قسم أبحاث الزيتون.. الفجوة بين الواقع والمطلوب في البحث العلمي

2026-08-02 16:18:49

الحلقة (3 من 10)
بعد انتهاء مداخلتي في اجتماع اللجنة الاستشارية لـ "قسم أبحاث الزيتون" –والذي بات جزءاً حيوياً من مركز البحوث الزراعية في كلية الهندسة الزراعية بجامعة فلسطين التقنية "خضوري"– عقب أحد أقرب وأعز الأصدقاء إليّ، وهو خبير وابن ميدان ومن أكثر المساهمين في تطوير هذا القطاع، قائلاً بوضوح: "لا أعتقد أن مزارعاً سيأتي يوماً إلى الجامعة ويقول لكم أعطوني بحثاً علمياً عن كذا".
ونعم، هذا لن يحدث أبداً؛ فالمزارع البسيط في حقله لا يفهم لغة الجينات الجزيئية المعقدة، ولا يقرأ الأبحاث المكتوبة بالإنجليزية. المزارع بحاجة ماسة إلى "نشرات إرشادية مبسطة باللغة العربية"، أو "تطبيقات ذكية على الهواتف المحمولة" تخبره باليوم والساعة؛ متى يرش حقوله؟ وكيف يعالج مرض عين الطاووس؟ وما هي كمية المياه المحددة بدقة لكل شجرة في ظل ظروف الجفاف القاسية للري التكميلي إن توفرت المياه.
إن الفجوة الحقيقية في فلسطين ليست في عقم العقول أو انعدام المختبرات، بل في انقطاع الجسور الواصلة بين "مكتب الأستاذ الجامعي المكيّف" و"أرض المزارع المغبرة تحت لهيب الشمس". ومع التأكيد على أن التعميم غير وارد وغير مقصود، إلا أن تشريح واقع قطاع الزيتون يضعنا أمام ست فجوات قاتلة تفصل بين الواقع الأكاديمي الحاد وما يريده الحقل والميدان فعلياً:
1. فجوة لغة الخطاب والتطبيق الأكاديمي
* الواقع: يركز الأساتذة في الجامعات على إجراء أبحاث معقدة حول الجينات الجزيئية للزيتون، تُكتب باللغة الإنجليزية وتُنشر في مجلات أوروبية بهدف وحيد وهو إدراجها في السيرة الذاتية لنيل الترقية الأكاديمية.
* المطلوب: المزارع في الحقل يبحث عن لغة عملية يفهمها، وعن حلول تطبيقية تزيد من دخله السنوي وتحمي شجرته المباركة من الموت والتلف.
2. فجوة الجدوى الاقتصادية للمزارع (أبحاث لا تطعم خبزاً)
* الواقع: يواجه المزارع الفلسطيني ظروفاً اقتصادية خانقة وكلفة عمالة مرتفعة جداً، بينما تركز جل الأبحاث الحالية على دراسة خصائص الزيت وتصنيفه المخبري معزولة تماماً عن حساب التكلفة الإجمالية التي يتكبدها الفلاح.
* المطلوب: توجيه البوصلة نحو أبحاث تطبيقية تقدم حلولاً حقيقية لـ "خفض تكلفة الإنتاج" ورفع ربحية المزارع في وحدة الأرض.
3. فجوة "التشخيص السريع" مقابل "البطء المختبري"
* الواقع: تستغرق فحوصات التربة، وتحليلات متبقيات المبيدات، وتشخيص الأمراض الفطرية في مختبرات الوزارات والجامعات أسابيع أو شهوراً طويلة تبعاً لآليات إدارية بطيئة.
* المطلوب: إيجاد "مختبر طوارئ ميداني متنقل" يمنح المزارع النتيجة القاطعة خلال 24 ساعة لإنقاذ الموسم قبل فوات الأوان؛ فالبطء الأكاديمي في تشخيص الآفة يعني هلاك المحصول وضياع جهد عام كامل.
4. فجوة "إدارة المخلفات وتحويلها إلى ثروة" (الصناعات المهملة)
* الواقع: يكتفي البحث العلمي التقليدي بوصف مشكلة "الزيبار" و"الجفت" كأعباء بيئية خطيرة تؤرق المجتمع، دون تقديم بدائل أو حلول صناعية حقيقية تُطبق على الأرض.
* المطلوب: يحتاج المزارع وأصحاب المعاصر إلى تصاميم هندسية وصناعية رخيصة وقابلة للتطبيق الفوري، بهدف تحويل "الجفت" إلى مكوناته الأساسية (الزيت، الخشب، واللحمة) للاستفادة منها بطرق مثالية كقوالب تدفئة عالية الجودة، أو استخلاص مركبات "البوليفينول" الثمينة من "الزيبار" لاستخدامها في صناعات الأدوية ومستحضرات التجميل، مما يحول العبء البيئي إلى مصدر دخل جديد.
5. فجوة ضعف التمويل المستدام وتشتت الأبحاث
* الواقع: ينحصر البحث العلمي الحالي في مشاريع صغيرة محدودة الزمن والقيمة المادية. كما تغيب جهة بحثية واحدة متخصصة في شؤون الزيتون؛ فالأبحاث مشتتة بين الجامعات، ومكررة لمرات عدة من باحثين مختلفين دون تنسيق، وغير مرتبطة باحتياجات المزارع أو المعصرة.
* المطلوب: بناء بنك معلومات وطني رقمي ومحدث يوثق كافة الأبحاث المنجزة حول (الإنتاج، الأمراض، والأصناف)، واعتماد تخطيط استراتيجي طويل الأمد مستند إلى بيانات موثوقة، مع إدخال أنظمة الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية (GIS) للرصد المبكر.
6. فجوة الجودة والتسويق والأسعار
* الواقع: إن ضعف تطبيق معايير العمل الدقيقة داخل المعاصر، إلى جانب الممارسات الخاطئة في عمليات القطف، النقل، والتخزين، ينتج زيتاً غير مطابق للمواصفات الدولية، لتصبح الأسعار خاضعة للعامل الجغرافي السائد وليس لـ "معيار الجودة الحقيقي".
* المطلوب: تحديد وتفعيل معايير صارمة للتحليل والتصنيف الحسي والكيميائي لجودة زيت الزيتون تماشياً مع المعايير الدولية، لضمان إنصاف الزيت المتميز سعرياً وتسويقياً.
خاتمة:
رغم عمق هذه الفجوات واتساعها، إلا أن الأمل المعقود اليوم على "قسم أبحاث الزيتون بجامعة خضوري" كبير جداً ليكون هو المنقذ الحقيقي والذراع التنفيذية التي تنزل بالعلم من فوق الرفوف والأوراق، لتطبقه فعلياً في طين الأرض وتراب الحقل، خدمة للشجرة المباركة ومزارعها الصامد.