الفلسطينيون هم حجارة الوادي، حين تشهد الأَرض لأَصحابها

2026-08-13 12:43:24

كانت فرنسا الأغصانَ الجافةَ والرمالَ التي حملتها العاصفة، وكان الشعب الجزائري حجارةَ الوادي؛ ذهب الفرنسيون، وبقي الجزائريون، تمامًا كما سيذهب الاحتلال ويبقى الفلسطينيون. فالعواصف، مهما طال مداها واشتدت قوتها، لا تقتلع ما أصبح جزءًا من المكان، ولا تمنح العابر صفة المتجذر.

هناك عبارات لا تنتهي عند حدود الكلمات التي كُتبت بها، بل تتحول مع الزمن إلى مفاتيح لفهم الإنسان والتاريخ. ومن بين هذه العبارات ما حملته رواية الطاهر وطار «اللاز»: «ما يبقى في الوادي إلا حجارته». قد تبدو الجملة في ظاهرها وصفًا بسيطًا لمشهد طبيعي، لكن وراء بساطتها تختبئ فلسفة كاملة عن المكان، والانتماء، وما يبقى بعد أن تمر العواصف.

فالوادي ليس مجرد مجرى صغير للماء، تحيط به الصخور والحصى، وتستقر في قاعه الرمال التي حملتها الأزمنة؛ الوادي هو ذاكرة الطبيعة نفسها. فعندما تهطل الأمطار بغزارة، وتتحول المياه الهادئة إلى سيول جارفة، فإنها لا تسأل عما تمر به، بل تحمل معها كل ما كان خفيفًا وعابرًا؛ تحمل الأغصان اليابسة، والأوراق المتساقطة، والرمال التي لم تجد لها جذورًا، وكل ما لم يصبح جزءًا حقيقيًا من المكان، لكنها، مهما اشتدت، تعجز عن حمل الحجارة.

ليس لأن الحجارة أقوى من الماء، فالماء هو الذي يشق طريقه في الجبال، ويغير شكل الأرض عبر الزمن، ولكن لأن الحجارة أكثر الأشياء التصاقًا بقاع الوادي. لقد أصبحت جزءًا من تكوينه، فلم تعد شيئًا موجودًا داخله فقط، بل أصبحت جزءًا من هويته، ولذلك فإن السيول لا تمتحن قوة الأشياء بقدر ما تمتحن مقدار انتمائها إلى المكان.

وهنا تكمن عبقرية العبارة؛ فالطاهر وطار لم يكن يتحدث عن الحجارة وحدها، بل عن قانون أعمق يحكم الإنسان والتاريخ. فكما أن الوادي يحتفظ بما هو منه، يحتفظ التاريخ أيضًا بما أصبح جزءًا من المكان. قد تمر العواصف، وقد تتغير الوجوه، وقد تصعد قوى وتختفي أخرى، لكن ما كان متجذرًا لا يصبح عابرًا لمجرد أن الزمن مر فوقه.

إن التاريخ يشبه الوادي كثيرًا؛ تمر فيه إمبراطوريات كما تمر السيول، وتعبره الجيوش كما تعبر العواصف، وتتغير الخرائط كما تتغير مجاري المياه، لكن هناك دائمًا شيء يبقى عصيًا على الاقتلاع؛ الإنسان الذي أصبح جزءًا من أرضه، والذاكرة التي أصبحت جزءًا من المكان، والحكاية التي أصبحت جزءًا من هوية أصحابها.

ولهذا فإن الحجارة في هذه القراءة ليست مجرد صخور صامتة، بل رمز لأولئك الذين لا يمكن فصلهم عن المكان الذي صنع وجودهم. فالحجر لا يحتاج إلى شهادة تثبت أنه من الوادي، لأنه يحمل في تكوينه دليل انتمائه، وكذلك الإنسان الذي ارتبط بأرضه عبر الأجيال لا يحتاج إلى منحه شرعية وجوده، لأن علاقته بالمكان ليست قرارًا سياسيًا، بل علاقة تشكلت عبر الزمن. ومن هنا تصبح عبارة وطار أكثر عمقًا حين نقرأها في سياق فلسطين.

ففلسطين عرفت عواصف متتالية عبر التاريخ، آخرها زاد عمرها على قرن؛ إنها عاصفة الاستعمار الجديد. لم تكن تلك عواصف طبيعية، بل عواصف من احتلال وحروب وتهجير ومحاولات تغيير للجغرافيا والذاكرة. حاولت مشاريع كثيرة أن تعيد تعريف المكان، وأن تفصل الإنسان عن أرضه، وأن تجعل صاحب المكان يبدو غريبًا داخله، وأن تجعل العابر أكثر حضورًا من المتجذر، لكن التاريخ، مثل الوادي، لا يحفظ إلا المتجذرين أصلًا وانتماءً.

