الانتخابات التشريعية الفلسطينية: طوق نجاة ديمقراطي أم تفخيخ للمشهد في زمن المدافع والدمار ؟!
تواجه الحالة السياسية الفلسطينية تعقيدات تاريخية وبنيوية غير مسبوقة تضع أي حديث عن مسار ديمقراطي أو انتخابات تشريعية أمام معضلات وجودية .
وفي ظل واقع ميداني يتسم بالتصعيد العسكري المستمر ، وتدمير البنى التحتية والمؤسساتية والنزوح والابادة بهدف التهجير ، والفصل الجغرافي والديمغرافي الحاد بين قطاع غزة والضفة الغربية ، إلى جانب المحاولات الحثيثة لتهويد مدينة القدس وتغييبها عن المشهد السياسي الفلسطيني وعزلها جغرافيا ومؤسساتيا ، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى العودة إلى صناديق الاقتراع في هذه الظروف ، ومدى إمكانية تحقيق حد أدنى من النزاهة والشفافية ، وما إذا كانت المخرجات ستؤدي إلى لم الشمل الفلسطيني أم ستدفع نحو مزيد من التفكك المجتمعي والسياسي ؟! .
_ جدوى الانتخابات في ظل الدمار والفصل والتهويد :
تبدو الجدوى السياسية لإجراء الانتخابات في الوقت الراهن محط انقسام كبير بين النخب والمحللين .
من منظور واقعي ، فإن غياب القدس بفعل إجراءات الاحتلال ، وعزل قطاع غزة المدمر عن الضفة الغربية ، يحول دون بناء حوار وطني شامل يمهد لعملية ديمقراطية حقيقية .
إن إجراء الانتخابات في ظل هذه الظروف قد يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بالأمر الواقع المفروض إسرائيلياً ، حيث يصعب تأمين مشاركة فاعلة ومستقلة لأهالي القدس ، كما يصعب تصور التفاف جماهيري حول صناديق الاقتراع في قطاع يعاد إعماره وسط الركام .
ومع ذلك، يرى تيار آخر أن الانتخابات تمثل الأداة الوحيدة لإعادة بناء الشرعية المتآكلة للمؤسسات الفلسطينية ، وتوحيد النظام السياسي تحت مظلة قيادة منتخبة تمتلك تفويضاً شعبياً لمواجهة مشاريع التصفية والتهويد .
فالجدوى هنا لا تكمن في استقرار الأوضاع ، بل في كون الانتخابات وسيلة لتوليد ديناميكية سياسية جديدة تنهي حالة الشلل المؤسساتي .
_ معضلة الإجراء :
هل هناك انتخابات شعبية تقام في ظل الحروب ؟!!
تاريخياً ، عرف المجتمع الدولي حالات جرت فيها انتخابات في ظروف استثنائية أو عقب نزاعات مسلحة ، مثل بعض التجارب في العراق ، أو أفغانستان ، أو دول البلقان . غير أن الحالة الفلسطينية تختلف جذرياً لكونها تقع تحت احتلال عسكري مباشر يسيطر على المعابر ، ويتحكم بحرية الحركة بين المدن والقرى ، ويملك القدرة على اعتقال المرشحين والناخبين .
من الناحية الإجرائية واللوجستية، يعد تنظيم عملية انتخابية في ظل الركام الحالي وفصل المدن وفقدان مئات الآلاف من الغزيين لوثائقهم الرسمية ونزوحهم المستمر ، أمراً يقترب من الاستحالة الدستورية والعملية .
فاللجنة المركزية للانتخابات ستقف أمام تحديات هائلة لتحديث سجل الناخبين ، أو فتح مراكز الاقتراع في مناطق مشتتة ديمغرافياً ، فضلاً عن غياب مناخ الحريات العامة الضروري لتنظيم الحملات الانتخابية دون ترهيب أو ملاحقة .
_ المحدد الدولي: مطلب حقيقي أم أداة مشروطة؟
تضغط الأطراف الدولية والإقليمية، وبخاصة القوى الغربية والمانحين ، باتجاه تجديد شرعية السلطة الوطنية الفلسطينية كشرط أساسي للاستمرار في تقديم الدعم المالي ، والانخراط في أي عملية سياسية مستقبلية أو خطط لإعادة إعمار قطاع غزة .
ومع ذلك ، فإن هذا المطلب الدولي يتسم بازدواجية واضحة ؛ فالمركب الدولي يطالب بانتخابات تؤدي إلى قيادة "مقبولة دولياً" تلتزم بالاتفاقيات الموقعة ، مما يعني أن المجتمع الدولي قد لا يقبل بنموذج ديمقراطي يفضي إلى صعود قوى لا تتماشى مع شروطه السياسية ، وهو ما يعيد للأذهان سيناريو انتخابات عام 2006 وما تلاه من حصار سياسي واقتصادي .
وبالتالي ، فإن المطلب الدولي ليس شيكاً على بياض للديمقراطية ، بل هو أداة سياسية مشروطة بالنتائج .
