الانتخابات التشريعية الفلسطينية: طوق نجاة ديمقراطي أم تفخيخ للمشهد في زمن المدافع والدمار ؟!

2026-08-02 10:14:11

تواجه الحالة السياسية الفلسطينية تعقيدات تاريخية وبنيوية غير مسبوقة تضع أي حديث عن مسار ديمقراطي أو انتخابات تشريعية أمام معضلات وجودية .

وفي ظل واقع ميداني يتسم بالتصعيد العسكري المستمر ، وتدمير البنى التحتية والمؤسساتية والنزوح والابادة بهدف التهجير ، والفصل الجغرافي والديمغرافي الحاد بين قطاع غزة والضفة الغربية ، إلى جانب المحاولات الحثيثة لتهويد مدينة القدس وتغييبها عن المشهد السياسي الفلسطيني وعزلها جغرافيا ومؤسساتيا ، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى العودة إلى صناديق الاقتراع في هذه الظروف ، ومدى إمكانية تحقيق حد أدنى من النزاهة والشفافية ، وما إذا كانت المخرجات ستؤدي إلى لم الشمل الفلسطيني أم ستدفع نحو مزيد من التفكك المجتمعي والسياسي ؟! .

_ جدوى الانتخابات في ظل الدمار والفصل والتهويد :

تبدو الجدوى السياسية لإجراء الانتخابات في الوقت الراهن محط انقسام كبير بين النخب والمحللين .

من منظور واقعي ، فإن غياب القدس بفعل إجراءات الاحتلال ، وعزل قطاع غزة المدمر عن الضفة الغربية ، يحول دون بناء حوار وطني شامل يمهد لعملية ديمقراطية حقيقية .

إن إجراء الانتخابات في ظل هذه الظروف قد يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بالأمر الواقع المفروض إسرائيلياً ، حيث يصعب تأمين مشاركة فاعلة ومستقلة لأهالي القدس ، كما يصعب تصور التفاف جماهيري حول صناديق الاقتراع في قطاع يعاد إعماره وسط الركام .

ومع ذلك، يرى تيار آخر أن الانتخابات تمثل الأداة الوحيدة لإعادة بناء الشرعية المتآكلة للمؤسسات الفلسطينية ، وتوحيد النظام السياسي تحت مظلة قيادة منتخبة تمتلك تفويضاً شعبياً لمواجهة مشاريع التصفية والتهويد .

 فالجدوى هنا لا تكمن في استقرار الأوضاع ، بل في كون الانتخابات وسيلة لتوليد ديناميكية سياسية جديدة تنهي حالة الشلل المؤسساتي .

_ معضلة الإجراء :

هل هناك انتخابات شعبية تقام في ظل الحروب ؟!!

تاريخياً ، عرف المجتمع الدولي حالات جرت فيها انتخابات في ظروف استثنائية أو عقب نزاعات مسلحة ، مثل بعض التجارب في العراق ، أو أفغانستان ، أو دول البلقان . غير أن الحالة الفلسطينية تختلف جذرياً لكونها تقع تحت احتلال عسكري مباشر يسيطر على المعابر ، ويتحكم بحرية الحركة بين المدن والقرى ، ويملك القدرة على اعتقال المرشحين والناخبين .

من الناحية الإجرائية واللوجستية، يعد تنظيم عملية انتخابية في ظل الركام الحالي وفصل المدن وفقدان مئات الآلاف من الغزيين لوثائقهم الرسمية ونزوحهم المستمر ، أمراً يقترب من الاستحالة الدستورية والعملية .

فاللجنة المركزية للانتخابات ستقف أمام تحديات هائلة لتحديث سجل الناخبين ، أو فتح مراكز الاقتراع في مناطق مشتتة ديمغرافياً ، فضلاً عن غياب مناخ الحريات العامة الضروري لتنظيم الحملات الانتخابية دون ترهيب أو ملاحقة .

_ المحدد الدولي: مطلب حقيقي أم أداة مشروطة؟

تضغط الأطراف الدولية والإقليمية، وبخاصة القوى الغربية والمانحين ، باتجاه تجديد شرعية السلطة الوطنية الفلسطينية كشرط أساسي للاستمرار في تقديم الدعم المالي ، والانخراط في أي عملية سياسية مستقبلية أو خطط لإعادة إعمار قطاع غزة .

ومع ذلك ، فإن هذا المطلب الدولي يتسم بازدواجية واضحة ؛ فالمركب الدولي يطالب بانتخابات تؤدي إلى قيادة "مقبولة دولياً" تلتزم بالاتفاقيات الموقعة ، مما يعني أن المجتمع الدولي قد لا يقبل بنموذج ديمقراطي يفضي إلى صعود قوى لا تتماشى مع شروطه السياسية ، وهو ما يعيد للأذهان سيناريو انتخابات عام 2006 وما تلاه من حصار سياسي واقتصادي .

وبالتالي ، فإن المطلب الدولي ليس شيكاً على بياض للديمقراطية ، بل هو أداة سياسية مشروطة بالنتائج .

