عادت المدينة تُغنّي: صيفٌ مقدسيّ يعيد إلينا شيئًا من الحياة
عادت المدينة تُغنّي
صيفٌ مقدسيّ يعيد إلينا شيئًا من الحياة
هذا الصيف، شعرتُ أن شيئًا ما تغيّر في القدس.
ليس تغييرًا كبيرًا يمكن قياسه بالأرقام، ولا تحولًا يسمح لنا بالقول إن المدينة استعادت حياتها الطبيعية. لكن بعد سنوات ثقيلة من الحرب والإغلاق والحزن والخوف وانكماش المساحات العامة، بدأت أرى إشارات صغيرة تستحق أن نتوقف عندها.
رأيت الناس يخرجون من بيوتهم.
رأيت قاعات تمتلئ من جديد، وحدائق تستقبل الموسيقى، وأطفالًا يذهبون إلى المخيمات الصيفية، وشبانًا وشابات يحضرون فيلمًا أو أمسية أو معرضًا. ورأيت، ربما للمرة الأولى منذ فترة طويلة، إعلانًا عن فعالية ثقافية من دون أن يكون السؤال الأول: هل ستُلغى؟
وهذا بحد ذاته، في القدس، شيء يستحق الفرح.
صيفٌ يشبه الصيف
مرّت علينا أعوام أصبح فيها الصيف مجرد فصل آخر من السنة.
اختفت مهرجانات كثيرة، وخفتت الأضواء، وأُلغيت نشاطات، وأغلقت مؤسسات أو ضاقت عليها المساحة والموارد. ثم جاءت حرب غزة وما رافقها من ألم وحداد وغضب، فأصبح الفرح نفسه محرجًا أحيانًا، وكأن على الناس أن تعتذر لأنها تريد أن تسمع أغنية أو تشاهد مسرحية أو تأخذ أطفالها إلى نشاط صيفي.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد داخل الحداد.
والثقافة ليست إنكارًا للألم، كما أن الموسيقى ليست تجاهلًا لغزة، والضحك ليس خيانة لمن يتألم.
أحيانًا تكون العودة إلى الحياة نفسها شكلًا من أشكال الصمود.
هذا ما أحسست به وأنا أتنقل في القدس هذا الصيف.
الحكواتي يمتلئ من جديد
في أواخر تموز، امتلأ المسرح الوطني الفلسطيني «الحكواتي» بجمهور جاء لحضور مهرجان القدس للسينما العربية.
ربما يبدو ذلك حدثًا طبيعيًا في أي مدينة أخرى. أما في القدس، وبعد ما مرّ علينا، فلم يكن طبيعيًا تمامًا.
كان جميلًا أن ترى الناس تدخل المسرح، تلتقي، تتحدث، تشاهد فيلمًا، تسمع الموسيقى، تصفق وترجع إلى بيتها وهي تحمل شيئًا آخر غير أخبار الحرب والسياسة والإغلاق.
المهرجان نفسه اختار شعارًا بسيطًا ومعبرًا: «الحياة والاستمرارية».
وهذا تقريبًا ما أريد قوله في هذه المقالة كلها.
ليست المسألة عدد الأفلام ولا عدد الدول المشاركة، على أهمية ذلك. المسألة أن المسرح فتح بابه وأن الجمهور جاء.
فالمؤسسة الثقافية بلا جمهور مجرد مبنى، أما حين يدخل الناس إليها فإنها تستعيد معناها.
شارع الزهراء يعود شارعًا للثقافة
ومن الحكواتي إلى شارع الزهراء، بدأت الصورة تتكرر.
مركز يبوس الثقافي، ومعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، وحوش الفن الفلسطيني، وعلى مسافة غير بعيدة مؤسسة المعمل في البلدة القديمة؛ مؤسسات قديمة نعرفها ونعتز بها، لكنها لا تستطيع أن تعيش بتاريخها وحده.
قيمتها الحقيقية أن تبقى أبوابها مفتوحة اليوم.
هذا الصيف عادت الموسيقى إلى الحدائق، وعادت المعارض والحوارات والجوقات والأمسيات، ويستعد «يبوس» والمعهد الوطني للموسيقى لموسم ثقافي يمتد من منتصف آب إلى منتصف تشرين الأول.
وأعجبني هنا تحديدًا أن الحديث لم يعد عن أمسية واحدة كبيرة ننشر صورها ثم ينتهي كل شيء.
هناك محاولة لصناعة موسم.
وهذا ما تحتاجه القدس.
نحن لا نحتاج إلى حدث ثقافي ضخم كل عدة أشهر بقدر حاجتنا إلى أن تصبح الثقافة جزءًا من الحياة العادية: أن يعرف الشاب أن هناك شيئًا يفعله مساء الخميس، وأن تعرف العائلة أن هناك مكانًا تذهب إليه مع أطفالها، وأن يكون للفنان موعد مع جمهوره، وللكاتب قارئ، وللموسيقي خشبة.
