ما بعد سلاح حماس: بين بناء الدولة وإدارة الصراع...
قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحاً في المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت حركة حماس ستتخلى عن سلاحها؟
بل ما الذي سيولد بعد ذلك؟
فالقضية الفلسطينية تقف اليوم أمام لحظةٍ مفصليةٍ تعيد طرح أسئلة المشروع الوطني، ومصدر الشرعية، وشكل الدولة المنشودة بعد سنواتٍ من الاحتلال والانقسام والحروب.
ومن خلال قراءتي للمشهد، فإن اختزال هذه اللحظة في مسألة نزع السلاح وحدها يحجب السؤال الجوهري:
هل تقود ترتيبات ما بعد الحرب إلى قيام دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ كاملة السيادة، أم تكرس إدارةً أكثر تنظيماً لصراعٍ ما تزال أسبابه السياسية والقانونية قائمة؟
فالسلاح في الحالة الفلسطينية لم ينشأ في فراغ، بل ارتبط باستمرار الاحتلال، وتعثر العملية السياسية، وغياب الدولة الفلسطينية المستقلة. لذلك، لا يتعلق جوهر النقاش بمصير السلاح وحده، وإنما بالمرجعية التي ستقود المرحلة المقبلة، وبما سيؤول إليه المشروع الوطني بعد الحرب.
ومنذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007، دخل النظام السياسي الفلسطيني مرحلة انقسام غير مسبوقة، بينما واصل الاحتلال توسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، الأمر الذي زاد من تعقيد فرص قيام دولةٍ فلسطينيةٍ متصلةٍ جغرافياً.
وخلال هذه المرحلة، تمسكت منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بالمسار السياسي والدبلوماسي، في حين اعتمدت حركة حماس خيار المقاومة المسلحة. وبين هذين المسارين، تراجعت القدرة على بلورة رؤيةٍ وطنيةٍ جامعة، واتسعت مساحة التأثير الإقليمي والدولي في مستقبل القضية الفلسطينية.
ويواجه الشعب الفلسطيني، في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، واحدةً من أصعب مراحله الحديثة. فقد أظهرت تقارير البنك الدولي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي أن الدمار تجاوز المساكن والبنية التحتية، ليطال الاقتصاد والخدمات الأساسية ومقومات الحياة. ولم تعد إعادة الإعمار قضيةً هندسيةً أو ماليةً فحسب، بل قضيةً سياسيةً ووطنيةً ترتبط بمستقبل الدولة.
فإعادة بناء المدارس، والمستشفيات، وشبكات المياه، والطاقة، والطرق، لن تحقق غايتها ما لم تكن جزءاً من مشروعٍ وطني يوحد الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة ضمن مؤسساتٍ واحدة، ومرجعيةٍ سياسيةٍ واحدة، ومسارٍ واضح ينتهي بإنهاء الاحتلال، لا بإدارة نتائجه.
فغاية الدولة ليست بناء المؤسسات فحسب، بل حماية الإنسان الفلسطيني، وصون كرامته، وضمان حقه في الأمن، والحرية، والتنمية على أرضه. فالدولة التي لا يلمس المواطن أثرها في أمنه، وتعليمه، وصحته، وفرص عمله، تبقى مشروعاً سياسياً لم يكتمل.
ويستند هذا الطرح إلى أساسٍ قانونيٍ واضح. فقد كرست المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، والمادة الأولى من العهدين الدوليين لعام 1966، حق الشعوب في تقرير مصيرها. وأكدت الجمعية العامة هذا المبدأ في القرارين 1514 لعام 1960 و3236 لعام 1974، اللذين رسخا حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال الوطني.
كما وضع قرارا مجلس الأمن 242 لعام 1967 و338 لعام 1973 الأساس السياسي لأي تسوية تقوم على إنهاء الاحتلال، بينما أكد القرار 2334 لعام 2016 عدم شرعية الاستيطان الإسرائيلي، واعتبرهُ عقبةً أمام السلام وقيام الدولة الفلسطينية. وتؤكد اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 استمرار مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال عن السكان المدنيين، بما يعني أن أي إدارةٍ انتقالية لا تُسقط التزامات الاحتلال، ولا تغني عن إنهائه.
