قراءة في اقتصاد الحرب والتحوّل القسري للدفع الإلكتروني

2026-08-07 22:22:06

الأبعاد الاجتماعية والتربوية لغياب النقد في قطاع غزة (1-2)

يشهد العالم تحولاً جذرياً نحو الرقمنة المالية، في ضوء التقدم الهائل والمتسارع في التكنولوجيا واستخداماتها الاقتصادية والمالية (FinTech)، وأصبحت المدفوعات الإلكترونية تشكل النسبة الأكبر من المعاملات اليومية في معظم الدول المتقدمة، وحتى في الدول النامية الصاعدة، بل تزداد بمعدلات غير مسبوقة يومياً مع انتشار المحافظ الإلكترونية، وإمكانيات الدفع باستخدام الجوال بضغطة زر.
أصبح الاعتقاد راسخاً لدى كثيرين بأن النقد الورقي أصبح من بقايا الماضي، وأن اختفاءه الكامل وخروجه من منظومة الدفع ليس سوى مسألة وقت، لكن ما حدث بعد ذلك كان مخالفاً لهذا الاعتقاد، فمع استمرار التوسّع في استخدام أدوات الدفع الإلكترونية، بدأت الحكومات والبنوك المركزية في الدول الأكثر تقدماً في مجال الدفع الإلكتروني تتحدث بلغة مختلفة.
فلم يعد السؤال كيف نتخلص من النقد؟ بل أصبح كيف نحافظ عليه ضمن منظومة دفع أكثر مرونة؟.
ورغم الحديث المتكرر عما يعرف اصطلاحاً بـ "المجتمع غير النقدي Cashless Society"، إلا أنه حتى الآن لا توجد دولة في العالم ألغت النقد الورقي بالكامل، حتى أكثر الدول رقمنة لا تزال تطبع أوراقاً نقدية، وجميع البنوك المركزية تقريباً تعتبر النقد خدمة عامة ووظيفة اقتصادية واجتماعية تؤديها لشعوبها وبلدانها، وليست مجرد وسيلة دفع، وبالتالي ينبغي التفريق بين مصطلحين: الأول تقليل استخدامات الكاش (Cashless)، أي أن معظم المدفوعات تتم إلكترونياً، والثاني إلغاء الكاش (Cash - free).
فالدول المتقدمة وصلت إلى الحالة الأولى، لكن لم تصل أي دولة إلى الحالة الثانية. وهذا يطرح تساؤلاً مهماً لماذا ؟ لماذا لم تصل أي دولة حالياً إلى إلغاء النقد كلياً طالما أنها وصلت لمراحل متقدمة جداً في رقمنة الاقتصاد بشكلٍ عام.
الجواب عن هذا السؤال يكمن في أنّ للنقد خصائص ووظائف وأبعاداً لا تستطيع التكنولوجيا تعويضها بالكامل إطلاقاً.
وفي هذا المقال سنركز على أحد هذه الأبعاد والخصائص ألا وهو البعد الاجتماعي والتربوي في ضوء تجربة أزمة السيولة النقدية ونقصان الكاش في قطاع غزة، منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية في تشرين الأول/أكتوبر 2023، كوسيلة ضغط استخدمها الاحتلال لإحداث فراغ نقدي يعطل معيشة السكان ومعاملاتهم الحياتية اليومية، ما اضطر السكان إلى التحوّل القسري والمفاجئ للاعتماد شبه الكامل على أنظمة وأدوات الدفع الإلكتروني، والتي لم تكن بنيتها التحتية مستكملة أساساً في العام الأول من الحرب، إلى جانب تدمير البنية التحتية الأساسية اللازمة طبعاً لإتمام المدفوعات الإلكترونية مثل شبكات الكهرباء والإنترنت، بالإضافة إلى عدم السماح بإدخال أجهزة الجوال الضرورية لاستخدامات التحويل والدفع الإلكتروني.
