تقدير موقف.. اتفاق مكة للدفاع المشترك: نحو إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي

2026-08-11 20:40:10

يشهد الشرق الأوسط حروبًا وصراعات متداخلة، أعادت تشكيل أولويات الأمن الإقليمي، ودفعت دول المنطقة إلى إعادة النظر في تحالفاتها ومصادر قوتها وقدرتها على الردع. وفي ظل هذه البيئة المضطربة، جاء توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا للدفاع المشترك في مكة، ليضيف تطورًا جديدًا إلى المشهد الأمني الإقليمي.

ولا يأتي الاتفاق الثلاثي من فراغ؛ فقد سبقه في سبتمبر 2025 توقيع السعودية وباكستان اتفاقًا استراتيجيًا للدفاع المشترك، تضمن مبدأ اعتبار أي عدوان على إحدى الدولتين عدوانًا عليهما معًا. ومن ثم، فإن الاتفاق الموقع في مكة يمثل انتقالاً من إطار دفاعي سعودي-باكستاني إلى ترتيب ثلاثي يضم تركيا، بما يضيف إلى المعادلة قدرات عسكرية وصناعية وجيوسياسية مختلفة، ويمنح الاتفاق الحالي أهمية تتجاوز الاتفاق السابق.

وتنبع أهمية التطور الجديد من اجتماع ثلاث دول ذات ثقل متفاوت في الإقليم والعالم، في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات في موازين القوة، وتراجعًا في اليقين بشأن شكل الضمانات الأمنية الخارجية، وتزايدًا في البحث عن ترتيبات إقليمية أكثر تنوعًا. ولذلك، فإن الاتفاق لا يقتصر أثره على العلاقات بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، وإنما يمتد إلى حسابات إيران وإسرائيل ومصر ودول الخليج، وإلى مواقف الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والهند. وانطلاقًا من ذلك، تبحث هذه الورقة في اتفاق مكة الثلاثي: سياقه ودوافعه وانعكاساته على موازين القوى الإقليمية والدولية، ومدى قدرته على الإسهام في إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي.

الاتفاق الثلاثي

عقب قمة جمعت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، وقعت الدول الثلاث في مكة المكرمة، في 7 أغسطس/آب 2026، "اتفاقية مكة للدفاع المشترك". ويقوم الاتفاق، وفق البيان المشترك، على تعزيز الردع المشترك، واعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا على الجميع، وتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي بينها[1]. ويؤسس هذا الالتزام لإطار أمني جماعي يربط حسابات الردع والأمن للدول الثلاث، وينقل علاقاتها الدفاعية من مستوى التعاون الثنائي إلى صيغة ثلاثية ذات دلالات إقليمية أوسع.

وتكتسب الاتفاقية أهميتها من كونها تمثل توسيعًا لمسار دفاعي سعودي-باكستاني قائم، بعد اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها الرياض وإسلام آباد في سبتمبر/أيلول 2025، وليس تأسيسًا لعلاقة دفاعية جديدة من الصفر[2]. ويأتي انضمام تركيا ليضيف إلى هذا المسار ثقلاً عسكريًا وصناعيًا وموقفًا جيوسياسيًا مختلفًا، بما يوسع نطاق الترتيب الدفاعي من الخليج وجنوب آسيا إلى فضاء إقليمي أكثر اتساعًا، ويمنحه قدرة أكبر على التأثير في حسابات الردع.

وتكمن النقلة الأبرز في الاتفاق في الانتقال من التعاون الدفاعي إلى الالتزام بالردع الجماعي. بالنص المتعلق باعتبار الهجوم على إحدى الدول الثلاث هجومًا على الجميع يرفع كلفة استهداف أي طرف، ويعيد تعريف التهديد باعتباره مسألة مشتركة لا تقتصر تداعياتها على الدولة المستهدفة. غير أن هذا الالتزام، في مرحلته الحالية، يظل أقرب إلى إطار سياسي وأمني للردع منه إلى حلف عسكري مكتمل البنية؛ إذ لم يكشف البيان عن ترتيبات عملياتية أو قيادة عسكرية مشتركة أو آليات محددة للتدخل.

