مَفْرَمَة: حين يصبح الوطن مادةً للتقطيع

2026-08-03 10:20:51

هناك فرقٌ شاسع بين أن تُدمَّر مدينة، وأن تُوضَع داخل أو/ وعلى مفرمة.

فالمدينة المدمَّرة قد تنهض من تحت الركام، وتعيد بناء بيوتها، وتسترجع أسماء شوارعها وذاكرة أطفالها. أما المدينة التي تدخل المفرمة، فإنها لا تُهدم فقط، بل تُجزَّأ، وتُفتَّت، وتُعاد صياغتها إلى شظايا يصعب جمعها من جديد. وهذا هو الفارق الفلسفي العميق الذي التقطه الفنان الفلسطيني خالد حوراني في واحدة من أكثر لوحات معرضه "1030+" إيلامًا وإثارة للأسئلة.

لم تكن المفرمة في اللوحة آلةً معدنيةً تدور ببرود، أو قطعة خشب عادية متواجدة داخل مطبخ منازلنا، بل كانت استعارةً لعصرٍ كامل، أصبح فيه الإنسان قابلًا للتقطيع، والوطن مشروعًا للتفكيك، والذاكرة هدفًا للمحو. فالفنان لا يرسم الحرب كما تراها الكاميرات، بل يرسم المنطق الذي يحكمها؛ المنطق الذي يحول المدن إلى مواد خام، والناس إلى أرقام، والحياة إلى ملف إحصائي.

في معرض "1030+"، الذي يحمل عنوانه عدد الأيام التي مرت على الإبادة المستمرة في غزة، لا يكتفي خالد حوراني بتوثيق الألم، فهو يدرك أن الأخبار تؤدي هذه المهمة كل ساعة، وأن الصور القادمة من غزة تجاوزت قدرة العين على الاحتمال. لذلك اختار طريقًا أكثر صعوبة؛ أن يرسم ما لا تستطيع الكاميرا أن تلتقطه، وأن يمنح الفلسفة لونًا، والغياب هيئة، والضمير صورة.

في لوحات أخرى من المعرض، نرى الأطفال معلّقين بين الأرض والسماء، والنساء النازحات يسترحن فوق الغيوم، ورجلًا يحمل دلوي ماء يحملان شعار الأمم المتحدة، وكأن العالم الذي وعد بالحماية لم يترك سوى شعاره مطبوعًا على أوعية الإغاثة. السماء هنا ليست فضاءً رومانسيًا، بل ملاذًا مؤقتًا من جحيم الأرض، وكأن الفنان يقول إن الأرض لم تعد تتسع للحياة، فاضطرت الأرواح إلى استعارة الغيم حتى تنتهي الحرب.

لكن أكثر اللوحات قسوة ليست تلك التي ترتفع فيها الأجساد نحو السماء، بل تلك التي تعود بنا إلى الأرض، إلى لوح خشبي صامت لا يحتاج إلى شرح: المفرمة...

في تلك اللحظة، يتحول المشهد من لوحة فنية إلى بيان فلسفي. فالمدينة لم تعد تتعرض للقصف فقط، بل أصبحت تدخل في آلة هائلة تطحن كل ما فيها؛ البيوت، والمدارس، والمستشفيات، والأشجار، والكتب، والذكريات، وحتى الزمن نفسه.... إنها ليست مفرمة حديدية... إنها مفرمة سياسية، وأخلاقية، وإعلامية، وإنسانية.

لقد نجحت الحروب الحديثة في اختراع أخطر أنواع الآلات؛ ليست تلك التي تقتل الإنسان، بل تلك التي تُفقده فردانيته، وتحوله إلى رقم في تقرير، أو صورة تمر سريعًا على شاشة هاتف قبل أن ينتقل العالم إلى خبر آخر.

وهنا تبدأ المفرمة الحقيقية؛ ليست عند التقطيع، بل عند مشهد اللامبالاة، فحين يصبح الموت خبرًا يوميًا، والجوع مشهدًا اعتياديًا، والتهجير مجرد تحديث عاجل، يكون الضمير الإنساني قد دخل هو الآخر على آلة التقطيع.

ولعل عبقرية خالد حوراني تكمن في أنه لا يرسم الدم. فهو يعرف أن الدم أصبح صورة مستهلكة، وأن مشاهد الانفجارات فقدت قدرتها على الصدمة لكثرة تكرارها. لذلك رسم على لوحة المفرمة التي تنتج كل ذلك، وتركها تتحدث بصمت. وما أقسى صمت الأشياء حين تنطق.

لطالما سألت الفلسفة: متى يفقد الإنسان إنسانيته؟ لكن لوحة المفرمة تطرح سؤالًا أكثر إيلامًا:

متى يفقد العالم قدرته على رؤية الإنسان أصلًا؟

فالإنسان على هذه المفرمة لم يعد يحمل اسمًا أو سيرة أو حلمًا. أصبح جزءًا من مادة يجري تقطيعها، تمامًا كما تُقطَّع الخرائط، وتُجزَّأ الجغرافيا، وتُفتَّت الروايات. ولذلك لا تبدو اللوحة فلسطينية فقط. إنها كونية.

كل شعب تعرض للتشظي يستطيع أن يرى نفسه فيها، وكل إنسان فقد بيته أو ابنه أو ذاكرته سيدرك أن هذه المفرمة تعرفه جيدًا.

لكن المدهش أن الفنان لا يضع الإنسان داخل أو/ وعلى المفرمة وحده، بل يضع غزة كلها. مدينة بأكملها تُساق نحو التقطيع.

وكأن السؤال لم يعد: كم شهيدًا؟ أسيراً؟ جريحاً؟؟؟

بل: كم جزءًا بقي من المدينة؟

وكم جزءًا بقي من الإنسان؟

لقد كتب الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو أن "الفن الحقيقي لا يواسي الواقع، بل يرفضه."  وهذا تمامًا ما يفعله خالد حوراني. فهو لا يمنحنا عزاءً بصريًا، ولا يجمّل المأساة، بل يحولها إلى سؤال أخلاقي يطارد الضمير.

وفي الوقت ذاته، نستحضر ما قاله بول ريكور: "الذاكرة هي الشكل الأخير للمقاومة." ولوحة المفرمة تجسد هذه الفكرة بامتياز؛ فهي لا تنقذ غزة من آلة التقطيع، لكنها تنقذها من آلة النسيان. تحفظ صورتها قبل أن تبتلعها الأخبار، وتحفظ الإنسان قبل أن تبتلعه الأرقام.

وهنا ينتصر الفن. فالمفرمة وظيفتها التقطيع، أما اللوحة فوظيفتها إعادة جمع ما تمزق داخل وعينا. إنها تعيد إلينا الإنسان الذي حاولت الحرب تحويله إلى مادة، وتعيد إلينا السؤال الذي حاولت السياسة دفنه تحت لغة المصالح.

غادرت معرض "1030+" وأنا أدرك أن اللوحة لم تكن معلقة على الجدار، بل كانت معلقة في ضمير كل من وقف أمامها. أما المفرمة، فلم تكن عن غزة وحدها. كانت عن حضارةٍ سمحت بأن تتحول مدينة كاملة إلى مادة خام في آلة لا تزال تعمل.