لقد انعكست أزمة فقدان الكاش وما ارتبط بها من صعوبات وأزمات وتحوّل قسري نحو الاعتماد على منظومة الدفع الإلكتروني بشكل واضح على فئات اجتماعية هشة أهمها الأطفال وكبار السن والمعاقين، حيث فقد الأطفال حقهم في الحصول على النقد كمصروف وقدرة على الشراء المباشر، بينما عانت فئة كبار السن من عدم معرفتها وخوفها المبرر من استخدام الهاتف المحمول في عملية الدفع خشية ارتكاب خطأ ما يؤدي إلى فقدانها أرصدتها المحدودة في البنوك والمحافظ الإلكترونية، أو سرقة حساباتها كما حدث في العديد من الحالات خلال فترة الحرب، كما واجه بعض فئات ذوي الإعاقة صعوبات في قدرتها على استخدام منظومة الدفع الإلكتروني، في ضوء فقدان الكاش، وأصبحت بحاجة إلى وسيط أو شخص آخر تثق فيه لإتمام معاملاتها اليومية في الشراء.
إن التركيز في هذا المقال على ما تعانيه هذه الفئات الهشة بسبب فقدان الكاش يأتي في سياق هدفين: الأول هو إلقاء الضوء بشكلٍ عام على الأبعاد الاجتماعية والتربوية لاختفاء الكاش وما سيترتب عليه في حالة سيناريو إلغاء النقد الورقي من قبل بعض الدول، وتحوّلها نحو الاعتماد على الرقمنة في الدفع، وما يفرضه من ضرورة إجراء المزيد من التحليل والدراسة العميقة لجميع الأبعاد قبل اتخاذ هذه الخطوة من قبل بعض البنوك المركزية والسلطات النقدية في الدول. والثاني: هو إظهار جانب من جوانب المعاناة والحرمان والعقاب الجماعي لأزمة السيولة النقدية واختفاء الكاش لدى فئات كبيرة من السكان في قطاع غزة.
إن النقود ليست مجرد وسيلة للتبادل، بل تمثل أداة اجتماعية وتربوية تساهم في بناء الوعي المالي منذ الطفولة، وبالتالي لا ينبغي تجريدها من معانيها ووظائفها التربوية والاجتماعية، فكيف للطفل أن يدرك قيم الأشياء إن لم يكن له احتكاك مباشر باستخدام فئات العملة وإدراك الفوارق بينها؟
فالنقود هي معيار واضح للإدراك الحسي ووسيلة تعليمية لتحديد قيم الأشياء بالنسبة للطفل، فعندما يمسك بيده إحدى الفئات المعدنية للشيكل مثلاً (شيكل واحد أو خمسة شواكل)، أو إحدى الفئات الورقية (كفئة العشرين شيكلاً) في أحد الأعياد، أو هدية في إحدى المناسبات، فهذا في الحقيقة ليس مجرد مشاهدة مادية للنقود فقط، بل يبدأ عقل الطفل في بناء تصور معرفي وذهني حول ما تعنيه له من حيث قيمتها ووظيفتها الاقتصادية، من خلال خبرته المباشرة في لمس النقود بيده، وبدء عدها، والمقارنة بين فئاتها المعدنية والورقية، والتمييز بينها من ألوانها وأحجامها.
وبالتالي يبدأ التفكير في العقل الباطني للطفل ماذا سيشتري، وكيف يتصرف، وكم سيدخر ....الخ، إلى جانب شعوره بالفرحة وتأثيرها على التركيب السيكولوجي والذهني لشخصيته.
كل هذه القضايا لم تستطع أو من المشكوك فيه أن تحققها المدفوعات الإلكترونية، على الأقل في ضوء تجربة قطاع غزة خلال الحرب، وبالتالي تظهر في الأفق مشكلة تربوية حقيقية خاصة في بيئة لم يشهد العالم قسوة العيش فيها كبيئة قطاع غزة.
