أظافر رشا فتحت جرحا عمره عقد فوْق القرن لم يندمل بعد
بالأمس لفت نظري شكل ولون أظافر ظبية من ظباء فلسطين تُدعى رشا، لم يكن ما شدّني فقط لون وشكل الأظافر، بل السؤال الصغير: هل اللون الذي يغطيها طلاء أضيف إليها، أم أن اللون جزء أصيل من تكوين الظفر الصناعي؟ سؤال بسيط لا يتجاوز مساحة صغيرة من الجسد، لكنه أعادني إلى رحلة مادة كيميائية لم تكن في بدايتها سوى مركب يدرسه العلماء في المختبرات، قبل أن تتحول مع الزمن إلى مادة تدخل في الصناعة، ثم تصبح جزءًا من حسابات الحروب، وتجد طريقها إلى السياسة وصناعة التاريخ.
فالتاريخ يبدأ أحيانًا من تفاصيل صغيرة لا نعطيها اهتمامًا ولا أهمية، ربما من لون على سطح، أو طلاء يصعب إزالته، أو سؤال عابر يدفع الإنسان إلى البحث عن إجابة، ومن بين هذه التفاصيل الصغيرة خرجت قصة الأسيتون، المادة التي يعرفها الناس اليوم باعتبارها جزءًا من عالم التجميل، لكنها تحمل وراء اسمها البسيط رحلة طويلة عبر العلم والحرب والسياسة.
تعيدنا الحكاية إلى فرنسا في عام 1832، زمن كانت فيه الدهانات والطلاءات الجديدة تبحث عن الثبات ومقاومة الزمن، كان الإنسان يريد أن يصنع ألوانًا تبقى، ومواد أكثر قدرة على مواجهة العوامل المحيطة، ويمكن أن نتخيل لحظة صغيرة: طلاء عنيد التصق بسطح ظفر، فتحول السؤال من مجرد إزالة أثر مزعج إلى بحث عن مادة تستطيع أن تفكك هذا الالتصاق وتحل المشكلة.
وفي الحكاية التي يمكن أن تحملها الذاكرة كرمز، يمكن أن نتخيل أن هذا السؤال وصل إلى قصر الملكة ماريا أماليا في فرنسا؛ حيث لم تكن المشكلة في الطلاء ذاته، بل في الأثر الذي تركه، وفي الحاجة إلى مادة تعيد السطح إلى حالته الأولى، لم تكن أماليا عالمة تبحث في المختبر، ولم يكن ظفرها سببًا مباشرًا لاكتشاف الأسيتون، لكنها تمثل في هذه الرحلة اللحظة الإنسانية الأولى التي تطرح السؤال: كيف يستطيع الإنسان أن يسيطر على أثر المادة التي صنعها بيديه؟
لكن خلف هذا السؤال البسيط كان هناك عالم كامل يتشكل؛ فالعلم لا يكشف دائمًا قيمة اكتشافاته في اللحظة التي تولد فيها،بعض المواد تنتظر عقودًا قبل أن يأتي الزمن الذي يمنحها معناها الحقيقي، على عكس الأسيتون الذي ظهر ضمن تطور الكيمياء العضوية في القرن التاسع عشر، وارتبط اكتشافه بأسماء علماء مثل جان بابتيست دوراند ويوستوس فون ليبيغ، وكان حصاد هؤلاء العلماء هو المجد العلمي والمعرفة الجديدة، فقد كان الأسيتون في تلك المرحلة مجرد إضافة إلى عالم الكيمياء، مادة جديدة تضاف إلى قائمة طويلة من الاكتشافات التي كانت توسع فهم الإنسان للطبيعة.
لكن قيمة الأشياء لا تبقى ثابتة عبر الزمن. فقد تحمل مادة صغيرة في داخلها إمكانات لا تظهر إلا عندما تتغير الظروف، وهذا ما حدث مع الأسيتون؛ فقد انتقل من المختبر إلى الصناعة، وأصبح يدخل في مجالات متعددة، خصوصًا باعتباره مذيبًا مهمًا في الصناعات الكيميائية والدهانات، لكنه كان ينتظر لحظة أكبر، لحظة تجعل منه أكثر من مادة صناعية.