_ خارطة الفصائل: فتح وحماس أمام الاستحقاق المعقد :

تأتي حركتا فتح وحماس إلى هذا الاستحقاق المثقل بالخلافات في ظرفية حرجة لكلتيهما :

*حركة فتح : تعاني من أزمات داخلية وتحديات ترتبط بالخلافة السياسية وتراجع حضورها في بعض الأوساط بسبب جمود الأفق السياسي الإقليمي .

 تنظر الحركة إلى الانتخابات كفرصة لإعادة تثبيت شرعيتها القيادية داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير ، مع السعي لتجنب سيناريو هزيمة جديدة عبر محاولات تشكيل قوائم موحدة أو البحث عن توافقات فصائلية مسبقة تحمي مكتسباتها البنيوية .

*حركة حماس: رغم ما حققته من حضور في المشهد العسكري والسياسي فرض جغرافيتها على العالم ، تواجه معضلة الكلفة الإنسانية الباهظة في قطاع غزة والمسؤولية عن الإعمار والحكم بعد الحرب .

واذا ما قررت حماس المشاركة مباشرة وعلنا في الانتخابات ؛ أو انها ستقوم بدعم قوائم أو مرشحين من خلف ستار ؛ فإنها ستسعى من خلال الانتخابات إلى شرعنة وجودها السياسي كشريك رئيسي وغير قابل للتجاوز في النظام الفلسطيني ، والانتقال من مربع السلطة المحلية المحاصرة في غزة إلى مظلة القيادة الوطنية الشاملة عبر منظمة التحرير .

*أما الفصائل الأخرى ، وقوى اليسار ، والمجموعات الشبابية المستقلة ، فستحاول البحث عن موطئ قدم في ظل الاستقطاب الحاد ، مستغلة حالة الاستياء الشعبي من الأداء العام للقطبين الكبيرين ( فتح وحماس ) ، وإن كانت فرصها في إحداث توازن جوهري تبدو ضئيلة دون تحالفات عريضة .

*صعود الدور العشائري والعائلي : شبكة أمان أم تفتيت ؟!

أدى تراجع هيبة المؤسسات الرسمية وتفكك الأجهزة الإدارية والأمنية في بعض المناطق نتيجة الحروب والاضطرابات إلى بروز العشيرة والعائلة كشبكة أمان اجتماعي واقتصادي بديلة . في أي انتخابات قادمة وسط هذه الظروف ، سيلعب البعد العشائري دوراً حاسماً ، ليس فقط في ترشيح الشخصيات ، بل في توجيه الأصوات وحسم النتائج ، لا سيما في المناطق التي يضعف فيها حضور التنظيمات السياسية التقليدية .

ورغم أن هذا الدور يضمن حشداً ومشاركة عريضة في ظل غياب الثقة بالأحزاب ، إلا أنه يحمل وجهاً سلبياً خطيراً ؛ فهو يعزز الولاءات الفرعية الضيقة على حساب الولاء الوطني البرامجي ، مما قد يؤدي إلى تفتيت الأصوات وبروز مجالس تشريعية مبنية على المحاصصة العائلية وليس الكفاءة التشريعية والسياسية .

_ المدخلات والمخرجات : إصلاح مأمول أم تفكيك وتعميق للصراع؟

إن المدخلات القانونية والإجرائية الراهنة لا تبشر ، في شكلها الحالي ، بمخرجات إيجابية مستقرة ما لم تطرأ تغيرات جذرية في البيئة السياسية :

*السيناريو السلبي (المرجح في غياب التوافق) :

 يكمن في حدوث طعون قانونية متبادلة ، ورفض الاعتراف بالنتائج من هذا الطرف أو ذاك بناءً على تشكيك في نزاهة الاقتراع في غزة أو الضفة . هذا السيناريو سيؤدي حتماً إلى تعميق الانفصال الإداري والسياسي ، ويشرعن تقاسم النفوذ ، ويسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي عبر النزاعات العائلية والفصائلية المسلحة ، مما يعني الانتقال من "الانقسام السياسي" إلى "الانفصال البنيوي الكامل" .

*السيناريو الإيجابي (المأمول) :

 لا يمكن تحقيقه إلا إذا سبقت الانتخابات تفاهمات شاملة وميثاق شرف وطني ملزم يضمن تشكيل حكومة وحدة وطنية أياً كانت النتائج ، وإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية لتضم الجميع تحت برنامج قواسم مشتركة. في هذه الحالة فقط ، ستكون المخرجات رافعة حقيقية لترتيب البيت الداخلي .

__ خلاصة القول:

تظل الانتخابات التشريعية الفلسطينية حقاً دستوريّاً ومطلباً شعبياً معطلاً ، إلا أن طرحها كحل سحري في ظل المدافع والركام والتهويد يفتقر إلى الواقعية السياسية. إن معالجة آثار العدوان ، وتحقيق التوافق الوطني الشامل ، والاتفاق على استراتيجية موحدة لمواجهة الاحتلال ، هي الشروط الموضوعية التي يجب أن تسبق صناديق الاقتراع ، حتى لا تتحول الانتخابات من أداة لبناء الشرعية إلى معول جديد يهدم ما تبقى من صرح المشروع الوطني الفلسطيني .