اقتصاد بلا رصاصة

2026-08-11 11:28:19

قد تُشل دولة كاملة دون أن تُطلق عليها رصاصة واحدة. فحين تتعطل المدفوعات، وتُحتجز الإيرادات، وتُقيد حركة النقد، وتختل سلاسل الإمداد، يصبح الاقتصاد نفسه ساحةً للصراع. وهذا بالضبط ما عاشته فلسطين خلال العام الأخير. لذلك، آن الأوان لإعلان الأمن الاقتصادي الوطني أولوية سيادية.

على امتداد العقود الماضية، انصبّ اهتمامنا الوطني على الأمن السياسي والأمني باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لحماية المجتمع والدولة، وهذا أمر طبيعي في ظل الظروف التي عاشتها فلسطين. إلا أن المتغيرات المتسارعة خلال السنوات الأخيرة، وما شهدناه من أزمات مالية ومصرفية وتجارية متلاحقة، كشفت حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها: لا يمكن الحديث عن أمن وطني حقيقي دون أمن اقتصادي وطني.

وهذا الشلل قد يتخذ أشكالًا متعددة: تعطل تحويل أموال المقاصة، أو اضطراب العلاقات المصرفية، أو تقييد حركة النقد، أو انقطاع سلاسل الإمداد، أو نقص الوقود والطاقة، جميعها أحداث كفيلة بإرباك الاقتصاد، وتعطيل عمل المؤسسات، وإضعاف قدرة الحكومة والقطاع الخاص على الوفاء بالتزاماتهما. وهذه ليست افتراضات نظرية، بل وقائع عشناها تباعًا خلال العام الماضي وحده: وقف تحويل أموال المقاصة، التي تشكل نحو ثلثي الإيرادات العامة، منذ مايو/أيار 2025؛ تكدس أكثر من 17 مليار شيكل داخل خزائن المصارف نتيجة قيود شحن الفائض؛ إخطار بنكين إسرائيليين للبنوك الفلسطينية بوقف خدمات المراسلة المصرفية اعتبارًا من سبتمبر وأكتوبر المقبلين، في خطوة تهدد عمليات سنوية يقارب حجمها 51 مليار شيكل؛ وأزمة نقص متكررة بالمحروقات تعطل الحياة اليومية لكل مواطن. أربع أزمات مختلفة في الشكل، لكنها تتقاطع عند نقطة واحدة: هشاشة مفاصل حيوية في منظومة الأمن الاقتصادي الفلسطيني. هذه ليست أزمات منفصلة، بل اختبارات متتابعة لمدى متانة الاقتصاد الفلسطيني.

إن ما نواجهه اليوم ليس أزمات مالية متفرقة، بل سلسلة من المخاطر المترابطة التي تستوجب الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة إدارة المخاطر، وهذا يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير قبل تغيير الأدوات.

في معظم دول العالم، لم يعد الأمن الاقتصادي مفهومًا نظريًا. فاليابان أقرت عام 2022 "قانون تعزيز الأمن الاقتصادي"، وأنشأت منصبًا وزاريًا مخصصًا لهذا الملف، ودمجت المفهوم ضمن استراتيجيتها للأمن القومي، بهدف حماية سلاسل التوريد الحيوية والبنية التحتية الحساسة من أي استخدام اقتصادي كأداة ضغط سياسي. والاتحاد الأوروبي سار على نهج مشابه باستراتيجيته الخاصة للأمن الاقتصادي، فيما تتعامل الولايات المتحدة والصين مع أمن سلاسل الإمداد والطاقة والغذاء والتكنولوجيا باعتبارها مكونات أساسية للأمن القومي. والقاسم المشترك بين هذه التجارب ليس تشابه ظروفها مع فلسطين، بل إدراكها أن الاعتماد المفرط على نقاط اختناق استراتيجية يخلق هشاشة تستدعي سياسات استباقية.

أما في الحالة الفلسطينية، فإن حاجتنا إلى هذا المفهوم تبدو أكثر إلحاحًا. فنحن نعمل في بيئة اقتصادية شديدة التعقيد، تتداخل فيها العوامل السياسية والمالية والتجارية والنقدية، وأي اضطراب في أحد هذه الملفات ينعكس سريعًا على بقية مكونات الاقتصاد، من رواتب الموظفين، إلى عمل المصارف، مرورًا بالقطاع الخاص، والاستثمار، والتجارة، وفرص العمل. لذلك، فإنني أطالب بإعلان الأمن الاقتصادي الوطني أولوية سيادية، وإدراجه ضمن منظومة التخطيط الوطني، باعتباره ركيزة لا تقل أهمية عن الأمن السياسي أو الأمن المجتمعي.