نريد أن تصبح الحياة الثقافية عادة، لا مناسبة.
والأطفال أهم منّا جميعًا
أكثر ما أسعدني هذا الصيف لم يكن الحفلات.
كان الأطفال.
آلاف الأطفال شاركوا في مدارس ومخيمات وأنشطة صيفية في القدس: رسم وموسيقى وعلوم وتكنولوجيا ورياضة وحكايات وأنشطة بيئية.
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة أمام السياسة والحرب، لكنها في الحقيقة كبيرة جدًا.
فالطفل الذي يقضي صيفه كاملًا بين البيت والهاتف يكبر وهو يشعر أن مدينته تضيق حوله.
أما الطفل الذي يذهب إلى نادٍ، يرسم شجرة زيتون، يتعلم الموسيقى، يشارك في تجربة علمية، يلتقي أطفالًا من أحياء أخرى ويضحك معهم، فإنه يبني علاقة مختلفة تمامًا مع مدينته.
نحن نتحدث كثيرًا عن «الحفاظ على هوية القدس».
لكن الهوية لا تُحفظ بالشعارات وحدها.
الطفل الذي يحب مدينته لأنه عاش فيها طفولة جميلة سيدافع عنها أكثر من طفل لم نعطه فيها سوى الخوف والتحذيرات والحديث عن الخطر.
ومن جبل الزيتون… نافذة إلى المستقبل
ومن أكثر المشاريع التي تبعث على التفاؤل بالنسبة لي «واحة الإبداع المقدسية» التي أقامتها مؤسسة النيزك على جبل الزيتون، والتي تستعد لاستقبال عامها الدراسي الأول هذا الخريف.
ما يعجبني في المشروع ليس المبنى وحده، رغم أهميته، وإنما فكرته.
علوم. تكنولوجيا. مختبرات. تصنيع رقمي. فلك. تعليم.
فنحن كثيرًا ما نتعامل مع القدس باعتبارها مدينة يجب فقط أن نحافظ على ماضيها.
وهذا صحيح، لكنه نصف المهمة.
القدس تحتاج أيضًا إلى المستقبل.
نريد أن نحافظ على الحجر القديم، بالتأكيد، ولكننا نريد أيضًا طفلًا مقدسيًا يتعلم البرمجة والروبوتات والفلك والهندسة ويؤمن أن له مكانًا في القرن الحادي والعشرين.
المدينة التي تعيش على ذاكرتها فقط تتحول إلى متحف.
ونحن لا نريد القدس متحفًا.
نريدها مدينة حيّة.
والبلدة القديمة تحتاج أهلها
لهذا أسعدني أيضًا الحديث عن إعادة إحياء «البازار» في قلب البلدة القديمة وتحويله إلى مساحة للحرف والمنتجات والفنون الفلسطينية.
وقد كتبتُ عن هذا المشروع قبل أيام لأنني أرى فيه فرصة تتجاوز ترميم المكان.
نجاحه الحقيقي لن يكون في جمال الحجر بعد الترميم، وإنما في الناس الذين سيدخلون إليه.
أتمنى أن نرى فيه منتجات من القدس والخليل ونابلس وبيت لحم وجنين ويافا وحيفا واللد وعكا، وأن نجد فيه الحرفي والفنان والمزارع والشاب والصبية والطفل والحكواتي والموسيقي.
وأهم من ذلك أن تصل الفكرة إلى الناس العاديين، لا أن تبقى مشروعًا تتداوله الدوائر الثقافية والأكاديمية والمهنية وحدها.
لأن أي مشروع في القدس لا يصبح جزءًا من حياة الناس اليومية سيبقى جميلًا، لكنه هش.
الاستدامة تبدأ حين يشعر الناس أن المكان لهم.
لكن الصورة ليست وردية
ولنكن منصفين.
في الوقت الذي تُفتح فيه أبواب، ما تزال أبواب أخرى مغلقة.
جمعية برج اللقلق، التي خدمت أطفال وشباب البلدة القديمة لأكثر من ثلاثة عقود، ما تزال تواجه قرار الإغلاق والقيود على أنشطتها.
وهذا التناقض يلخص القدس نفسها.
باب يفتح وباب يغلق.
مسرح يمتلئ وملعب يصمت.
فعالية تنجح وأخرى تُمنع.
ولهذا لا أريد أن تتحول هذه المقالة إلى صورة رومانسية لمدينة تعافت.
القدس لم تتعافَ.
لكنها تحاول.
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
وخارج القدس أيضًا… «مكملين»
وما رأيته لم يكن محصورًا بالقدس.
في رام الله عاد مهرجان الفنون المعاصرة بعد انقطاع عامين، واختار القائمون عليه كلمة واحدة شعارًا للدورة: «مكملين».
وفي بيت لحم أعاد مهرجان «عَ الدّرَج» الفن إلى شارع النجمة التاريخي، فنزلت الموسيقى والمسرح والفنون من القاعات إلى الشارع، وعادت العائلات والمقاهي والمحلات والحرفيون ليصبحوا جزءًا من المشهد.