وجاءت تلك اللحظة مع الحرب العالمية الأولى. ففي عام 1915 لم تكن مارغوت أسكويث تبحث عن إزالة طلاء أظافر، بل كانت تبحث عن شيء يسهم في حماية بريطانيا من الانهيار، عبر تصنيع مواد قادرة على تمكينها من مواصلة الحرب، مواد تسهم في تذليل العقبات أمام التوسع البريطاني الاستعماري على حساب الإمبراطورية العثمانية، خاصة في الشرق الأوسط، كان المطلوب التمكن من إنتاج الأسيتون بشكل صناعي وكافٍ.
كانت بريطانيا تخوض حربًا لم تعد تعتمد فقط على الجنود والسلاح التقليدي، بل أصبحت تعتمد على المصانع والعلوم والقدرة على إنتاج المواد اللازمة لاستمرار القتال، لقد تحولت الكيمياء إلى جزء من المعركة، وأصبح امتلاك المعرفة الصناعية عنصرًا من عناصر القوة العسكرية.
في تلك المرحلة واجهت بريطانيا مشكلة حقيقية تتعلق بتوفير كميات كافية من الأسيتون، الذي كان يدخل في إنتاج الكورديت، المادة الدافعة المستخدمة في الذخائر، ومع اتساع الحرب، لم تعد القضية مجرد مسألة صناعية، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على تلبية حاجاتها العسكرية.
هنا ظهر اسم حاييم وايزمان،كان وايزمان عالم كيمياء بريطانيًا يهوديًا صهيونيًا من أصول روسية، لكنه لم يكن عالمًا يعيش داخل حدود المختبر فقط، فقد كان يحمل في الوقت نفسه مشروعًا سياسيًا، وكان منخرطًا في الحركة الصهيونية التي كانت تبحث عن اعتراف دولي بالمشروع القومي اليهودي، وقد ساهم تطويره لطريقة إنتاج الأسيتون بالتخمير الصناعي في مساعدة بريطانيا على مواجهة مشكلة مهمة في زمن الحرب.
الأسيتون لم يكن وحده من صنع انتصار بريطانيا أو غيّر نتيجة الحرب، فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن يُختصر في مادة واحدة أو شخص واحد، لكن أهمية هذه المساهمة كانت في أنها وضعت وايزمان في موقع جديد؛ فقد أصبح العالم الذي قدم حلًا لمشكلة بريطانية في زمن الحرب شخصية تحظى باهتمام أكبر داخل دوائر النفوذ.
ففي لحظات الأزمات الكبرى، لا تبقى المعرفة حبيسة المختبر، أحيانًا يصبح العالم الذي يقدم خدمة استراتيجية قريبًا من مراكز القرار، وتتحول قدرته العلمية إلى باب يدخل منه إلى عالم السياسة، وهنا تبدأ المرحلة الأكثر إثارة في قصة وايزمان، فلم يكن وصوله إلى دوائر القرار البريطاني وليد عام 1915 فقط، بل كان نتيجة سنوات طويلة من العمل السياسي وبناء العلاقات. فقد ولد عام 1874 في الإمبراطورية الروسية، ودرس في أوروبا، ثم انتقل إلى بريطانيا عام 1904، وهناك جمع بين مسارين: مسار العالم الكيميائي ومسار الناشط السياسي.
كان وايزمان يرى أن اللحظات التاريخية الكبرى لا تتكرر كثيرًا، وأن الحرب العالمية الأولى قد تفتح نافذة سياسية يمكن من خلالها الحصول على دعم بريطاني للمشروع الصهيوني، وفي الوقت نفسه كانت بريطانيا تعيش لحظة إعادة ترتيب كبرى للعالم؛ فالإمبراطورية العثمانية كانت في مواجهة بريطانيا، والشرق الأوسط أصبح جزءًا من الحسابات السياسية والاستراتيجية للقوى الكبرى.