وتنسجم هذه المرجعيات مع اتفاقية مونتيفيديو لعام 1933 التي حددت مقومات الدولة.
وفي الحالة الفلسطينية، لا تعني الدولة سلطةً تدير الخدمات فقط، بل كياناً مستقلاً كامل السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وعاصمته القدس الشرقية، ضمن وحدةٍ سياسيةٍ وجغرافيةٍ تجمع الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، ويقوم على مؤسساتٍ شرعية، وسيادةِ قانونٍ واحدة، ويكون المواطن فيه مصدر الشرعية والسلطة.
وقد حصلت فلسطين على صفة دولةٍ مراقب غير عضو في الأمم المتحدة بموجب القرار 67/19 الصادر في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، واعترفت بها أغلبية دول العالم. غير أن هذا الاعتراف لم يتحول إلى سيادةٍ فعلية على الأرض، وهو ما يجعل الفجوة بين الشرعية القانونية والواقع السياسي إحدى أهم قضايا مرحلة ما بعد الحرب.
ويبرز سؤال المرجعية الوطنية بوصفه أحد أكثر الأسئلة تأثيراً في مستقبل المرحلة المقبلة. فما تزال منظمة التحرير الفلسطينية تحظى بالاعتراف العربي والدولي ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، غير أن التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية تجعل تطوير مؤسساتها ضرورةً لتعزيز تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات، وتجديد قدرتها على قيادة المشروع الوطني.
وفي تقديري، فإن الحفاظ على مكانة منظمة التحرير لا يتعارض مع إصلاحها، بل إن تجديد مؤسساتها يمثل مدخلاً لاستعادة ثقة الفلسطينيين، وجمع مختلف القوى السياسية تحت مرجعيةٍ وطنيةٍ واحدة، بما يحفظ التعددية ويمنع تعدد المرجعيات.
وفي المقابل، يواجه كلٌّ من السلطة الفلسطينية وحركة حماس اختباراً حاسماً. فالسلطة مطالبة بقيادة مشروع الدولة، وتوحيد المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، واستعادة ثقة المواطن. أما حركة حماس، فيرتبط مستقبلها بقدرتها على الاندماج في النظام السياسي ضمن مرجعيةٍ وطنيةٍ واحدة، والاحتكام إلى القانون وقواعد العمل الديمقراطي، بحيث يصبح التنافس بين القوى الفلسطينية تنافساً على البرامج والسياسات، لا على مصادر القوة أو مراكز القرار.
فالتعددية السياسية تعزز قوة المجتمع، أما تعدد مراكز القرار والسيادة فيقوض الدولة ويضعف مؤسساتها. ومن ثم، فإن بناء الدولة يقتضي وحدة المرجعية الوطنية مع الحفاظ على التعددية السياسية في إطار القانون.
وقد شهد عام 2026 انتقال النقاش حول «اليوم التالي» في قطاع غزة من مرحلة المبادرات إلى خطواتٍ تنفيذية، مع تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة الدكتور علي شعث، وبدء اجتماعاتها التنسيقية، وإعلان جاهزيتها لتولي إدارة القطاع متى توافرت البيئة السياسية والأمنية المناسبة، على أساس سلطةٍ واحدة، وقانونٍ واحد، ومرجعيةٍ وطنيةٍ واحدة. كما أعلنت حركة حماس حل الجهاز الحكومي المدني تمهيداً لنقل الإدارة إلى اللجنة الوطنية، مع استمرار الموظفين المدنيين في أداء مهامهم خلال المرحلة الانتقالية.
وبرز مجلس السلام إطاراً دولياً لتنسيق جهود إعادة الإعمار والإشراف على المرحلة الانتقالية بالتعاون مع اللجنة الوطنية والشركاء الدوليين. غير أن نجاحه سيبقى مرهوناً بمدى توافق الأطراف الفلسطينية والإقليمية والدولية على تنفيذ هذه المرحلة، في ظل استمرار الخلاف حول ترتيب الالتزامات الأمنية والسياسية. لذلك، فإن أي إطارٍ إداري، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن مشروعٍ سياسيٍ واضح ينتهي بإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية.