وتتوقف القيمة الاستراتيجية للاتفاق على مدى قدرة الدول الثلاث على تحويل الالتزام السياسي الذي تضمنه إلى ترتيبات دفاعية وأمنية قابلة للتنفيذ؛ فالاتفاق، في دلالته الراهنة، لا يمثل مجرد توسيع للتعاون السعودي-الباكستاني بإضافة تركيا، وإنما يعكس تحولاً في نمط بناء الشراكات الأمنية في المنطقة، من ترتيبات ثنائية محدودة إلى صيغة متعددة الأطراف تجمع مصادر مختلفة للقوة والردع. وتزداد أهمية هذا التحول بالنظر إلى السياق الإقليمي الراهن، حيث تتقاطع الصراعات القائمة مع إعادة ترتيب التحالفات وحسابات الأمن الإقليمي، الأمر الذي يجعل توقيت الاتفاق جزءًا أساسيًا من تفسير دلالاته السياسية والاستراتيجية.

اللحظة الراهنة: إعادة تشكيل الأمن الإقليمي

يأتي اتفاق مكة للدفاع المشترك في لحظة يشهد فيها الشرق الأوسط اضطرابًا أمنيًا واسعًا، تتداخل فيه الحروب المباشرة مع صراعات النفوذ، وتتسع فيه دائرة التهديدات لتتجاوز ساحات المواجهة التقليدية. ولم تعد البيئة الأمنية الإقليمية محكومة بتوازنات مستقرة أو بترتيبات ردع واضحة، بل أصبحت أكثر سيولة، مع انتقال تداعيات الصراعات من ساحة إلى أخرى، وتزايد صعوبة فصل الأمن الوطني للدول عن التحولات الجارية في محيطها.

وتأتي حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة في قلب هذا التحول، بعدما تجاوزت آثارها حدود القطاع وأصبحت أحد المحددات الرئيسية للأمن الإقليمي. فقد أدت الحرب إلى اتساع نطاق المواجهات المرتبطة بها. ومع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، دخلت المنطقة مرحلة أكثر خطورة، إذ اتسعت المواجهة وتجاوزت نطاق الصراع الإسرائيلي-الإيراني المباشر إلى مواجهة ذات امتدادات إقليمية ودولية.

وقد مثل تعرض السعودية لضربات إيرانية تحولاً مهمًا في البيئة الأمنية الخليجية؛ إذ أظهر أن تداعيات المواجهة لم تعد قابلة للاحتواء داخل ساحات الصراع المباشر، وأن دول المنطقة، وفي مقدمتها السعودية، أصبحت جزءًا من معادلة التصعيد ذاتها. ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنظر إلى موقع المملكة في بنية النظام الإقليمي، باعتبارها قوة مركزية اقتصاديًا وسياسيًا وجيوسياسيًا، فضلاً عن مكانتها الدينية في العالم الإسلامي. ومن ثم، فإن أي تحول في البيئة الأمنية المحيطة بالسعودية ستكون له انعكاسات تتجاوز أمنها الوطني إلى توازنات المنطقة وشبكة التحالفات والشراكات فيها.

ويكتسب اختيار مكة المكرمة لتوقيع الاتفاق دلالة إضافية في هذا السياق. فالمكان يرتبط بالمكانة الدينية والسياسية للمملكة، فيما يجمع الاتفاق ثلاث دول ذات ثقل سياسي وعسكري وإسلامي. ولذلك، فإن انعقاد القمة في مكة يضيف إلى الاتفاق رمزية سياسية وإسلامية تتجاوز طبيعته الدفاعية، ويعكس في الوقت نفسه قدرة السعودية على جمع قوى إقليمية رئيسية حول ترتيب أمني جديد.

الحسابات الاستراتيجية للأطراف الثلاثة

السعودية: تتحرك الرياض أساسًا من اعتبارات الأمن والردع وتنويع الشراكات الدفاعية، خصوصًا في ظل انتقال التهديد الإيراني إلى مستوى مباشر. ولا يعني ذلك إعادة تعريف تحالفاتها القائمة، بقدر ما يعكس سعيًا إلى توسيع شبكة الشراكات والقدرات التي تستند إليها في حماية أمنها ومصالحها. وفي الوقت نفسه، تسعى المملكة إلى توظيف ثقلها السياسي والاقتصادي والديني في تعزيز دورها في صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي، بما يرسخ موقعها كقوة مركزية لا تكتفي بتلقي الترتيبات الأمنية وإنما تسهم في إنتاجها.

