أزمة المحروقات في فلسطين... هل المشكلة في الوقود أم في بنية الاقتصاد الفلسطيني؟

2026-08-01 18:00:41

لم تكن أزمة المحروقات التي شهدتها الضفة الغربية خلال الأيام الماضية مجرد أزمة نقص في الوقود أو طوابير طويلة أمام محطات التعبئة، بل كشفت عن خلل أعمق في بنية الاقتصاد الفلسطيني، وأعادت طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات، ومدى اعتماده على الخارج، وحدود قدرة الحكومة على إدارة الصدمات الاقتصادية.

لقد انشغل المواطن بالمشهد الظاهر؛ سيارات تنتظر لساعات، ومحطات أغلقت أبوابها، وسوق سوداء بدأت بالظهور، إلا أن السؤال الحقيقي لا يكمن في الطوابير بقدر ما يكمن في الأسباب التي أوصلتنا إليها.

أزمة إمدادات أم أزمة مالية؟

تشير المعطيات المتوافرة إلى أن الأزمة الحالية ليست ناجمة عن توقف كامل لإمدادات الوقود، وإنما عن تراجع الكميات الموردة مقارنة بحجم الطلب، بالتزامن مع أزمة مالية حادة تعيشها السلطة الفلسطينية نتيجة استمرار احتجاز واقتطاع أموال المقاصة، وتراجع السيولة، وصعوبة تسوية المدفوعات للموردين.

كما ساهمت أزمة فائض الشيكل داخل الجهاز المصرفي الفلسطيني في تعقيد عمليات الدفع والتحويل، في ظل القيود المفروضة على تحويل الشيكل إلى البنوك الإسرائيلية، الأمر الذي انعكس على قدرة الجهات المستوردة على إدارة عمليات الشراء والتوريد بصورة طبيعية.

ومع انتشار أخبار النقص، اندفع المواطنون إلى تخزين الوقود والتزود بكميات تفوق احتياجاتهم اليومية، فارتفع الطلب بصورة مفاجئة، وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة وظهور الطوابير أمام محطات الوقود.

لماذا ارتفع سعر السولار بهذه الصورة؟

أثار الارتفاع الكبير في سعر السولار العديد من التساؤلات، خاصة بعد أن ارتفع سعر اللتر من 7.19 شيكل إلى 8.56 شيكل، أي بزيادة بلغت 1.37 شيكل خلال شهر واحد، في حين ارتفع سعر البنزين 95 بمقدار 61 أغورة فقط.

وللوهلة الأولى بدا وكأن الزيادة الفلسطينية مبالغ فيها مقارنة بما حدث في الأسواق المجاورة، إلا أن التحليل الاقتصادي يبين أن الصورة أكثر تعقيدًا.

فقد شهدت الأسواق العالمية خلال الأسابيع الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار المشتقات النفطية، ولا سيما الديزل، نتيجة اضطرابات الإمدادات العالمية وارتفاع هوامش التكرير، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، بالتزامن مع تراجع قيمة الشيكل أمام الدولار، وهو ما رفع تكلفة استيراد الوقود المسعر بالدولار.

غير أن هذه العوامل، رغم أهميتها، لا تفسر وحدها حجم الزيادة التي شهدها السوق الفلسطيني، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مكونات التسعيرة المحلية، ومدى تأثير الضرائب والرسوم والتكاليف الإدارية وهوامش التسويق فيها.

ماذا عن بروتوكول باريس؟

يعتقد كثيرون أن بروتوكول باريس يفرض تطابق أسعار جميع المحروقات بين فلسطين وإسرائيل، إلا أن ذلك ليس دقيقًا.

فالبروتوكول يضع قيودًا تتعلق بسعر البنزين، بينما يمنح الجانب الفلسطيني هامشًا أوسع في تحديد أسعار المشتقات النفطية الأخرى، ومنها السولار.

وبالتالي فإن اختلاف نسبة الزيادة في السولار بين السوقين لا يعني بالضرورة وجود مخالفة لبروتوكول باريس، لكنه يبرز الحاجة إلى شفافية أكبر في توضيح كيفية احتساب السعر النهائي للمستهلك.

