الانتخابات بين الخائفين منها والمراهنين عليها
الذين أدمنوا البقاء في المواقع الرسمية، ومعظمهم تجاوز أربعة عقود، يخافون من الانتخابات، وهم منطقيون بهذا الخوف، ذلك أن الذي بقي في موقع الوجاهة ولا نقول القيادة عقوداً من الزمن، دون أن ينتخبه أحد، أو يسائله أحد، فلماذا يذهب إلى صندوق الاقتراع الذي يُظهر حجمه الحقيقي، وقد يجرّده من ألقابه الرسمية التي يصل بعضها إلى ثلاثة أسطر في وصف مكانة صاحبها؟ ناهيك عن الهيلمان الشكلي الذي يتمتع به.
في المرسوم الأول الذي رفع عدد مقاعد المجلس التشريعي إلى مائتين، والذين بعد انتخابهم يصبحون أعضاء تلقائيين في المجلس الوطني، تحسس كثيرون رؤوسهم، فمن أين لهم الأصوات التي تكفي لفوزهم في التشريعي كي يحتفظوا بمواقعهم المتوارثة في الوطني؟
أخيراً تمت تسوياتٌ وترضيات، وصلت أخيراً إلى التراجع عن زيادة العدد والعودة إلى القديم، بما يُفسح في المجال إلى تعييناتٍ وتفاهماتٍ في الوطني، تضمن عضوية من لا فرص لهم في صندوق الاقتراع.
ورغم ذلك فإن المراهنين على الانتخابات أكبر بكثير وأوزن بكثير من الخائفين منها، فالانتخابات ليست مجرد تجميع أصواتٍ وإنجاح أعضاء، مع أنها في المحصلة كذلك، إلا أنها عمليةٌ كفاحيةٌ وطنية، فمن يريد تأكيد وحدة الوطن المهددة بالانقسام الجغرافي والديموغرافي والسياسي، فلا بديل عن الانتخابات لتحقيق ذلك، ومن يريد أن يتنافس الناس على تمثيل شعبهم وإقامة مؤسسةٍ منتخبة، لتقود الحياة العامة في الوطن، فهم يراهنون حتماً على الانتخابات، ومن يريدون رؤية برلمانٍ يضع الموازنة وفق أصولٍ مهنية، ويقرّها ويراقب أداءها فهم يراهنون على الانتخابات، ومن يريدون مسائلاتٍ يوميةٍ للوزراء والمسؤولين من كافة الاختصاصات والمراتب، فهم يراهنون على الانتخابات، ومن يريدون إصدار تشريعاتٍ تغطّي كافة شؤون الحياة على المستويات السياسية والاقتصادية والمال العام والقضاء، وإنهاء مرحلة المراسيم فهم يراهنون على الانتخابات.
غنيٌ عن التأكيد للمرة الألف، على أن الانتخابات تعني حتماً أن تكون نزيهةً وشفافةً وحرّة، وأن تحرس خطواتها من الألف إلى الياء قوائم المرشحين، والمؤسسات الشعبية الوطنية، التي لا بد وأن تواكب مسيرتها من مرحلة الدعاية إلى الاقتراع إلى الفرز إلى إعلان النتائج وضمان التقيّد بها.
لقد جرى نقاشٌ شعبيٌ ونخبويٌ وفصائليٌ حول الانتخابات، ولم تبق شاردةٌ أو واردةٌ إلى وقيل فيها كلّ ما يقال، من حيث شروط نجاحها كعملٍ وطنيٍ رئيسيٍ نحن بأمسّ الحاجة إليه، لذا فلنمض قدماً نحو إجراء انتخاباتٍ عامة، نُثبت من خلالها أن الشعب الفلسطيني جديرٌ بدولةٍ حقيقيةٍ ومؤسساتٍ ديموقراطيةٍ وتمثيلٍ سياسيٍ صحيٍ وعادل، أمّا ما غير ذلك فلا حاجة لنا به لأنه مدمّرٌ لكل شيءٍ في حياتنا، بما في ذلك أحلامنا المشروعة.
وانظروا لما حلّ بنا منذ آخر انتخاباتٍ أجريناها وتلك التي أجلّناها أو ألغيناها.