في تلك اللحظة التقت مسارات لم يكن يبدو في البداية أنها ستلتقي؛ فالحرب كانت تحتاج إلى العلم، والعلم منح وايزمان مكانة جديدة، والسياسة فتحت الباب أمام شخصيات استطاعت أن تربط بين المعرفة والمشروع السياسي، وفي هذا التقاطع بين الحرب والعلم والسياسة وجد وايزمان نفسه في موقع مختلف؛ فلم يعد مجرد كيميائي يبحث في خصائص المواد، بل أصبح رجلًا يجمع بين المختبر والدبلوماسية، وبين المعرفة والعمل السياسي.
وهنا ظهر اسم آرثر بلفور، أحد أبرز الشخصيات البريطانية في تلك المرحلة، فقد كانت بريطانيا تبحث عن تثبيت مصالحها في عالم يتغير بسرعة، وكانت القرارات التي تُتخذ خلال الحرب تحمل آثارًا ستتجاوز زمن الحرب نفسها، وفي الثاني من نوفمبر عام 1917 صدر إعلان بلفور، الرسالة التي بعث بها وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى اللورد والتر روتشيلد ، والتي أعلنت فيها الحكومة البريطانية دعمها لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
لكن هذا الإعلان لم يكن لحظة منفصلة عن سياقها، بل جاء بعد سنوات من الاتصالات السياسية والنقاشات والمصالح المتشابكة، وكان وايزمان أحد أبرز الشخصيات التي عملت على إيصال المشروع الصهيوني إلى دوائر القرار البريطاني، مستفيدًا من مكانته العلمية والسياسية التي بناها خلال السنوات السابقة.
وتوجد روايات متعددة حول تفاصيل العلاقة بين وايزمان وبلفور وروتشيلد، وحول كيفية انتقال الرسالة ومن لعب الدور المباشر في تلك اللحظة، لكن المؤكد أن وايزمان كان أحد أهم الوجوه المرتبطة بالجهود السياسية التي سبقت الإعلان، وأن اسمه أصبح مرتبطًا بتلك المرحلة المفصلية.
ومن هنا تبدأ المفارقة الكبرى في القصة، فالرجل الذي بدأ حياته في عالم الكيمياء، يبحث في خصائص المواد وتفاعلاتها، أصبح لاحقًا شخصية سياسية ترتبط بقرار ترك آثارًا عميقة في تاريخ فلسطين والمنطقة. فالمادة الصغيرة التي خرجت من المختبر لم تبقَ مادة كيميائية فقط، بل أصبحت جزءًا من رحلة إنسانية وسياسية طويلة.
لم يتوقف مسار وايزمان عند إعلان بلفور، فقد أصبح رئيسًا للمنظمة الصهيونية العالمية، واستمر في العمل السياسي والدبلوماسي، حتى قيام إسرائيل عام 1948، ثم أصبح عام 1949 أول رئيس لها، وهكذا تكتمل الدائرة: من ظفر رشا في فلسطين، إلى الطلاء القديم على أظافر الملكة في فرنسا، إلى المختبرات الأوروبية، إلى مصانع الحرب العالمية الأولى، إلى مكاتب السياسيين في بريطانيا، ثم إلى واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في تاريخ الشرق الأوسط.
أما السؤال الأهم فهو: أما آن لهذا الجرح أن يندمل؟ إنه جرح عمره أكثر من قرن، جرح شاركت في صناعته رموز كثيرة؛ أماليا التي بدأت معها حكاية المادة والسؤال الأول حول الطلاء، ومارغوت التي وقفت في قلب زمن الحرب البريطانية، ثم انتقلت القصة من المختبر إلى السياسة، ومن السياسة إلى بلفور، ومن بلفور إلى مسار طويل ترك آثاره في فلسطين والمنطقة، مارغوت صنعت الكيان عبر شرعنة بلفورله، وأماليا حمته عبر مفاعل ديمونا.