القيسي في ذكراه؛ من جلزون حَمدة إلى خُلاسيّة لندن

2026-08-12 17:21:07

عندما ترقص الأنثى تلد لغات جديدة! فإن زلزلت صدرَها قدّمت أسماءَ الزئبق ورؤوس السباع، وإن أدارت كشحها كشفت عن الوعول الرامحة فيه، وإن أمالت قدّها ذهبت بقطيع الخيول من السهل إلى الأعالي، وإن لاب شَعرُها تكون النوارس قد مخرت سواحل الريح، وإن مرْوَحَت ذراعيها تفحّ الأفاعي الأليفة في الضوء، وإن تثنّت تكون ألف فرسٍ بِكْرٍ قد نزلت النهر..فالرقص صلاةٌ وغوايةٌ، وسحرٌ مفضوح، وعبادةٌ لبلوغ الكشف!

كان ذلك في عاصمة الضباب لندن! التقيته مطلع التسعينيات، وكان بصحبته امرأة خلاسيّة فارهة، تلتصق به مثل النار. بدا وكأنه بدويّ يتزيّا بلباس آوروبا الجريء. وتواصلنا على امتداد خمسة أيام، كان خلالها يسأل عن كلّ ما يتعلّق بالأرض المحتلّة، وعلى كل المستويات والموضوعات..لكنه كان يتوقّف عند مخيّم "الجلزون"!

قلت: نعم أعرفه! ولي أصداقاء فيه، وذرعتُ أزقّته مراراً ، ودبكتُ في عُرس صديقي الأسير المُحرّر، وأمرّ به كلّما قصدتُ قلقيلية، أو خرجتُ من مدينة البيرة صوب الشمال!

ولمّا كنّا في بيت الأخ د.مازن مصطفى، المثقف النوعيّ، في شتاء لندن، نتغيّا الدفء، كان نقاشنا ساخناً جداً؛ فابن "حَمدة"، صاحب الدواوين الشعرية المنتمية والحساسة، لا يعجبه أيّ شيء في الحالة الفلسطينية، ليس من باب "النقد والمراجعة"، ولا من بوابة "التجاوز"، بمعنى أن على المثقف أن يتجاوز الواقع نحو الأفضل، وألا يقرّ للحظة بأي تميّز..ولكن من باب أن القائمين على منظمة التحرير الفلسطينية لم يسألوا عن المثقفين..اللهم -حسب رأيه- عن واحدٍ أو بضعةِ أسماء تماهت معهم في " أوسلو"، وعادوا جزئياً إلى قليلٍ من البلاد.

ورفع عقيرته ضد مَن تناسوا المخيمات واللاجئين..وسألني: كيف ترى "المخيّم" بعد اتفاقيات أوسلو؟

قلتُ..وأطلتُ(نشرت، فيما بعد، ما قلته مقالةً بعنوان"المخيم")..فأطرق القيسيُ بعد القول الثقيل والطويل، وجحظت عيناه، وألقى بكأسه على الطاولة، وقال: لقد أفزعتني!

قلت: ربّما أحاول أن أؤصّل أرضيةً لقراءة أشعار المخيّم! أو  فهم دوافعك وعقلك أيها الشاعر!

والتقينا، غير مرّة، خلال دورات مهرجان جرش في عمّان العزيزة، وخلال معرض الكِتاب في القاهرة الغالية، وغيرها..وقرأتُ معه الشِعر، وخضنا نقاشات مُضنية حول دور الشِعر، ومفهوم المباشرة، والكتابة تحت الاحتلال كضرورة، وعلاقة الأخلاق بالإبداع، ودور الإعلام والترجمة والمناهج في إيصال النصّ..الخ. ولا أنكر عليه رأيه، لكنه كان يضيق بالرأي الآخر..وكان يذهب إلى اللغة النهائية، فيما أدركتُ أن انفعالاته دليلٌ على طيبة قلبه.

أيها الأنيق، الشَبِق، العاشق، الشبيه برايته الخفّاقة في الريح! لكَ خماسية الحياة دون الموت. رأيناك محمولاً على قمصان المجاهد القسّام الرّانخة دماً وشجرا. لكنّي لم أرَ حيفا بأثوابها السوداء! بل ترفل بجلّنار الموج وتنتظر النوارس البيضاء. وأكاد أشمّ نشْر الزهور في إناء سارا، لكنّ صحن الزيت والزعتر ما فتئ طافحاً بلذعته الحريفة. وها هو المخيم الشجاع يتوالد على إيقاع اشتعالات عبد الله، ويردد أغاني المعمورة. لقد لفحني هواء فلسطين الصادر من أكمامك، لأردم أرخبيل الموت. وأقرّ بأننا نحتاج إلى زمن آخر من الموت ليموت. وأحسب أن الخيول قد قرأت كتابك ففاض صهيلها بالفضّة السائلة. ولن تطيل الوقوف في جرش، ستعود إلى الرملة واللد، غير منقوص أو باكٍ. وسترى، في الآفاق، بيوت أهلك العائدين، وبخار الطوابين يملأ الفجر. أما أولئك الأسرى، الشهداء مع وقف التنفيذ، ما زالوا خلف العقرب المخاتل والهواء المقنّع الملغوم، لكنهم ينشدون قصائد عازف الشوارع المغسول بالموسيقى والندى. وكل ما هنالك، يا شاعرنا! أن ثلاثية حمدة، هي مقابسة الجمر تحت الوسائد القلقة. وأرجوك لأن تلمّ شتاتك أيها المتعدد في الوجع والفجائع. ولا تحزن، فالمشاة عائلتنا التي لن تحيد عن الدرب، وإن انخرس الحادي المأجور، لأننا نراك، يا مجنون عشق قبيلتنا، مُضاءً بالجَمال الفلسطيني، الذي وقّع على صفحته الربّ من فوق السماوات. وأقرأك مرة واثنتين وعشرا، فأصيح: ما كلّ هذا البهاء! الذي يتراقص في موقد القلب مثل الألسنة الصافية. يا صديق الريح! سأذهب إلى قريتك التي هدموها لأرى وجهك في البرتقال والصبّار، لعلي أعدّ مرثاة تليق بحضورك السابح في النّاي. أيها الابن المطرود رضيعاً، حتى جفّ ماء القلب! سيجدك العازف الأعمى، لتقودك الأغاني إلى الأيقونات والمنمنمات، ولن تكون مداعبة مُرّةً، هذه المرّة، بل حليب يفيض من أباريق البلّور..وهناك ستقيم حديقتك السرّيّة، التي عرفتها الطيور.