 

قد تحمل السيول الأغصان اليابسة، لكنها لا تقتلع الحجارة، وقد تحمل العواصف الإنسان بعيدًا عن بيته، لكنها لا تستطيع أن تحمل البيت بعيدًا عن ذاكرته. فقد يبقى المفتاح في يد صاحبه، وتبقى صورة القرية في الذاكرة، ويبقى اسم المكان في اللغة، وتبقى الحكاية تنتقل من جيل إلى جيل.

إن محاولة اقتلاع الإنسان من أرضه لا تنجح فقط بإبعاده جغرافيًا، بل تحتاج إلى محو علاقته بالمكان، ولهذا تصبح المعركة الحقيقية معركة على الذاكرة أيضًا. فالذي يفقد ذاكرته يصبح أكثر قابلية لأن يُقنع بأنه عابر، أما الذي يحمل ذاكرته معه فإنه يبقى مرتبطًا بالمكان حتى لو حالت المسافات بينه وبين أرضه.

ولهذا فإن الفلسطيني في هذه القراءة ليس «مثل» حجارة الوادي، بل هو، بمعنى أعمق، من حجارة الوادي. والفرق بين التعبيرين ليس لغويًا فقط؛ فالحجر لا يوجد في الوادي مصادفة، بل يصبح مع الزمن جزءًا من تكوينه، وكذلك الفلسطيني ليس مجرد إنسان أقام على الأرض، بل إن الأرض دخلت في تكوينه، كما دخل هو في تكوينها. قد تمر عليه العواصف، وقد تغمره المياه، وقد يبدو للحظة أنه اختفى تحت الركام، لكنه لا يفقد صفته الأساسية؛ لأنه جزء من المكان الذي صنعه، والمكان جزء من ذاكرته ووجوده.

فالعلاقة بين الإنسان والأرض ليست علاقة إقامة مؤقتة، بل علاقة تكوين متبادل. وربما لهذا السبب لم يكن الصراع على فلسطين صراعًا على مساحة من الأرض فقط، بل صراعًا على معنى المكان. فمن يملك القدرة على تغيير الرواية يحاول أن يغير علاقة الإنسان بأرضه، ومن يملك القدرة على محو الذاكرة يحاول أن يجعل الحاضر بلا جذور، لكن الأمكنة، مثل الأودية، تعرف أصحابها.

فالقرى التي غابت عن الخرائط بقيت في الذاكرة، والأسماء التي حاولت تغييرها عبرنتها بقيت في الوجدان، والحجارة التي بُنيت منها البيوت القديمة بقيت تحمل أثر الأيدي التي وضعتها، فالمكان لا يتكون من التراب وحده، بل من الذين عاشوا فيه، ومن القصص التي صنعت معناه

إن أخطر ما في العواصف أنها توهم الإنسان أحيانًا بأن كل شيء تغير، وأن ما ذهب لن يعود، وأن القوة العابرة أصبحت قدرًا دائمًا، لكن الطبيعة تقدم لنا درسًا مختلفًا: فالسيل، مهما كان قويًا، لا يغير حقيقة الوادي، بل يكشفها. وبعد أن تهدأ المياه يظهر ما كان متجذرًا منذ البداية، وهكذا يصبح قول الطاهر وطار قانونًا يتجاوز الرواية: ما يبقى في الوادي إلا حجارته.

فالضمير هنا ليس تفصيلًا لغويًا، بل يحمل المعنى كله؛ ليست أي حجارة، بل حجارة الوادي، وليست أي علاقة بالمكان، بل علاقة الانتماء إليه. وكما أن لكل وادٍ حجارته، فإن لكل وطن أهله، ولكل أرض ذاكرتها. الفلسطيني ليس حجارةً في الوادي؛ الفلسطيني هو من حجارة الوادي، لأن الأرض التي حملته حملها، ولأن الزمن الذي شهد وجوده ترك آثاره فيه وترك هو آثاره فيها.

قد تطول السيول، وقد تشتد العواصف، وقد تبدو لحظات التاريخ وكأنها تسير في اتجاه واحد، لكن ما كان جزءًا من المكان لا يتحول بسهولة إلى شيء عابر. فالوادي لا ينسى حجارته، والأرض لا تنسى أصحابها، والتاريخ، مهما تأخر، لا يفقد قدرته على التمييز بين من مرّ بالمكان ومن كان المكان جزءًا منه. ولهذا فإن السؤال الذي تتركه لنا عبارة الطاهر وطار ليس فقط: ماذا يبقى بعد العاصفة؟ بل: ما الذي كان متجذرًا إلى درجة أن العاصفة نفسها لم تستطع اقتلاعه؟ والإجابة تختبئ في قاع الوادي، بين الحجارة التي بقيت لأنها لم تكن يومًا غريبة عنه.