لماذا بدت الزيادة في إسرائيل أقل؟

في إسرائيل خضعت زيادة البنزين لآلية تسعير مختلفة، كما أن جزءًا كبيرًا من السعر النهائي يتكون من ضرائب ثابتة، وهو ما يجعل أثر الزيادة العالمية يظهر بنسبة أقل على السعر النهائي.

أما السولار، فلا يخضع هناك لسعر حكومي موحد كما هو الحال بالنسبة للبنزين، وإنما يباع وفق أسعار تجارية تختلف بين الشركات والمحطات.

لذلك فإن المقارنة المباشرة بين سعر السولار الفلسطيني والسعر الإسرائيلي تحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأن آليات التسعير ليست متطابقة.

الاقتصاد الفلسطيني يدفع ثمن التبعية

تكشف الأزمة الحالية حقيقة يعرفها الاقتصاديون منذ سنوات، وهي أن الاقتصاد الفلسطيني لا يمتلك أمنًا طاقيًا حقيقيًا، ويعتمد بصورة شبه كاملة على مصدر واحد لتوريد الوقود.

وعندما تتقاطع الأزمة المالية مع التوترات الإقليمية، وارتفاع الأسعار العالمية، وضعف القدرة على الاستيراد، تصبح السوق الفلسطينية أكثر هشاشة من غيرها، وينتقل أثر الصدمة بسرعة إلى المواطن.

إن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع سعر الوقود، بل في انعكاسه المباشر على مختلف القطاعات الاقتصادية.

فالسولار يمثل الوقود الرئيسي لوسائل النقل والشاحنات والقطاع الزراعي والمصانع والمولدات الكهربائية، الأمر الذي يعني أن ارتفاع سعره سينعكس تدريجيًا على تكاليف الإنتاج والنقل، ومن ثم على أسعار السلع والخدمات، ليزيد الضغوط التضخمية التي يعاني منها المواطن أصلًا.

ما الذي يحتاجه المواطن؟

ليس المطلوب من الحكومة أن تمنع تأثر السوق الفلسطينية بالمتغيرات العالمية، فهذا أمر يصعب تحقيقه في ظل الظروف الحالية، وإنما المطلوب هو تعزيز الشفافية.

فمن حق المواطن أن يعرف كيف تم احتساب سعر لتر الوقود، وما هي نسبة السعر العالمي، وما هي قيمة الضرائب، وما هي كلفة النقل والتخزين، وما هي هوامش التسويق، حتى يكون تقييمه لأي زيادة قائمًا على معلومات واضحة، لا على الإشاعات أو التخمين.

كما أن المرحلة الحالية تستدعي التفكير الجاد في بناء احتياطي استراتيجي من المحروقات، وتنويع مصادر الإمداد كلما كان ذلك ممكنًا، والعمل على تطوير سياسات وطنية تعزز الأمن الطاقي وتحد من آثار الأزمات الخارجية.

الخلاصة

أزمة المحروقات التي نعيشها اليوم ليست أزمة وقود فحسب، بل هي انعكاس مباشر لهشاشة الاقتصاد الفلسطيني، ونتيجة طبيعية لتراكم الأزمات المالية، واستمرار التبعية الاقتصادية، وغياب البدائل، وضعف القدرة على امتصاص الصدمات.

لقد كشفت هذه الأزمة أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في الوقوف لساعات أمام محطات الوقود، وإنما في اعتياد المجتمع على التكيف مع الأزمات باعتبارها أمرًا طبيعيًا، بدلًا من البحث عن حلول جذرية تمنع تكرارها.

فالاقتصاد الذي يعيش على إيجاد البدائل في كل أزمة، دون معالجة أسبابها، سيبقى عرضة لأزمات جديدة قد لا تقتصر مستقبلًا على الوقود، بل قد تمتد إلى الكهرباء والمياه وسلاسل الإمداد والخدمات الأساسية.

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط تجاوز أزمة المحروقات، وإنما بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود، وأكثر شفافية، وأقل تبعية، حتى لا تتحول كل أزمة خارجية إلى أزمة معيشية داخلية يدفع ثمنها المواطن الفلسطيني.
 د. باسم ابو داود