من سبتمبر إلى أكتوبر: هل هي نهاية المطاف؟
تعوّدنا خلال هذا العام على نمط متصاعد من تصريحات وزير المالية الفلسطيني، بلاغتها العالية وتأثيرها الإعلامي يتناسبان طرديًا مع تفاقم الأزمة. ففي فبراير الماضي، أطلق الوزير جملته الشهيرة التي تفاعل معها الفلسطينيون واسعًا: "استنفذنا كل حلول الأرض"، محذرًا من أن النتيجة الطبيعية لهذه الظروف هي الانهيار، ومتوقعًا أن يكون 2026 الأصعب ماليًا منذ قيام السلطة. ومنذ أيام، صعّد أكثر: "وصلنا إلى نهاية المطاف"، و"قطع العلاقة البنكية تجاوز لكل الخطوط الحمراء"، معبرًا في مناسبة أخرى عن استغرابه من أن الاقتصاد ما زال صامدًا رغم كل الضغوط. هذا التصعيد مشروع، لكنه يطرح سؤالًا: هل هذه لغة تتصاعد مع كل مرحلة من الأزمة، أم وصف دقيق لحدث تشغيلي بموعد فعلي هذه المرة؟ الإجابة أن الاثنين قد يكونان صحيحين معًا، لأن خلف الخطاب يوجد تاريخ ملموس: بنكان إسرائيليان، هبوعليم وديسكونت، أخطرا بنوكًا فلسطينية بنيتهما إيقاف خدمات المراسلة المصرفية خلال الأسابيع القادمة.
ما هي "المراسلة المصرفية" ولماذا هي حاسمة؟
هذه الخدمات هي القناة الفنية التي تسمح للبنوك الفلسطينية بمعالجة التحويلات والمدفوعات بالشيكل مع النظام المصرفي الإسرائيلي والعالمي. بدونها، تتعطل عمليًا: تمويل واردات كالكهرباء والوقود والغذاء والأدوية، تحويل أجور عشرات آلاف العمال في إسرائيل، وتسوية مدفوعات الموردين. هذا الشريان يربط الاقتصادين أصلًا، بصرف النظر عن أي خطاب سياسي حوله.
بيانات رسمية لسلطة النقد توضح حجم الاعتماد الهيكلي: نحو 90% من الصادرات الفلسطينية تتجه إلى إسرائيل، و100% من الواردات تمر بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر منظومة الجمارك والمنافذ التي تتحكم بها إسرائيل (60% منشؤها إسرائيلي فعليًا). حجم العمليات السنوية عبر قنوات المراسلة يبلغ نحو 51 مليار شيكل، والأرصدة النقدية بخزائن البنوك نحو 18 مليار شيكل، إضافة إلى نحو 3.5 مليار دولار سيولة محتجزة ضمن أدوات مبادلة لتوفير شيكل إلكتروني. هذه الأرقام تكشف أن انقطاع قناة واحدة ينعكس على شريان يعادل الاقتصاد الفلسطيني تقريبًا بحجم التدفقات المرتبطة به.
فجوة التواريخ: من التحذير إلى موعد تشغيلي
شهدت الأسابيع الماضية تضاربًا في المواعيد المتداولة بشأن وقف خدمات المراسلة، وهو ما عكس استمرار المفاوضات ومحاولات الوصول إلى ترتيبات انتقالية. لكن أحدث المعطيات تشير إلى أن بنك "ديسكونت" أبلغ البنوك الفلسطينية بوقف الخدمة اعتبارًا من الأول من أيلول/سبتمبر 2026، فيما حدد بنك "هبوعليم" الأول من تشرين الأول/أكتوبر موعدًا لوقف خدماته. وهذا يعني أن القضية لم تعد تحذيرًا سياسيًا عامًا أو احتمالًا بعيدًا، بل خطرًا تشغيليًا له جدول زمني قريب، ما لم تنجح التدخلات الجارية في تأجيله أو إيجاد صيغة بديلة.
السبب المعلن، والسبب الأعمق
تبرر وزارة المالية الإسرائيلية، بحسب البنكين، القرار بـ"بيئة المخاطر العامة" و"دعاوى قضائية خاصة" ضد الكيانات المصرفية. لكن هذا يتقاطع مع سياق أوسع: فوزير المالية الإسرائيلي هدد مرارًا بمنع البنوك من خدمة نظيرتها الفلسطينية كأداة ضغط مباشرة. الأرجح أن القرار يقع في منطقة رمادية: مخاوف قانونية حقيقية، في بيئة سياسية تجعل قرار عدم التجديد أسهل من الاستمرار.
