ماذا يقول استطلاع أغسطس لفتح؟
يستحق الاستطلاع الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بين 5 و8 آب/أغسطس 2026 قراءة هادئة ومسؤولة، بعيدًا عن منطق الانتصار والهزيمة بين الفصائل. فالأرقام لا تقدم حكمًا نهائيًا على أحد، لكنها تكشف اتجاهات ينبغي الإصغاء إليها جيدًا، وخصوصًا داخل حركة فتح.
الاستطلاع يعكس أزمة ثقة في النظام السياسي الفلسطيني: 79% يريدون استقالة الرئيس محمود عباس، و65% يعتبرون السلطة الفلسطينية عبئًا، و83% يرون وجود فساد في مؤسساتها. وفي الانتماء السياسي تتساوى فتح وحماس تقريبًا عند 24% لكل منهما، بينما ترتفع نسبة من لا يؤيدون أيًا منهما أو لا يعرفون إلى 38%، ويقول 44% إن لا فتح ولا حماس جديرتان بقيادة وتمثيل الشعب الفلسطيني.
النتيجة الأهم هنا أن تراجع حماس لم يتحول تلقائيًا إلى صعود لفتح. وهذا يعني أن قطاعًا متزايدًا من الجمهور لا ينتقل ببساطة من فصيل إلى آخر، بل يبتعد عن الثنائية التقليدية كلها، ويبحث عن قيادة أكثر قدرة على الإنجاز واستعادة الثقة.
وهذه رسالة ينبغي أن نقرأها في فتح بوضوح: ضعف الخصم لا يصنع قوتنا، وإنما تصنعها قدرتنا على التجدد والاقتراب من الناس.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نقرأ هذا الإحباط بوصفه نتيجة للأزمة الداخلية الفلسطينية وحدها. فالفلسطيني يرى أمامه توسعًا استيطانيًا متسارعًا، ومصادرة للأرض، وعنفًا متزايدًا من المستوطنين، ومشهدًا سياسيًا إسرائيليًا تتقدم فيه قوى ترفض أصلًا قيام دولة فلسطينية.
ولهذا لا أرى تناقضًا في أن يؤيد 56% حل الدولتين على حدود عام 1967، بينما يرى 58% أنه أصبح غير عملي بسبب الاستيطان، ويعتقد 64% أن فرص قيام دولة فلسطينية خلال خمس سنوات ضئيلة أو معدومة.
الفلسطيني هنا لا يتخلى عن الدولة، بل يقول بوضوح : ما زلت أريدها، لكنني لم أعد أرى الطريق إليها.
وهذه واحدة من أخطر دلالات الاستطلاع. فالأزمة ليست أزمة تراجع عن الحقوق الوطنية، وإنما أزمة ثقة بالوسائل والقيادات والبيئة السياسية التي يمكن أن تحول تلك الحقوق إلى واقع.
ومن هنا تصبح المسؤولية على فتح أكبر. فالحركة لا تحتاج فقط إلى معالجة ما يقال عن خلل في أداء اللجنة المركزية أو المجلس الثوري أو الأقاليم، رغم أهمية ذلك، وإنما إلى إعادة تثبيت موقعها باعتبارها حركة تحرر وطني، لا مجرد قوة مرتبطة بإدارة السلطة.
السلطة الوطنية مؤسسة يجب حمايتها وإصلاحها، لكن فتح أوسع منها وأقدم منها، ومشروعها الأساس هو إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني. وكلما استعادت الحركة هذا التمييز، ازدادت قدرتها على استعادة ثقة الجمهور.
ويقدم الاستطلاع مؤشرًا مهمًا في هذا السياق من خلال المكانة المتقدمة للأخ مروان البرغوثي في المزاج الشعبي. فهذه النتيجة لا تتعلق بشخصه فقط، رغم رمزيته ومكانته، بل تشير إلى أن الرصيد الوطني لفتح في المجتمع ما يزال أكبر من مستوى التأييد الحزبي المباشر لها.
وهذا يعني أن المشكلة ليست في فكرة فتح ولا في تاريخها، بل في كيفية تجديد صورتها وأدائها وقيادتها وعلاقتها بالناس.
كما أن تراجع الاعتقاد بجدوى العمل المسلح وحده، مقابل ارتفاع تفضيل المفاوضات والمقاومة الشعبية، لا يعني أن الفلسطينيين انتقلوا إلى الاستسلام، خصوصًا أن غالبية كبيرة ما تزال ترفض نزع سلاح حماس قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل. المعنى الأعمق هو أن الجمهور يبحث عن استراتيجية أكثر جدوى.
وهنا تستطيع فتح أن تقدم رؤية وطنية تجمع بين المقاومة الشعبية والسياسية والقانونية والدبلوماسية، والصمود على الأرض، ومواجهة الاستيطان، وبناء التحالفات الدولية، ضمن هدف واضح: إنهاء الاحتلال، لا إدارة الاحتلال.
لذلك لا أقرأ استطلاع أغسطس باعتباره نعيًا لفتح، ولا أرى أن كل ما يقال عن أزماتها يعني أنها فقدت قدرتها على النهوض. نعم، هناك خلل يحتاج إلى مراجعة، وهناك أداء يحتاج إلى تطوير، لكن فتح ما تزال تمتلك قاعدة واسعة، وتجربة عميقة، وكوادر قادرة، وحضورًا لا يمكن تجاهله في كل مكونات المجتمع الفلسطيني.
فتح اليوم أمام امتحان كبير، لكنها ليست أمام طريق مسدود. وأنا أعرف أن فيها من الوعي والانتماء والخبرة ما يجعلها قادرة على سماع شعبها، وقراءة التحولات، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يخدم المشروع الوطني.
فتح التي نريدها ليست أسيرة ماضيها، بل وفية له وهي تصنع المستقبل : قوية بقواعدها، قريبة من شعبها، واضحة في هدفها: فلسطين أولًا.