ويكتسب المرسوم الرئاسي الصادر في 9 تموز/يوليو 2026 أهميةً خاصة، بعدما دعا إلى إجراء الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026. فالانتخابات ليست غايةً بحد ذاتها، بل وسيلةٌ لتجديد الشرعية الشعبية، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وتجديد العقد السياسي بين المواطن والنظام السياسي. غير أن أثرها سيبقى مرهوناً بإجرائها ضمن نظامٍ سياسيٍ موحد يحترم نتائجها، ويضمن التداول السلمي للسلطة، ويجعل صندوق الاقتراع مصدراً للشرعية، لا سبباً لأزمةٍ جديدة.
ويبدو أن قيمة المرحلة الانتقالية لن تُقاس بطولها أو بتفاصيلها الإدارية، بل بمدى اقترابها من هدفها النهائي: بناء دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ كاملة السيادة، لا إدارة واقعٍ مؤقتٍ قد يطول أمده.
ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية. فمن الجانب الإسرائيلي، قد ترى قطاعات واسعة من اليمين أن نزع سلاح حماس يمثل إنجازاً أمنياً، لكنه لا يعني بالضرورة قبولاً بقيام دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلة. فما تزال قوى سياسية مؤثرة ترفض الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتدعم توسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، بما يقوض فرص التسوية على أساس حل الدولتين.
أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع المرحلة الراهنة ضمن رؤيةٍ أوسع لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية، تقوم على تثبيت الاستقرار، ومنع عودة المواجهة العسكرية، وتأمين مسارات التجارة والطاقة، واستكمال مشاريع التطبيع. غير أن المقاربات الأمنية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تكون بديلاً عن معالجة جذور الصراع وإنهاء الاحتلال.
ويبرز الدور العربي اليوم بصورةٍ مختلفة؛ فلم يعد مقتصراً على الدعم السياسي أو الإنساني فحسب، بل أصبح شريكاً في جهود إعادة الإعمار وتهيئة الظروف لاستقرار المرحلة الانتقالية. وتكمن أهمية هذا الدور في ربط إعادة الإعمار بمسارٍ سياسيٍ واضح يقود إلى قيام الدولة الفلسطينية، لا إلى الاكتفاء بإدارة آثار الحرب.
وفي الداخل الفلسطيني، لا ينفصل بناء الدولة عن بناء اقتصادٍ قادرٍ على الصمود. فالسيادة السياسية لا تستقيم مع اقتصادٍ يعتمد بصورةٍ دائمة على المساعدات الخارجية. لذلك، فإن تمكين الفلسطينيين من إدارة المعابر، والموارد المائية والطبيعية، وقطاع الطاقة، وتعزيز الإنتاج الوطني، يمثل أساساً لاستقلال القرار السياسي. فالسيادة لا تُقاس بالحدود فقط، بل بقدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة واستقلال.
كما أن الدولة لا تقوم بالمؤسسات وحدها، وإنما بالمجتمع الذي يمنحها الشرعية ويصونها. فالشباب، والمرأة، والجامعات، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، جميعها ركائز للدولة الحديثة، وكلما اتسعت المشاركة المجتمعية، ازدادت قدرة المؤسسات على الاستمرار وتعززت ثقة المواطن بها.
وفي المقابل، تبقى قضايا القدس، واللاجئين، والحدود، والسيادة، جوهر أي تسويةٍ مستقبلية. فهذه الملفات ليست بنوداً تفاوضية قابلةً للتجاوز، بل تمثل أساس القضية الفلسطينية. وأي ترتيباتٍ تؤجلها دون أفقٍ سياسيٍ واضح قد تحقق استقراراً مؤقتاً، لكنها لن تؤسس لسلامٍ عادل أو لدولةٍ قابلةٍ للحياة.
