رائحة الخلافات وزهرة الخزامى!

2026-08-06 12:26:53

الرائحة المنتشرة هذه الأيام هي الرائحة الكريهة تلك المنبعثة من الخلافات الفلسطينية الداخلية ورغم عمقها وقِدَمها فإنها وفي ظل استمرار العدوان الصهيوني المثابر! ومع أول انتخابات وطنية بعد العام 2006 م وما تلاها من انقلاب أسود على غزة عام 2007 بدأت تتخذ أصنافًا متعددة وأشكالًا تعبر عن سوء فهم إدارة الاختلاف وفن الحوار وممارسة الديمقراطية (أو الشوروية) ليس كصندوق وإنما كثقافة تبدأ من البيت فالمدرسة والجامعة والتنظيم والدولة في إطار الالتزام والاحترام الواجب.

خلافات داخل المجتمع وخلافات بين الفصائل وخلافات بين العشائر وخلافات بين أصحاب المصالح وخلافات بين الحكومة ومطالب الناس وخلافات الآراء وتعددها وخلافات داخل الفصيل الواحد حتى لا تجد فصيلًا أو منظمة بمنأى عن الخلافات لاسيما على وقع هدير الانتخابات التي تجرى بوقت عصيب وضمن انحشار سياسي لم يسبق له مثيل واستعصاء فصائلي وتجاذبات مقلقة.

دعني أقصر الحديث هنا عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" التي تتعرض بمن فيها من عظماء التاريخ وذوي الأيادي البيضاء الكُثُر، وأولئك الأراذل وذوي الأيادي السوداء الى هجمة واحدة موحدة على حد سواء لا تترك أحدًا إلا وتشوّهه ولا تترك نظيفًا إلا وتلطّخه بالسواد كراهية بالحركة من جهة وبالوطنية الفلسطينية من جهة أخرى وحسدًا على قدرة هذه الحركة بالديمومة رغم خلافاتها منذ النشأة (عام 1957م) حتى اليوم.

إن الخلاف والاختلاف وضع طبيعي وسنّة الدنيا منذ الخليقة ولذلك كان القول الحق (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس 7-8) ولذلك كان (قدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس 9-10). ولذلك كان ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود 118-119).
جدل الاختلاف في فتح

ورغم الفروقات التي قد يثيرها البعض بين مصطلح الخلاف والاختلاف، فإننا نرى في ظل الطبيعة الانسانية والفكرة الشوروية (الديمقراطية) ومبدأ الحوار والالتزام أن إدارة الاختلافات بمنطق معالجتها، يعني الإقرار بوجودها وعدم التذمر من ذلك بل الاعتراف بها وليس تجاهلها. فاختلاف الطبائع والأفكار مدخل للاختلاف واضح، كما الحال مع المبادئ مقابل المصالح، والنظرية مقابل التطبيق والعقل الواعي مقابل العقل الجاهل أو العاقل مقابل الأحمق. وفي ظل وجود العقل النقدي المسموم مقابل ذلك النقدي البنائي والابداعي، والى ما قد يتبدى من نفسيّات تستقبل وتحتضن وتتفهّم مقابل تلك المريضة التي تقطب الجبين وتُبعد وتنفي ما نجده عند أصحاب الأفكار العقيمة عن الفهم لاختلاف الآخر وذات الفكر الاقصائي الاستبعادي سواء بغلاف ديني (من أي دين) أو قومي عنصري أو ثقافي عنصري، أومصلحي رأسمالي يهين الطبقات.

داخل حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح هذه الأيام أينما تجلس أو حتى تقف مُطلًا من البعيد تجد حلقات مسمومة صغيرة نعم ولكنها تكبُر شيئًا فشيئًا بفضل مجموعات (واتساب) وبفضل الخوارزميات، وبفضل شخصيات "الرباعي المظلم" التي سبق وكتبنا عنها حسب مصطلح العالم الكندي البرفسور"ديلروي بولهوس.

