في غزة .. من انتصر  ومن خسر؟

2026-08-10 17:01:22

لا يمكن تحديد المنتصر في حروب التحرر والصراعات غير المتكافئة بالاعتماد على النتائج العسكرية وحدها، إذ إن مفهوم النصر في هذا النوع من الحروب يتجاوز السيطرة الميدانية وإلحاق الخسائر بالخصم ليشمل أيضاً تحقيق الأهداف السياسية، والحفاظ على الإرادة القتالية، وكسب الشرعية، والقدرة على فرض الرواية التي تحدد فهم المجتمع الدولي للصراع.

ومن هذا المنطلق، فإن تقييم نتائج حرب غزة يتطلب مقاربتها من خلال عدد من النظريات الاستراتيجية التي تناولت طبيعة الحرب والصراعات طويلة الأمد، ومنها أفكار المؤرخ العسكري البروسي "كارل فون كلاوزفيتز"، و الجنرال الفرنسي "أندريه بوفر"، وقائد الثورة الشعبية في الصين "ماو تسي تونغ"، والمفكر الإيطالي "أنطونيو غرامشي"، حيث يُقدّم كل منهم زاوية مختلفة لفهم مفهوم النصر والهزيمة.

ينظر "كلاوزفيتز" للحرب باعتبارها صراع إرادات، ووفقاً لهذه الرؤية حققت إسرائيل تفوقاً عسكرياً واضحاً بسيطرتها على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة وألحقت خسائر إنسانية كبيرة بالفلسطينيين، لكنها لم تتمكن من تحويل هذا التفوق إلى نصر استراتيجي كامل، إذ لم تحقق جميع أهدافها المعلنة ولم تتمكن من إنهاء وجود حركة حماس أو فرض ترتيبات سياسية نهائية. ومن منظور "أندريه بوفر"، فإن الحسم لا يتحقق فقط بإضعاف الخصم عسكرياً، بل بإجباره على التخلي عن مواصلة الصراع، وهو ما لم يحدث بصورة كاملة.

أما وفق تصور "ماو تسي تونغ" لحروب التحرر، فإن قدرة الطرف الأضعف على مواصلة الصراع لا تعتمد فقط على امتلاكه أدوات المقاومة، بل ترتبط أيضاً بوجود حاضنة شعبية ودعم سياسي واجتماعي يضمن استمراريته. وفي الحالة الفلسطينية، واجهت حركة حماس تحديات مرتبطة بمدى قدرتها على الحفاظ على هذا الدعم، خصوصاً في ظل غياب التوافق الوطني الفلسطيني حول قرار الحرب، وما أُثير من نقاش بشأن مدى تمثيلها للإرادة الوطنية الشاملة. وتشير استطلاعات الرأي الصادرة عن المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية إلى تراجع في شعبية حركة حماس خلال عام 2024، مع استمرار هذا التراجع خلال عام 2025، وهو ما يعكس تأثير تداعيات الحرب والظروف الإنسانية والسياسية على مستوى التأييد الشعبي لها.

كما يسلّط منظور "أنطونيو غرامشي" الضوء على أهمية الشرعية والصراع على الوعي باعتبارهما بُعدين أساسيين في تحديد نتائج الصراعات. فمن هذا المنطلق، لم تقتصر تداعيات حرب غزة على الميدان العسكري، بل امتدت إلى المجال السياسي والإعلامي، حيث واجهت إسرائيل انتقادات دولية واسعة بسبب آثار الحرب، في الوقت الذي حافظت فيه القضية الفلسطينية على حضورها في النقاش العالمي. إلا أن استمرار الانقسام الداخلي الفلسطيني وغياب رؤية سياسية موحدة بين القوى الفلسطينية شكّلا عائقاً أمام تحويل هذا الحضور الدولي والصمود الميداني إلى مشروع سياسي جامع قادر على إنتاج مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.

وبناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار أي طرف منتصراً انتصاراً كاملاً، فقد حققت إسرائيل تفوقاً عسكرياً مهماً، لكنها لم تحقق حسماً استراتيجياً نهائياً، في حين تكبّدت حماس خسائر عسكرية كبيرة، ودفع الفلسطينيون عموماً كلفة إنسانية ومادية باهظة، كما لم تتمكن إسرائيل من تحقيق جميع أهدافها المعلنة. وعليه، يمكن وصف نتيجة الحرب حتى الآن بأنها تفوق عسكري إسرائيلي غير مكتمل مقابل صمود فلسطيني غير محسوم، مع بقاء العامل الحاسم مرتبطاً بقدرة الفلسطينيين على بناء توافق وطني واستراتيجية سياسية موحدة قادرة على تحويل الصمود إلى مكاسب طويلة الأمد.

فادي قدري أبو بكر

كاتب وباحث فلسطيني