ضربة مزدوجة، لا أزمة منفصلة
الأخطر أن هذا التهديد لا يأتي بمعزل عن احتجاز أموال المقاصة التي تشكل نحو ثلثي الإيرادات العامة منذ أكثر من 15 شهرًا. تزامن قطع المراسلة مع حجب المقاصة يعني ضربة مزدوجة: إحداهما تضرب الإيرادات، والثانية تضرب المدفوعات، يتعرضان لضغط متزامن لأول مرة. وهذا يفسر لماذا حذّر البنك الدولي، منذ أيار 2026، من أن الغموض المحيط بعلاقات المراسلة يمثل "خطرًا نظاميًا قريبًا" — أي أن المؤسسات الدولية عرفت بحجم الخطر منذ الربيع، بينما جاء التصعيد الفعلي بالصيف ليؤكد تحذيرًا سابقًا لا لينذر بخطر جديد كليًا.
وهنا يُطرح سؤال أكثر إحراجًا يستحق أن يُوجَّه مباشرة للمسؤولين: هل كانت هذه المخاطر مجهولة، أم أن المؤشرات كانت متوفرة منذ زمن دون أن تترجم إلى قرار فعلي؟ الإجابة أن المؤشرات كانت قائمة منذ أشهر قبل أن تتحول إلى مواعيد فعلية. وكما في ملف المحروقات، حيث تأخر تفعيل قانون المخزون الاستراتيجي رغم صدوره منذ 2023، يقع ملف المراسلة في نفس الخانة: قد تقول سلطة النقد إنها "لم تكن ساكتة"، وهذا صحيح بالنظر إلى الخيارات المطروحة رسميًا، لكن السؤال العملي الذي يفرض نفسه: أين النتائج الملموسة على الأرض بعد أشهر من معرفة المخاطر؟
ماذا سيحدث فعليًا صباح اليوم التالي؟
من المهم توضيح حجم الأثر بدقة: إذا توقفت خدمات المراسلة بالكامل، فلن تتوقف البنوك الفلسطينية عن العمل فجأة، لكنها ستواجه صعوبات متزايدة في تنفيذ وتسوية جزء من المدفوعات العابرة للحدود، وتمويل بعض الواردات، وتسوية مستحقات الموردين، إلى حين إيجاد ترتيبات بديلة. الخطر إذن ليس إغلاقًا فوريًا للجهاز المصرفي، بل اختناق تدريجي في حركة الأموال يتفاقم كلما طال أمد غياب البديل.
لماذا لا تمثل "الدولرة" حلًا سريعًا؟
يتبادر إلى الذهن حل بديهي: لماذا لا يتحول التعامل إلى الدولار بدل الشيكل؟ لكن سلطة النقد تفكك هذا الطرح بثلاث نقاط: لا يتوافر نقد ورقي دولاري كافٍ لاقتصاد قائم على التعامل النقدي الكثيف؛ المشكلة الحقيقية بالقنوات المصرفية لا بالعملة، فمعظم تدفقات العملات الأجنبية تمر أصلًا عبر نفس البنوك المهددة بالانقطاع؛ والتحول لعملة بديلة دون إصلاح القنوات قد يُفاقم الأزمة. الخلاصة الرسمية: التكامل مع إسرائيل واقع بنيوي قائم، والحل باستعادة القنوات العاملة، لا بتغيير العملة.
ما هي الخيارات الفعلية؟
تصنف سلطة النقد الخيارات ضمن ثلاثة محاور: الأول، الأكثر إلحاحًا قريبًا، المحافظة على العلاقات القائمة عبر تكثيف الحوار مع البنوك الإسرائيلية وتقوية الامتثال. الثاني، متوسط المدى، تنويع القنوات المالية: شبكة بنوك مراسلة دولية أخرى، عملات أجنبية بديلة بالتجارة. الثالث، الأبعد زمنيًا، تطوير البنية التحتية: دفع فوري وتوسع بالمدفوعات الرقمية. الرسالة الرسمية: لا بديل قادر على تعويض فقدان المراسلة كليًا قريبًا، ما يجعل تثبيت العلاقات القائمة الخيار الأكثر واقعية الآن.
بُعد لا يظهر في الأرقام المصرفية
لا تقتصر كلفة هذه الأزمة على المدفوعات والتجارة؛ فتراكم أزمات المقاصة والسيولة والوقود والمراسلة المصرفية يوسّع مساحة عدم اليقين لدى المواطن والقطاع الخاص. ومع كل أزمة تتأخر معالجتها، تصبح قرارات الاستثمار والاستهلاك والعمل والسفر أكثر تحفظًا، وترتفع الكلفة الاجتماعية والنفسية للصمود الاقتصادي. وهذا بُعد ينبغي أن يدخل في حسابات صانع القرار، إلى جانب مؤشرات البنوك والمالية العامة.
خلاصة
إن أخطر ما في أزمة البنوك المراسلة أنها لا تتعلق بمصرف أو تحويل مالي، بل بقدرة الاقتصاد الفلسطيني على الاستمرار في إدارة تجارته ومدفوعاته اليومية. فحين يصبح شريان المدفوعات نفسه مهددًا، تتحول إدارة المخاطر من قضية مصرفية إلى قضية أمن اقتصادي وطني. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار اليوم ليس فقط كيف نؤجل الأزمة، بل كيف نبني منظومة مالية أكثر قدرة على الصمود إذا تكررت غدًا.
بقلم: د. سعيد صبري مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العام