تركيا: تنظر أنقرة إلى الاتفاق باعتباره فرصة لتوسيع نفوذها وحضورها الاستراتيجي جنوبًا، وترسيخ موقعها في الشرق الأوسط والخليج[3]. كما يوفر لها إطارًا لتوظيف تطور قدراتها وصناعاتها الدفاعية في بناء شراكات ذات عائد سياسي وأمني، وتعزيز مشاركتها في صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي.

باكستان: تجمع حسابات إسلام آباد بين الاعتبار الأمني والطموح الجيوسياسي. فمن جهة، يوفر الاتفاق شراكة دفاعية إضافية في ظل استمرار التحدي الهندي، ومن جهة أخرى يمنحها فرصة لتوسيع حضورها ونفوذها في الشرق الأوسط انطلاقًا من علاقتها الدفاعية التاريخية مع السعودية وثقلها العسكري[4]. ويضاف إلى ذلك دورها في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، بما يتيح لها الجمع بين أدوات القوة وقنوات الاتصال السياسي.

وعليه، فإن اتفاق مكة لا يُقرأ بوصفه استجابة لتهديد منفرد، وإنما باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل أوسع للأمن الإقليمي؛ حيث تتجه قوى المنطقة إلى تنويع مصادر القوة والردع، وبناء شراكات متعددة الأطراف، وتوسيع هامش الحركة بعيدًا عن الاعتماد على ترتيبات أمنية أحادية المصدر[5]. ومن هنا، تتجاوز دلالة الاتفاق أطرافه الثلاثة إلى تأثيراته المحتملة في توازنات الخليج والشرق الأوسط، وموقع الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل ومصر، وطبيعة منظومة الأمن الإقليمي نفسها.

الاتفاق في معادلات القوى الدولية

لا تأتي أهمية اتفاق مكة من طبيعة الالتزام الدفاعي الذي ينص عليه فحسب، وإنما من موقعه داخل بيئة دولية وإقليمية تشهد إعادة نظر في ترتيبات الأمن القائمة. فالتحول اللافت هنا لا يتمثل في ظهور شراكة دفاعية ثلاثية بمعزل عن السياق، بل في انتقال عدد من القوى الإقليمية إلى بناء قدر أكبر من القدرة الذاتية على الردع، وتنويع الشراكات الأمنية، والتعامل مع التهديدات بعيدًا عن الاعتماد الكامل على طرف دولي واحد. وقد سبقت اتفاق مكة خطوات في هذا الاتجاه، أبرزها اتفاق الدفاع المتبادل السعودي-الباكستاني في سبتمبر/أيلول 2025، الذي اعتبره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية مؤشرًا على نشوء روابط أمنية جديدة بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا وإمكان تأثيرها في إعادة الاصطفاف الإقليمي[6].

القوى الدولية

الولايات المتحدة: يمثل الاتفاق بالنسبة إلى واشنطن تطورًا مهمًا في البيئة الأمنية التي طالما احتفظت فيها الولايات المتحدة بموقع الضامن الخارجي الأبرز لأمن الخليج. إلا أن دلالته لا تكمن في كونه بديلاً مباشرًا عن الدور الأمريكي؛ فالسعودية وتركيا وباكستان جميعها ترتبط بدرجات مختلفة بعلاقات أمنية ودفاعية مع الولايات المتحدة. والأقرب أن الاتفاق يعكس اتجاهًا نحو تعدد مصادر الأمن والردع، بحيث لا تظل ترتيبات الأمن الإقليمي محصورة في المظلة الأمريكية وحدها. ومن هذه الزاوية، لا يمثل اتفاق مكة تحديًا مباشرًا للوجود الأمريكي بقدر ما يمثل اختبارًا لمدى استمرار مركزية الولايات المتحدة في إنتاج الأمن الإقليمي.

القوى الإقليمية

إيران: تبدو إيران الطرف الأكثر اتصالاً بالتحول الذي أنتجه الاتفاق، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي في قلب البيئة التي أعادت الاتفاقات الدفاعية الجديدة تشكيلها. فالاتفاق ينشئ التزامًا جماعيًا يعتبر الهجوم على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، وهو ما يرفع كلفة أي مواجهة عسكرية مباشرة مع السعودية، ويضيف إلى الحسابات الإيرانية عنصرًا جديدًا يتعلق باحتمال اتساع دائرة المواجهة لتشمل تركيا وباكستان.