إن انتشار السموم في المجتمع والى ما سبق أسباب داخلية تتمثل بطريقة تعامل "القيادة" الرسمية مع المعطيات ومع المتغيرات وطريقة تفكيرها وتفهمها واحتضانها أو إبعادها للآخر مما نراه جليًا بشخصيات أدمنت الكرسي حتى لا تستطيع أن تفارقه فتأخذه معها الى البيت! ولربما تشتري كرسي قابل للطّي لتحمله أنّى شاءت حتى بالطيارة ومثبت عليه علبة معطّر للجو تطلق رائحتها كلما جلس على الكرسي صاحب المعالي أو العطوفة أو السيادة أو الفخامة، ولا أي من هذه الصفات ذو حقيقة في ظل احتلال يضرب أقفية الجميع ويتحكم بكل مفاصل الحياة.
شعرة الحركة

يقولون لك أن حركة فتح ستحمل خمسة صلبان معًا! وليس في ذلك إلا هرطقة، فكيف يكون الجسد الواحد مصلوبًا على أعمدة خمسة وهذه معادلة تحتاج لفكفكتها الى حكيم ملازم للحكمة لا يخرج عنها لمصلحة زوجته أو أخته أو ابنته أو ابنه أو عمّه، فعندما تكون فلسطين هي البوصلة وهي مفتاح العمل والعطاء فإن الالتفاف حول الراية يصبح مفهومًا ولا يُقبَل من الفلسطيني الحرّ أن يلتف حول أي من الصلبان والمهرطقين لأن الأصل في أي فصيل ومنهم حركة فتح هو تحرير فلسطين وخدمة شعبها البطل فكلهم زائلون وهي باقية الى الأبد.

تطوف الروائح  الكريهة أرجاء البلاد بين ما يصفونه تيار الرئيس محمود عباس وتيار مروان البرغوثي  وتيار محمد دحلان وتيار ناصر القدوة، وتيار (س) في اللجنة المركزية الحالية وتيار (ص) فيها، بل وبين تيار المهمشين وتيار الساقطين (بالانتخابات المختلفة) وأولئك الحردانين ومثلهم المتوقفين عند مرحلة في النضال لا يحيدون عنها، "وفي كل خير" إن اتفقوا ولو على الحد الأدنى!

يُروى أن أعرابيًّا سأل الخليفة معاوية بن أبي سفيان: كيف حكمت الشام عشرين عامًا أميرًا، ثم حكمت بلاد المسلمين عشرين عامًا أخرى خليفةً للمسلمين؟ فقال معاوية: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حين يكفيني لساني، ولو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا مدوها أرخيتها وإذا أرخوها مددتها. وفي حركة "فتح" يمثل قانون المحبة المرتبط بالحوار والالتزام والشراكة المثيل للشعرة.

إن إدارة الاختلافات تحتاج لحكيم يفهم معنى الشعرة فلا يستبد ولا يتبجّح ولايستبعد ولا يُقصي وهو بأشد الحاجة للمختلفين معه ليكونوا مؤتلفين نحو فلسطين.

اتفق مع الكاتب سعيد حامد حين قال "القائد الناجح لا يخشى النقد، بل يراه مرآة لتطوير الذات والارتقاء بالأداء، ومع فريق يمتلك الجرأة على تصويب الأخطاء واقتراح البدائل، يتحقق التوازن بين الطموح والواقعية، وبين القيادة الملهمة والقرارات الحكيمة".

إن النحل لا ينجذب للروائح الكريهة قط لأنها تخالف طبيعته ، إذ أنه ينجذب فقط للأزهار الفوّاحة مثل زهرة لسان الثور وزهرة الخزامى (لافندر) لأنها تحوي غذاءه، بينما على المقلب الآخر فإن الذباب ينجذب للروائح الكريهة ولربما من هنا جاءت تسمية الذباب الرقمي (الالكتروني)! 

إننا في حركة فتح وبالحركة الوطنية عامة يجب أن نقتدي بالنحل ونحن بأشد الحاجة لمؤتمر عام وليس للقاء واحد أو اجتماع عابر وذلك من أجل إزالة الرواسب والخلافات أو فكفكتها أو دراستها وإدارتها على الأقل، ولنستبدل الروائح الكريهة بروائح زكية. ولا إزالة للرواسب الكريهة بدون قواعد أربعة رئيسية: أولاها الاعتراف بالأخطاء وثانيها تقبل النقد وثالثها احترام الآخر والاعتراف به ورابعها الشراكة بالقرار بلا استبداد أو مصلحية طاغية وافتراض النقاء أو الحق المطلق وإلا فنحن أمام معركة على جثة حركة "فتح" والحركة الوطنية عامة.