من جانبٍ آخر، النقود تعتبر وسيلة لإكساب الطفل معاني الاستقلالية في اتخاذ القرار الاقتصادي، فعندما تعطي الطفل مصروفه اليومي نقداً، فأنت تمنحه صلاحيات اتخاذ القرار في كيفية التصرف بهذا المصروف، وتكسبه القدرة على الاختيار عند ذهابه "لدكان الحارة" ليشتري ما يريد، وتكسبه معاني أهمية الادّخار عندما يقوم بادّخار جزء من مصروفه، وبالتالي كيف يمكن للطفل إدراك هذه المعاني عندما تختفي النقود، ويكون الاعتماد شبه كلي على المدفوعات الإلكترونية؟ خاصة في بيئة الأطفال في قطاع غزة تحديداً، وهي بيئة تعاني من جميع أشكال الحرمان والقسوة، وبالتالي فإن اختفاء النقود وفقدان القدرة على منح الأهالي مصروفاً نقدياً لأطفالهم، أو "عيدية"، أو هدية نقدية في نجاحهم المدرسي مثلاً، إنما يمثل أداة ووسيلة حرمان جديدة تضاف لقسوة الحياة ومعاني الحرمان التي يعيشها أطفال غزة.
إن هذه المخاطر والقضايا التي يبدو أن السلطات النقدية في الدول لم تهتم بها كثيراً، دفعت المنظمات الدولية خلال العامين الأخيرين، وعلى رأسها اليونيسف ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، للتحذير من أن البيئة المالية الرقمية تغير طريقة تعلم الأطفال للمال، وأن الأطفال يواجهون مخاطر خاصة في عالم المدفوعات الرقمية.
كما تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن وسائل الدفع الرقمية قد تجعل المال أقل "واقعية" بالنسبة للأطفال، وأن سهولة الشراء الفوري والشراء داخل التطبيقات قد تجعلهم أقل إدراكاً أنهم ينفقون أموالاً حقيقية، وهو ما قد يضعف ضبط الإنفاق ويزيد الاندفاع في الشراء.
وهذه تعتبر مشكلة تربوية أخرى، فلو افترضنا جدلاً قدرة الطفل على استخدام التطبيقات البنكية أو التحويل من المحافظ، فستظهر مشكلة تربوية وذهنية أخرى في القدرة على ضبط الإنفاق، ففي تجربة قطاع غزة خلال فترة الحرب كثير من الأطفال عندما يستمعون إلى حوار الأهالي والباعة في مسألة الشراء والتحويل الإلكتروني يعتقدون أن الأموال متوفرة دائماً ومجاناً، ودون حدود في التطبيقات البنكية، ويجول في خاطرهم أنه بإمكانهم الشراء وتلبية رغباتهم غير المحدودة كيفما شاؤوا ووقت ما يشاؤون بمجرد أخذ الهاتف المحمول لوالده أو والدته والذهاب للشراء، وكأن الهاتف جهاز سحري يولد النقود دون قيود وفق ذهنية واعتقاد الطفل.
وهذا يعني عدم القدرة على ضبط السلوك الإنفاقي للأطفال، نظراً للحالة الذهنية والنفسية التي يحدثها الدفع الإلكتروني - حتى للشخص البالغ أحياناً - في تشجيعه للشراء وسهولة إتمام الدفع، بخلاف الدفع النقدي الذي يشعر فيه بالإحساس الفوري لمعاني التضحية المادية، والنقصان الفعلي للأموال بشكل مباشر، ما يكسبه توجهات نفسية وذهنية لكبح اندفاعه للشراء، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق لديه في ضوء محدودية دخله.
ولو تأملنا في كيفية التربية الاقتصادية للأطفال فإن أول درس اقتصادي يتعلمه الطفل عندما يعطيه والده مثلاً خمسة شواكل ثم يقول له اذهب واشترِ ما تحب، فإن الطفل عملياً يبدأ بالمقارنة مثلاً ثمن علبة العصير بشيكلين، وقطعة الشيكولاتة بثلاثة، وهكذا. فالطفل هنا يتعلم لأول مرة معاني القيمة الشرائية، وإدارة مصروفه، ويبدأ باكتساب مفاهيم اقتصادية سيكولوجية مثل: ندرة الأشياء، والقدرة على الاختيار، وتكلفة الفرصة البديلة للأشياء، ومعاني الادخار، ومسألة الباقي (الفكة)، وهي مفاهيم أساسية في علم الاقتصاد.