إسرائيل: تأتي إسرائيل ضمن أكثر الأطراف تأثرًا بإعادة ترتيب العلاقات الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان، ليس لأن الاتفاق أعلن أنه موجه ضدها، فالبيان المشترك لا يسمي دولة بعينها، وإنما بسبب التحول الذي يمثله في توازن الاصطفافات الإقليمية.

مصر: تحتل مصر موقعًا مختلفًا في هذه المعادلة؛ فهي ليست طرفًا في اتفاق مكة، لكنها جزء من البيئة الإقليمية التي سبقت ظهوره. فقد شهد عام 2026 تقاربًا متزايدًا بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان حول قضايا الأمن الإقليمي، بما في ذلك اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع في مارس/آذار، وهو ما دفع المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى الحديث عن تشكل إطار إقليمي رباعي غير رسمي.

خلاصة التقدير

يظهر اتفاق مكة أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط تتجه نحو ترتيبات دفاعية أكثر تعددًا، في ظل تصاعد التهديدات وتراجع القدرة على احتواء الصراعات ضمن الأطر الأمنية التقليدية. ولا يمثل الاتفاق مجرد توسع في الشراكة السعودية-الباكستانية بإضافة تركيا، بل يعكس تقاطعًا بين مصالح ثلاث قوى تسعى إلى تعزيز الردع، وتنويع الشراكات، وتوسيع هامش الحركة الاستراتيجية.

وتكتسب هذه الصيغة أهميتها من ثقل أطرافها؛ فالسعودية تمثل مركزًا سياسيًا واقتصاديًا ودينيًا في المنطقة، وتركيا تضيف وزنًا عسكريًا وجيوسياسيًا، فيما توفر باكستان عمقًا عسكريًا واستراتيجيًا يمتد إلى جنوب آسيا. ومع ذلك، لا يشكل الاتفاق في وضعه الراهن بديلاً عن المظلة الأمريكية ولا تحالفًا عسكريًا مكتملًا، إذ تبقى قيمته مرتبطة بمدى تحويل الالتزام السياسي إلى آليات مؤسسية للتنسيق والتخطيط والردع المشترك.

وعليه، فإن التقدير الأرجح أن اتفاق مكة يمثل مؤشرًا على انتقال تدريجي من الاعتماد على مصدر واحد للأمن إلى تعدد الشراكات ومصادر القوة الإقليمية. وستتحدد قيمته الاستراتيجية بقدرته على الانتقال من إعلان للدفاع المشترك إلى قدرة فعلية على إنتاج الردع والأمن؛ فإذا تحقق ذلك، قد يصبح الاتفاق إحدى لبنات منظومة أمن إقليمية جديدة، وإن بقي في إطار الالتزام السياسي، فستظل أهميته الأساسية في دلالته على تغير إدراك دول المنطقة لمصادر التهديد وخياراتها الأمنية.

المصادر:

وكالة الأنباء السعودية - واس، (7 أغسطس/آب 2026)، البيان المشترك لقمة مكة المكرمة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، https://2u.pw/6xv03u

وكالة الأنباء السعودية - واس، (17 سبتمبر/أيلول 2025)، سمو ولي العهد يستقبل رئيس وزراء جمهورية باكستان الإسلامية ويعقدان جلسة مباحثات رسمية ويوقعان على اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك، https://2u.pw/s5lx0s

Galip Dalay, (June 5, 2026), As Iran war reshapes the Middle East, Turkey's regional role looks set to expand, Chatham House, https://2u.pw/qcuOm7

Joshua Kurlantzick, (April 28, 2026), How Pakistan Became the Iran War's Unlikely Peace Negotiator, Council on Foreign Relations, https://2u.pw/0SOblj

Reuters, (August 7, 2026), Saudi Arabia, Turkey and Pakistan sign joint defence deal amid regional turmoil, https://2u.pw/1kTxL7

Tim Chattell, (February 2026), The Pakistan–Saudi Arabia defence relationship, The International Institute for Strategic Studies, https://2u.pw/0Rrcuc

المصدر: مركز الأبحاث الفلسطيني