هندسة النظام الفلسطيني والمشروع الوطني
حوارات جادّة، داخل فلسطين وخارجها، تدور حول انتخابات الرئاسة الفلسطينية، وانتخابات المجلسَين التشريعي والوطني، تقودها شخصيات وطنية، وتشارك فيها حراكات شعبية ومنظّمات حقوقية، ومنظّمات أخرى تمثّل المجتمع المدني، ولا يغيب عنها ممثّلون لفصائل وتيّارات سياسية.
كما تكثر حولها التعليقات، وتُنَظَّم الندوات في منصّات التواصل الاجتماعي وعبر الفضاء الإلكتروني. ويلاحَظ في هذا الجدل الدائر أنّ ثمّة اتّفاقاً بين أطراف هذا الطيف، على اتساعه، على أنّ ما يجري هو محاولة لفرض نظام سياسي جديد يتناغم مع شروط الاحتلال والاتّفاقات المبرمة معه، ويُقصي المعارضين، ويمنع مشاركتهم في العملية السياسية، إذ يضع شرطاً للترشّح هو الموافقة على البرنامج السياسي للقيادة المهيمنة والتزاماتها، لإجهاض أيّ محاولة للتغيير في بنية السلطة الفلسطينية ومؤسّساتها أو لاسترداد منظّمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها على أسس وطنية وديمقراطية تحافظ على تنوّعها وتعدّديتها، وتمثّل الفلسطينيين كلّهم على اختلاف أماكنهم ومشاربهم.
خلل منهجي وسياسي عدّ صندوق الانتخابات أداةً رئيسةً لتغيير الواقع الفلسطيني، متجاهلاً الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية والتزاماتها، ووجود الاحتلال، وواقع الحركة الوطنية الفلسطينية.
وتساور هذا المجموع مخاوف عدّة من إلغاء الانتخابات بذرائع واهية، كما حدث في عام 2021، أو الانقلاب على نتائجها، كما حدث بعد الانتخابات التشريعية عام 2006 التي فازت فيها حركة حماس، وأدّت لاحقاً إلى الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي أو التحكّم بنتائجها، الذي لن يكون عبر التلاعب بصناديق الاقتراع فحسب، وإنّما يبدأ بالمراسيم المتعلّقة بانعقادها، واللجان المشرفة عليها، وتعيين أعضاء المجلس الوطني في الداخل والخارج بذرائع المحاصصة والتوافق وتمثيل الفصائل، وعدم القدرة على إجراء الانتخابات أو تجهيز سجلّات الناخبين والتلاعب بها أو تخفيض نسبة الحسم إلى 1% على نحوٍ يفتح المجال لتشكيل قوائم عشائرية وجهوية يمكن احتواؤها لاحقاً. ويشير بعض المحلّلين إلى أنّه، وفقاً للمراسيم الصادرة، فإنّ نسبة 62% من المقاعد قد حُسمت مقدّماً، عبر التوافق في اللجنة التنفيذية لمنظّمة التحرير على تعيين 68 عضواً في المجلس الوطني من الضفّة وغزّة، بعد الرضوخ للاعتراض الإسرائيلي–الأميركي على انتخاب 200 عضو للمجلس التشريعي في الضفّة وغزّة، لمخالفته للاتّفاقات المبرمة لتشكيل المجلس التشريعي، وعدم الاعتراف بانتخابات المجلس الوطني التي خلا المرسوم الرئاسي الصادر أخيراً من أيّ إشارة إليها، وتعيين 150 عضواً من الخارج، سيُعيّن معظمهم بعد أن تشكّلت اللجان المُشرِفة على هذه الانتخابات من اتجاه واحد، وضمن الشروط الإقصائية التي تكفل إقصاء المعارضين، وبدعوى عدم التمكّن من إنجاز السجل الانتخابي أو اقتصاره على فئة محدودة تُختار بعناية، تتيح للسلطة ادّعاء إجراء انتخابات ديمقراطية في الخارج، مع الإشارة إلى أنّ الترتيبات كافّة، بما في ذلك التعيين، تتجاهل الإشارة إلى تمثيل أكبر تجمّعَين للمواطنين من أصل فلسطيني، سواء في الأردن أو في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948، وهي خطوة أخرى جديدة على صعيد تصفية منظّمة التحرير وتمثيلها للكلّ الفلسطيني.