ولا أقصد بذلك إنشاء مؤسسة جديدة بقدر ما أدعو إلى بناء عقيدة وطنية للأمن الاقتصادي، تحدد بوضوح المخاطر الاقتصادية الاستراتيجية، وآليات التعامل معها، والجهات المسؤولة عنها، وخطط الاستجابة في حالات الطوارئ. وتنطلق هذه العقيدة من محاور أساسية، أبرزها: حماية استقرار النظام المالي والمصرفي، وتعزيز أمن المدفوعات والسيولة والنقد، وتنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي وأمن الطاقة، وبناء احتياطيات وخطط طوارئ لمواجهة الصدمات، وصولًا إلى إنشاء منظومة وطنية للإنذار المبكر لرصد المخاطر قبل تحولها إلى أزمات.

ولعل أهم ما كشفته الأزمات الأخيرة أن التحول الرقمي لم يعد مشروع تحديث إداري، بل أصبح أداة من أدوات الأمن الاقتصادي الوطني. فتطوير أنظمة الدفع الرقمي والبنية التحتية المالية الحديثة يخفف الاعتماد المفرط على النقد، ويزيد قدرة النظام المالي على الاستمرار في ظروف الأزمات. ومن هنا، يمكن وضع مسار زمني ملزم للانتقال التدريجي نحو الدفع الرقمي في القطاعات الأكثر اعتمادًا على التعاملات النقدية الكبيرة، وفي مقدمتها القطاع العقاري، ومحطات الوقود، والصرافة، وتجارة الذهب، بالتوازي مع توفير البنية التشريعية والتقنية اللازمة. فالأمن الاقتصادي اليوم لا ينفصل عن جاهزية البنية الرقمية، وأي عقيدة وطنية للأمن الاقتصادي تضع التحول الرقمي في هامشها ستظل قاصرة أمام الجيل القادم من المخاطر.

كما أقترح إنشاء مجلس وطني للأمن الاقتصادي يضم الحكومة، وسلطة النقد، والقطاع الخاص، والغرف التجارية، والجامعات، والخبراء الاقتصاديين، تكون مهمته تقييم المخاطر الاقتصادية دوريًا، ووضع السيناريوهات البديلة، وتقديم التوصيات لصناع القرار، على أن يصدر تقريرًا سنويًا لتقييم مخاطر الأمن الاقتصادي الفلسطيني، على غرار تقارير المخاطر الوطنية في عدد من الدول.

لقد اعتدنا التعامل مع كل أزمة باعتبارها حالة استثنائية: مرة أزمة مقاصة، وأخرى أزمة سيولة وتكدس الشيكل، ثم أزمة بنوك مراسلة، ثم أزمة وقود. لكن الحقيقة أنها ليست منفصلة، بل تمثل أجزاءً من منظومة واحدة عنوانها الأمن الاقتصادي الوطني، وأن كل تأخر في معالجة إحداها يرفع كلفة مواجهة التي تليها. والملاحظ أننا نصل في كل مرة إلى الدقيقة التسعين، فنبدأ بمناقشة المشكلة بعد أن تكون قد تحولت إلى أزمة، بدل أن نستبقها رغم أن مؤشرات الخطر تكون معروفة في كثير من الحالات قبل وقوعها. وهذه ليست مشكلة إدارية عابرة، بل خلل في منهج إدارة المخاطر ذاته.

إن الدول لا تُقاس اليوم فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل أيضًا بقدرتها على حماية اقتصادها، واستقرار نظامها المالي، وأمنها الغذائي والطاقي، وقدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات لمواطنيها مهما كانت الظروف. فالأمن الاقتصادي ليس شعارًا جديدًا ولا ترفًا فكريًا، بل حق وطني وضرورة سيادية، وأحد أهم شروط الصمود والاستقرار والتنمية في فلسطين، وقد آن الأوان للانتقال من ردود الفعل إلى رؤية وطنية شاملة، ومن إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر.

لقد أثبتت تجارب العام الأخير أن الاقتصاد لم يعد مجرد قطاع من قطاعات الدولة، بل أصبح أحد خطوط الدفاع الأولى عنها. ولذلك، فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى أمن اقتصادي وطني؟ بل: هل نستطيع تحمل كلفة غيابه؟ فكل يوم نتأخر فيه عن بناء هذه المنظومة يزيد من هشاشة اقتصادنا، ويرفع ثمن الأزمة القادمة. أما الاستثمار في الأمن الاقتصادي اليوم، فهو استثمار في استقرار الدولة وصمود المجتمع وحماية القرار الوطني غدًا.

بقلم: د. سعيد صبري مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العام