أو الأمن، وإنما تلك التي تنجح، ببطء ودون أن نشعر، في إعادة تشكيل الإنسان نفسه. فالأزمة التي تستمر سنوات لا تبقى حدثًا استثنائيًا، بل تتحول إلى بيئة اجتماعية كاملة، ومع مرور الزمن تتسلل إلى منظومة القيم، وتعيد تعريف السلوك، وتصوغ طريقة التفكير، حتى يصبح الاستثناء هو القاعدة، وتغدو الحياة داخل الأزمة هي الوضع الطبيعي.
ربما لم يعد الفلسطيني اليوم يعيش أزمة، بل يعيش داخل منظومة متكاملة من الأزمات. فمنذ سنوات طويلة تتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتعاقب الحروب، وتتقلص الموارد، وتزداد حالة عدم اليقين. ومع كل أزمة جديدة يتكيف المجتمع، لا لأنه تجاوزها، وإنما لأنه اضطر إلى التعايش معها. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ إذ تتحول القدرة على التكيف، وهي فضيلة في أصلها، إلى قبول غير واعٍ بمنطق الأزمة باعتباره قدرًا دائمًا.
وهكذا نشأت، شيئًا فشيئًا، ما يمكن تسميته بثقافة الأزمات، وثقافة الأزمات ليست مجرد كثرة الأزمات، بل هي انتقال الأزمة من الواقع إلى الوعي. إنها اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بإعادة بناء سلوكه على أساس الندرة والخوف وعدم الثقة، لا على أساس الاستقرار والأمل. فعندما تصبح ساعات الانتظار أمام محطة الوقود أو أمام المصارف أو المؤسسات المختلفة مشهدًا اعتياديًا، وعندما يتحول البحث عن فرصة نجاة إلى رحلة طويلة من الإحباط، وعندما يصبح السؤال اليومي هو: ماذا سيحدث غدًا؟ فإن الأزمة لم تعد خارج الإنسان، بل أصبحت جزءًا من تكوينه النفسي والاجتماعي.
وهنا تتغير الثقافة قبل أن تتغير السياسة. فالثقافة ليست الأغاني والكتب والفنون فقط، وإنما هي الطريقة التي نقف بها في الطابور، وكيف نتعامل مع القانون، وكيف ننظر إلى الوقت، وكيف نتصرف عندما تقل الموارد. إنها تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع شخصية المجتمع. وإذا كانت هذه التفاصيل تُعاد صياغتها تحت ضغط الأزمات، فإننا أمام تحول ثقافي عميق، لا أمام أزمة عابرة.
ولعل أخطر ما تفعله الأزمات المتكررة أنها تعيد تعريف الأخلاق نفسها. فبعض السلوكيات التي كانت تُعد استثناءً تصبح مبررة بحجة الظروف. ويتحول تجاوز النظام إلى ذكاء، والالتفاف على القانون إلى مهارة، والاستحواذ على الفرصة قبل الآخرين إلى نوع من الفطنة. شيئًا فشيئًا يفقد المجتمع حساسيته تجاه هذه التحولات، لأنها تتكرر يوميًا حتى تبدو طبيعية، بينما هي في حقيقتها تعبير عن ثقافة تشكلت تحت ضغط الخوف أكثر مما تشكلت تحت تأثير القيم.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فالواقع الفلسطيني يقدم، في الوقت نفسه، نموذجًا آخر أكثر إشراقًا. ففي كل أزمة تظهر مبادرات التكافل، وتتسع دوائر التطوع، ويتقاسم الناس ما لديهم، ويعيد المجتمع إنتاج قدرته على الصمود. وهذا يعني أن الثقافة الفلسطينية ما زالت تمتلك رصيدًا أخلاقيًا كبيرًا يقاوم الانهيار، وأن الصراع الحقيقي ليس بين المواطن والأزمة، وإنما بين ثقافتين تتنافسان داخل المجتمع نفسه: ثقافة ترى في الأزمة مبررًا للفوضى، وثقافة ترى فيها امتحانًا للأخلاق.
وقد شهدنا ذلك في أكثر من محطة. ففي لحظات النقص والازدحام وقف بعض المواطنين ينظمون الطوابير دون تكليف، بينما اختار آخرون القفز فوق الدور. المشهد واحد، والظروف واحدة، لكن الثقافة هي التي صنعت الفارق. فالأزمة لا تكشف فقط هشاشة المؤسسات، بل تكشف أيضًا متانة القيم التي يحملها المجتمع.
ومن هنا، فإن الحديث عن الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على الاقتصاد أو الإدارة أو السياسة، لأن بناء المؤسسات لا يكتمل إذا تآكلت الثقافة المدنية. فلا يمكن لمجتمع أن يحقق التنمية إذا أصبح احترام النظام خيارًا، أو إذا فقد المواطن ثقته بأن الالتزام بالقانون يحقق العدالة للجميع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس استمرار الأزمات، وإنما أن نورث أبناءنا عقلية الأزمة. فجيل ينشأ على الخوف من المستقبل، وعدم الثقة بالمؤسسات، والاعتقاد بأن الحقوق تُنتزع بالفوضى لا بالنظام، سيجد صعوبة في بناء دولة حديثة حتى لو توفرت لها الإمكانات الاقتصادية والسياسية.
ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست فقط مع الأزمات، بل مع تحولها إلى ثقافة. فالأزمات قد تفرضها ظروف خارجة عن إرادتنا، لكن الثقافة تبقى مسؤوليتنا المشتركة. وما لم نحافظ على قيم النظام، واحترام الدور، والتعاون، والانضباط، والالتزام بالمصلحة العامة، فإننا سننتصر على الأزمة في يوم، لكنها ستكون قد انتصرت علينا في الإنسان.
لقد أثبت الفلسطيني، عبر تاريخه، أن لديه قدرة استثنائية على الصمود. واليوم لم يعد المطلوب أن نصمد فقط، بل أن نحمي ثقافتنا من أن تتشكل على صورة الأزمات. فالأمم لا تنهزم عندما تمر بالأزمات، وإنما عندما تسمح للأزمات بأن تعيد تعريف أخلاقها، وتحدد سلوكها، وترسم ملامح مستقبلها.