وهذه تحديدًا تجربة تستحق أن نتعلم منها في القدس.
فالمدينة لا تحتاج دائمًا إلى مبنى ثقافي جديد.
أحيانًا يكفي أن نستعيد شارعًا.
أن نضع موسيقيًا هنا، وحكواتيًا هناك، وأطفالًا يرسمون في زاوية، وحرفيًا يعرض منتجه، ومقهى يفتح أبوابه حتى المساء.
فتعود الحياة إلى المكان.
أما غزة…
وهنا يصعب استخدام الكلمات نفسها.
لا يمكن الحديث عن «عودة الحياة الثقافية» في غزة كما نتحدث عنها في القدس أو رام الله أو بيت لحم.
هناك ما تزال الأولويات هي الحياة نفسها: الطعام والماء والدواء والمأوى والأمان.
ومع ذلك، وسط كل هذا، يظهر أطفال يغنون، وفنانون يرسمون، وموسيقيون يحاولون خلق مساحة صغيرة للجمال داخل مراكز الإيواء وبين الركام.
لا أريد أن أسمي ذلك مهرجانًا ولا احتفالًا.
ربما الاسم الأدق هو إسعاف الروح.
وأن تبقى غزة حاضرة في المهرجانات الفلسطينية، ولو عبر شاشة أو فيلم أو عمل فني يصل من بعيد، يعني أننا نرفض أن تُمحى من حياتنا الثقافية كما جرى عزلها جغرافيًا.
ليس الجميع قادرًا على الفرح
وهناك حقيقة أخرى يجب ألا ننساها.
ليست كل عائلة قادرة على شراء تذكرة، وليست كل أسرة تفكر هذا الصيف أين ستذهب.
هناك من يفكر في الإيجار، وهناك من فقد عمله، وهناك عشرات آلاف العائلات التي تأثرت بفقدان فرص العمل وتراجع الاقتصاد منذ تشرين الأول 2023.
لهذا فإن الثقافة التي نريدها لا ينبغي أن تصبح نشاطًا لفئة ميسورة فقط.
نريد فعاليات مجانية أيضًا.
نريد الشوارع والساحات.
نريد أن يدخل الأطفال والشباب الذين لا يستطيع أهلهم دفع ثمن التذكرة.
ونريد من المؤسسات الثقافية أن تذهب إلى الناس، لا أن تنتظر دائمًا أن يأتي الناس إليها.
فالمدينة لا تستعيد حياتها حين تملأ النخبة قاعة.
تستعيدها حين يشعر الجميع أن لهم مكانًا فيها.
شيء صغير تغيّر
ربما هذا هو أكثر ما أردت قوله.
بعد سنوات طويلة من تصوير القدس والكتابة عنها والسير في شوارعها، تعلمت ألا أبالغ في التفاؤل، لكنني تعلمت أيضًا ألا أكون أسير التشاؤم.
وهذا الصيف رأيت شيئًا صغيرًا تغيّر.
رأيت ناسًا أكثر في الشوارع.
رأيت أطفالًا أكثر في الأنشطة.
رأيت قاعات تمتلئ.
رأيت مؤسسات تحاول من جديد.
رأيت موسيقى وفنًا وسينما وحوارًا وضحكًا.
ورأيت، ولو بحذر، رغبةً لدى الناس في العودة إلى الحياة.
وهذه ليست عودة كاملة، ولا انتصارًا، ولا نهايةً لأزمة.
إنها بداية صغيرة.
لكن المدن، مثل البشر، لا تستعيد عافيتها دفعة واحدة.
تبدأ بنافذة تُفتح.
ثم مقهى يبقى مضاءً حتى المساء.
ثم طفل يذهب إلى مخيم صيفي.
ثم موسيقي يصعد إلى خشبة.
ثم عائلة تقرر، بعد تردد طويل، أن تخرج من البيت.
ثم تمتلئ قاعة.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، تعود المدينة إلى أهلها ويعود أهلها إليها.
لذلك، هذه المرة، أريد أن أكتب من باب الامتنان لا الشكوى.
تحية لكل مؤسسة أبقت بابها مفتوحًا، ولكل فنان صعد إلى المسرح، ولكل معلّم عمل مع الأطفال، ولكل متطوع حمل كرسيًا أو علّق ملصقًا، ولكل ممول قرر ألا ينسحب، ولكل أب وأم أخذا أبناءهما إلى نشاط، ولكل شاب اشترى تذكرة وجاء.
وتحية أيضًا لمن لم يستطع أن يأتي، على أمل أن تتسع له المدينة غدًا.
فالقدس لم تعد بعد إلى ما كانت عليه، وربما لن تعود بالطريقة نفسها.
لكن هذا الصيف، وللمرة الأولى منذ زمن، شعرتُ أنها تحاول أن تتنفس من جديد.
وعادت المدينة، ولو بصوت خافت، تُغنّي.