***

امرأة من بلاد الأرجوان والقرنفل، ورذاذ البراكين الساحلية، أو نثار الحصاد وأنفاس الأيْل، تأخذك إلى سلالم النجوم، وتعطيك مفتاح قوس قزح، وقبل أن تكمل أناقتك، تكون قد غبت في العروق المطرّزة والحَنّون.

***

كانت عاريةً تماماً، زنجيّة، هندية حمراء، آوروبية، عربية، ممتلئة، معبّأة بطبول الغابات وأمطارها الساخنة، يجلس متربعاً على الأرضِ مباشرةً، يحملُ صحنَ الذَّهَبِ السائلِ الرجراج، فيغمسُ الفرشاةَ في التِّبرِ المُذاب حتى تترنّق، ثم يرسم على ساقيها وبَطنها، ويديرها بإشارة منه، ويخطّ على ظهرها وجوانبها، ويعود إلى قدميها أو إلى الكتفين..إلى أن يفرغ الصَّحنُ.

جسدٌ ساطعٌ بشمسه المفرودة البارقة، يقفُ مُعْتَدّاً بهيْبة الجَمال الباذِخ الفتّان، وكَهْلٌ أنيق أسمر بِمَبْذَلهِ الحريري يجلس عند قدميها اللامعتين مأخوذاً بصعودها كَسُنبُلةٍ تشقّ المدى.

لعلها ولدت من رقصة الشلال، أو من قبائل مغرقة في الوشْم، أو من أولئك الذين لم تعرف لغتهم ضمير الـ "أنا" بل "نحن" لأن حكايتهم التي تشبه حكاية امرأة سكبتها على مخدّة الصغار في المخيم، ذات ليل بهيم، هي من ألف ألف حكاية يستعيدونها من فم الدبّ، لأنهم يؤمنون أن شعباً بلا حكايات يشبه الريح بين حشائش الجواميس.

أطال التحديق، على مايبدو، حتى جفّ اللحاء الذهبي، فصار يسّاقط عن جسدها كأوراق الخريف، وراحت ترقص بصخبٍ بعد أنْ أشعلت الأسطوانةَ، ودارتْ ولفَّتْ وأقْعَتْ وقامتْ واهتزَّتْ وقَفَزَتْ وترنَّحتْ وذَبلتْ وهاجتْ واستوَتْ، فكان الورق يسقط ليتفتّتَ تحت قدميها المتقافزتين، فيتكسّر حُبيباتٍ رملية صفراء متوهّجة، حتى جرت مدامعُ العرق تغسل ما تبقى من نمشٍ ذهبيّ.

دخلت إلى غرفته، كان ممدوداً على فِراشِه الوثير، يسند رأسه على غير وسادة، وما إن رآها حتى ضرب كفّاً بكف، وصرخَ بحسرةٍ نادمة!

لم تصل فرشاته إلى التفاحة المشقوحة بلونها الزهري الباهت، وربما لم تصل إلى مخدع الملائكة تَحتَ إبطيْها.

***

نفخ في الكلمات من روحه، فأطلقها طيوراً تدفّ وتجنحّ، وتطير إلى قلوب المتلقّين، وتنفش بمناقيرها الوَشْم السماوي الذي حملْنه من قرارة نبضه.

أطلق الزنابق الحمراء في سهوب العشب البريء، وقدّمها باقةً للنهر والنخلة والليمون الساخن، ليفيض الكرز المدمّى على الحجارة وأبواب البيوت.

هو كلمات انصهرت في مرْجل أضلاعه، فمزجت بكامل نارها المرشوق على الحيطان. وهو أوراق النعناع اللاذعة، التي تفوح بالفحولة في عسل الكلام المستحيلة.

وهو ناي الأسطورة البعيد، القادم من طيّات السلال الباذخة، ومع شهقات الشغف الملوّن.

وهو الباقي في أغاني المسافر الملتاع، ووداع العروس لقمصان الليل، وأوراق الريحان المدعوكة على الحجر المصقول، وانغراس الرمح كاملاً في حلم الفارس، حين يرمي ما علق على رمحه من زهرٍ بَرّيّ..

وهكذا يبقى الشاعُر لغُزاً مفضوحاً، وسرّاً مقدّساً، وكلمات لم تعرفها اللغات..بعد.