وتؤكد التجارب الدولية أن نجاح المراحل الانتقالية ارتبط باتفاقاتٍ سياسيةٍ شاملة، إلا أن خصوصية الحالة الفلسطينية تجعل إنهاء الاحتلال وبناء الدولة مسارين متلازمين لا يمكن الفصل بينهما. كما تقدم تجربة أوسلو الدرس الأوضح؛ فقد امتدت المرحلة الانتقالية لأكثر من ثلاثة عقود بسبب استمرار الاستيطان، وغياب الضمانات الملزمة، واختلال موازين القوى. لذلك، ينبغي أن تقترن أي ترتيباتٍ جديدة بجداولٍ زمنيةٍ واضحة، وضماناتٍ تنفيذية، وآلياتٍ للمساءلة.
ولعل أبرز دروس التجربة الفلسطينية أن المراحل الانتقالية أخفقت كلما انشغلت بإدارة الانقسام أكثر من انشغالها ببناء الدولة، وهو درسٌ ينبغي ألّا يتكرر في المرحلة المقبلة.
وتبقى المرحلة المقبلة مفتوحةً على ثلاثة احتمالات: الاول هو أن تتحول إلى فرصةٍ لإعادة بناء المؤسسات وتوحيد الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة ضمن دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلة.
والثاني أن تقتصر على تحسين الواقع الإداري والإنساني مع بقاء الاحتلال وتأجيل القضايا الجوهرية. أما الثالث فهو أن تتعثر فتعود المنطقة إلى دوامة المواجهة.
وفي تقديري، يبقى السيناريو الأول الأكثر قدرةً على تحقيق الاستقرار، لكنه يبقى مرهوناً بإرادةٍ فلسطينيةٍ موحدة، ودعمٍ عربيٍ فاعل، وضماناتٍ دوليةٍ تربط إعادة الإعمار بمسارٍ سياسي ينتهي بقيام الدولة الفلسطينية.
وربما لا يكمن الخطر الأكبر في فشل نزع السلاح، بل في نجاح إدارة الصراع دون الاقتراب من إنهاء الاحتلال، لأن ذلك قد يطيل أمد الأزمة، ويؤجل تجسيد الدولة الفلسطينية رغم كل الترتيبات الانتقالية.
غير أن نجاح أي مسار لن يتوقف على مواقف القوى الدولية والإقليمية وحدها، بل على قدرة الفلسطينيين أنفسهم على استثمار هذه اللحظة التاريخية. فالإصلاح السياسي، وتجديد الشرعية، وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتعزيز أداء السلطة الفلسطينية، وتوحيد المؤسسات، ليست ملفاتٍ متفرقة، بل حلقاتٌ في مشروعٍ واحد عنوانه بناء الدولة الفلسطينية.
فالتحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس إدارة مرحلة ما بعد الحرب، بل منعها من أن تتحول إلى مرحلةٍ انتقاليةٍ دائمةٍ بلا دولة، لأن المراحل الانتقالية تُقاس بنهاياتها، لا بطولها.
كما يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليةً لا تقل أهمية. فالدعم المالي والسياسي يكتسب قيمته عندما يقترن برؤيةٍ واضحة تنتهي بإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية، لا عندما يقتصر على إدارة الأزمات الإنسانية أو تمويل المراحل الانتقالية.
وعليه، فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يُقاس بمصير سلاح حماس وحده، ولا بعدد اللجان التي تُشكل، ولا بحجم المساعدات التي تُرصد، بل بمدى اقتراب الفلسطينيين من تحقيق هدفهم الوطني المتمثل في قيام دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ كاملة السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ضمن وحدةٍ سياسيةٍ وجغرافيةٍ تجمع الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، وتستند إلى مؤسساتٍ شرعية، وسيادةِ قانونٍ واحدة، ومشاركةٍ مجتمعيةٍ واسعة تجعل المواطن مصدر الشرعية والسلطة.
ويبقى السؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة:
هل سيكون ما بعد سلاح حماس بدايةً لبناء الدولة الفلسطينية، أم مرحلةً جديدةً في إدارة الصراع؟
فقد يكون نزع السلاح بدايةَ الطريق، لكن الدولة الفلسطينية وحدها هي القادرة على تحويل هذه اللحظة من إدارةٍ للصراع إلى بدايةٍ حقيقيةٍ لإنهائه، وتحويل المرحلة الانتقالية إلى مشروع دولة، لا إلى أزمةٍ مؤجلة.