على الرغم من الاتفاق على توصيف هذه الانتخابات بأنّها تشكيل لنظام سياسي فلسطيني جديد، ثمّة خلل منهجي وسياسي وقع فيه طيف من الناشطين السياسيين والمحلّلين وبعض أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية من فصائل وحراكات مُعارِضة للسلطة الفلسطينية، حين عدّ صندوق الانتخابات أداةً رئيسةً لتغيير الواقع الفلسطيني، متجاهلاً الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية والتزاماتها، ووجود الاحتلال، وتداعيات حرب الإبادة الجماعية، وواقع الحركة الوطنية الفلسطينية، والشروط الإقصائية للانتخابات، وإمكانات التلاعب بها، والانقلاب على نتائجها إن دعت الحاجة، سواء كان ذلك من السلطة الفلسطينية التي حلّت المجلس التشريعي السابق أم من سلطات الاحتلال التي اعتقلت أعضاءه. الإشكالية القائمة هنا هي في بيع الوهم للجمهور بأنّ صندوق الاقتراع هو أداة التغيير في مرحلة التحرّر من الاحتلال، بل في ادّعاء بعض الأطراف التي تستند إلى الشعور العام بتراجع تأييد السلطة بأنّها قادرة على الفوز في الانتخابات، ومن ثمّ تغيير الشروط الإقصائية من داخل المجلس التشريعي، وهو مبرّرها للمشاركة في الانتخابات، بعد الرفض المتوقّع لتغيير هذه الشروط، سواء من السلطة أو من المحاكم المتخصّصة. وهذا وهم جديد يُسوَّق للجمهور.
الانتخابات، حيثما كانت، هي عملية سياسية تستغلّها الفصائل والقوى للدعاية والحشد والتحريض، وكسب أنصار جُدد، سواء كان ذلك عبر المشاركة بها أو عبر مقاطعتها. ويستطيع كاتب هذه السطور أن يتفهّم دوافع من يعارضها للأسباب التي ذُكرت، أو وجه المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي (لسلطة الحكم الذاتي المحدود) بأنّه يهدف إلى تشكيل كتلة معارضة أو لفرض رقابة على الفساد أو تقديم خدمات بلدية لناخبيه، والاهتمام بتحسين ظروفهم المعيشية والصحّية والتعليمية، بما في ذلك مقاومة الاستيطان والتهويد والمحافظة على الهُويّة القومية، أمّا الادعاء بأنّ انتخابات "التشريعي" هدفها استرداد السلطة أو القدرة على تغيير وظيفتها ودورها، فهذا يتنافى مع وجود السلطة ذاتها ووظيفتها، ودورها السياسي المفترض أن يعود إلى منظّمة التحرير الفلسطينية.
ينبغي العمل لإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني بالتمييز بينه وبين البرامج والأدوات والحلول التي حلّت محلّه.
مسألة أخرى ينبغي الانتباه إليها، وهي التمييز بين انتخابات "التشريعي" بوصفه إطاراً تشريعياً للسلطة الفلسطينية ضمن دورها الوظيفي، وما يجري من سعي إلى إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني المُغيَّب، وهو ما يجب رفضه كلّياً، والتصدّي له، ورفض الاعتراف بشرعيته، والعمل بالطرائق كلّها لمواجهته، من خلال حراك جماهيري واسع لنزع الشرعية واستعادة التمثيل الفلسطيني عبر إعادة بناء منظّمة التحرير على أسس وطنية وديمقراطية يشارك فيها الشعب الفلسطيني وقواه الحيّة في أماكن وجوده كلّها، إذ باتت مسألة الشرعية والتمثيل الفلسطيني مسألةً ملحّةً، في مواجهة مشروع القيادة الرسمية لفرض نظام سياسي فلسطيني جديد، عبر مراسيم الرئيس محمود عبّاس وتعهداته. وهو مشروع يسير بخطىً سريعةٍ من الانتخابات البلدية إلى تعديل المناهج، ومن تحويل ملفّ الأسرى والشهداء حالاتٍ اجتماعيةً إلى مؤتمر حركة فتح... إلى الهيمنة على منظّمة التحرير وإبقائها في ثلّاجة الموتى.
وهنا، ينبغي العمل لإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، بوصفه مشروعاً ثابتاً يتعلّق بالحقوق الثابتة، وبالسردية التاريخية لشعبنا، وبالتمييز بينه وبين البرامج والأدوات والحلول التي حلّت محلّه وتسمّت به، وتجديد الحركة الوطنية الفلسطينية ومراجعة تجربتها، وصولاً إلى إعادة بنائها، بوصفها خطوةً ضروريةً لإعادة بناء منظّمة التحرير الفلسطينية، ويرتبط هذا كلّه بصمود شعبنا على أرضه، ودعم هذا الصمود، واستمرار المقاومة بأشكالها الممكنة، وتعزيز الحراك الشعبي في الخارج، وتحويله إلى بنيان مؤسّسي يسهم في تغيير السياسات العربية والدولية ضدّ الكيان الصهيوني، بعدّه يمثّل دولة أبارتهايد قائمة على الاحتلال والإحلال والاستبدال والتهجير والإبادة الجماعية. من هنا ينطلق مشروع التحرير واسترداد التمثيل، وبناء منظّمة التحرير والحركة الوطنية الفلسطينية.