_ خارطة الفصائل: فتح وحماس أمام الاستحقاق المعقد :
تأتي حركتا فتح وحماس إلى هذا الاستحقاق المثقل بالخلافات في ظرفية حرجة لكلتيهما :
*حركة فتح : تعاني من أزمات داخلية وتحديات ترتبط بالخلافة السياسية وتراجع حضورها في بعض الأوساط بسبب جمود الأفق السياسي الإقليمي .
تنظر الحركة إلى الانتخابات كفرصة لإعادة تثبيت شرعيتها القيادية داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير ، مع السعي لتجنب سيناريو هزيمة جديدة عبر محاولات تشكيل قوائم موحدة أو البحث عن توافقات فصائلية مسبقة تحمي مكتسباتها البنيوية .
*حركة حماس: رغم ما حققته من حضور في المشهد العسكري والسياسي فرض جغرافيتها على العالم ، تواجه معضلة الكلفة الإنسانية الباهظة في قطاع غزة والمسؤولية عن الإعمار والحكم بعد الحرب .
واذا ما قررت حماس المشاركة مباشرة وعلنا في الانتخابات ؛ أو انها ستقوم بدعم قوائم أو مرشحين من خلف ستار ؛ فإنها ستسعى من خلال الانتخابات إلى شرعنة وجودها السياسي كشريك رئيسي وغير قابل للتجاوز في النظام الفلسطيني ، والانتقال من مربع السلطة المحلية المحاصرة في غزة إلى مظلة القيادة الوطنية الشاملة عبر منظمة التحرير .
*أما الفصائل الأخرى ، وقوى اليسار ، والمجموعات الشبابية المستقلة ، فستحاول البحث عن موطئ قدم في ظل الاستقطاب الحاد ، مستغلة حالة الاستياء الشعبي من الأداء العام للقطبين الكبيرين ( فتح وحماس ) ، وإن كانت فرصها في إحداث توازن جوهري تبدو ضئيلة دون تحالفات عريضة .
*صعود الدور العشائري والعائلي : شبكة أمان أم تفتيت ؟!
أدى تراجع هيبة المؤسسات الرسمية وتفكك الأجهزة الإدارية والأمنية في بعض المناطق نتيجة الحروب والاضطرابات إلى بروز العشيرة والعائلة كشبكة أمان اجتماعي واقتصادي بديلة . في أي انتخابات قادمة وسط هذه الظروف ، سيلعب البعد العشائري دوراً حاسماً ، ليس فقط في ترشيح الشخصيات ، بل في توجيه الأصوات وحسم النتائج ، لا سيما في المناطق التي يضعف فيها حضور التنظيمات السياسية التقليدية .
ورغم أن هذا الدور يضمن حشداً ومشاركة عريضة في ظل غياب الثقة بالأحزاب ، إلا أنه يحمل وجهاً سلبياً خطيراً ؛ فهو يعزز الولاءات الفرعية الضيقة على حساب الولاء الوطني البرامجي ، مما قد يؤدي إلى تفتيت الأصوات وبروز مجالس تشريعية مبنية على المحاصصة العائلية وليس الكفاءة التشريعية والسياسية .
_ المدخلات والمخرجات : إصلاح مأمول أم تفكيك وتعميق للصراع؟
إن المدخلات القانونية والإجرائية الراهنة لا تبشر ، في شكلها الحالي ، بمخرجات إيجابية مستقرة ما لم تطرأ تغيرات جذرية في البيئة السياسية :
*السيناريو السلبي (المرجح في غياب التوافق) :
يكمن في حدوث طعون قانونية متبادلة ، ورفض الاعتراف بالنتائج من هذا الطرف أو ذاك بناءً على تشكيك في نزاهة الاقتراع في غزة أو الضفة . هذا السيناريو سيؤدي حتماً إلى تعميق الانفصال الإداري والسياسي ، ويشرعن تقاسم النفوذ ، ويسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي عبر النزاعات العائلية والفصائلية المسلحة ، مما يعني الانتقال من "الانقسام السياسي" إلى "الانفصال البنيوي الكامل" .
*السيناريو الإيجابي (المأمول) :
لا يمكن تحقيقه إلا إذا سبقت الانتخابات تفاهمات شاملة وميثاق شرف وطني ملزم يضمن تشكيل حكومة وحدة وطنية أياً كانت النتائج ، وإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية لتضم الجميع تحت برنامج قواسم مشتركة. في هذه الحالة فقط ، ستكون المخرجات رافعة حقيقية لترتيب البيت الداخلي .
__ خلاصة القول:
تظل الانتخابات التشريعية الفلسطينية حقاً دستوريّاً ومطلباً شعبياً معطلاً ، إلا أن طرحها كحل سحري في ظل المدافع والركام والتهويد يفتقر إلى الواقعية السياسية. إن معالجة آثار العدوان ، وتحقيق التوافق الوطني الشامل ، والاتفاق على استراتيجية موحدة لمواجهة الاحتلال ، هي الشروط الموضوعية التي يجب أن تسبق صناديق الاقتراع ، حتى لا تتحول الانتخابات من أداة لبناء الشرعية إلى معول جديد يهدم ما تبقى من صرح المشروع الوطني الفلسطيني .