هل نجح الاحتلال الإسرائيلي في إحلال العمالة الأجنبية محل العمالة الفلسطينية؟

2026-08-15 14:58:33

العامل الفلسطيني داخل الخط الأخضر: أثرٌ اقتصادي يتجاوز أرقام العمالة

لم يكن عدد العمال داخل الخط الأخضر والمستوطنات قبل حرب الإبادة على قطاع غزة، مجرد رقم في سوق العمل، بل كان يمثل مصدراً لنحو ثلث إجمالي دخل العمالة في فلسطين، فوفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد هؤلاء العاملين في الربع الثالث من عام 2023 نحو 178 ألفاً؛ منهم 153 ألفاً داخل الخط الأخضر و25 ألفاً في المستوطنات، وكان نحو ثلثيهم يعملون في قطاع البناء، بمتوسط أجر يومي بلغ 298 شيكلاً، أي ما يعادل المئة دولار أمريكي.

وتوضح دراسة للبنك الدولي عام 2024 أن أجور العاملين داخل الخط الأخضر كانت تتراوح بين ضعفي إلى ثلاثة أضعاف نظيرتها في الضفة الغربية، وهو ما يفسر الأثر المباشر لتوقف هذه العمالة على دخل الأسر والاستهلاك والطلب المحلي.

في المقابل، اعتمد الاقتصاد الإسرائيلي اعتماداً كبيراً على العمالة الفلسطينية في قطاعات محددة، حيث تشير بيانات بنك إسرائيل إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي كان يُشغّل قبل الحرب نحو 310 آلاف عامل غير إسرائيلي، نصفهم تقريباً من الفلسطينيين والبقية من العمالة الأجنبية، وفي قطاع البناء وحده، بلغ عدد العاملين عشية الحرب الهمجية على قطاع غزة نحو 365 ألف عامل: 224 ألف إسرائيلي، و109 آلاف فلسطيني، و32 ألف عامل أجنبي؛ أي إن الفلسطينيين شكلوا نحو 30% من عمال هذا القطاع. أما في قطاع الزراعة، فقد بلغت حصة الفلسطينيين والأجانب معاً نحو نصف العاملين فيه، وقد أدى القرار الأمني والسياسي بوقف دخول معظم العمال الفلسطينيين بعد بداية حرب 2023 إلى خلق عجز كبيرٍ في سوق العمل، لا سيما في قطاع البناء.

من تنويع مصادر العمالة إلى سياسة التعويض

عملية استقدام العمال الأجانب لم يكن سببها الرئيسي بداية الحرب على قطاع غزة؛ بل كانت ضمن خطة ممنهجة للاستغناء عن يد العامل الفلسطيني، فوفقاً لتقرير سلطة السكان والهجرة حول فاعلية الاتفاقيات الثنائية، استقدمت إسرائيل 12,810 عمال أجانب لقطاع البناء بين عام 2012 ومنتصف 2018، جاء 60% منهم من مولدوفا و30% من الصين. وفي مايو/أيار 2023، وقّعت إسرائيل اتفاقاً مع الهند لاستقدام 42 ألف عامل، منهم 34 ألفاً لقطاع البناء و8 آلاف للرعاية التمريضية، لكن وقف دخول معظم العمال الفلسطينيين غيّر حجم هذه السياسة ووظيفتها؛ فتحوّل التوسع في العمالة الأجنبية من مسار لتنويع مصادر العمالة إلى أداة لتعويض النقص الناجم عن غياب العمال الفلسطينيين وتطبيق سياسة العقاب الجماعي في آن واحد.

وقد وصف بنك إسرائيل محاولات زيادة استقدام العمال الأجانب بعد منع دخول الفلسطينيين بأنها حققت «نجاحاً جزئياً»، وأوصى بضرورة الموازنة بين العمالة الفلسطينية والأجنبية في حال استمرار الاعتماد على العمالة غير الإسرائيلية؛ فالعامل الفلسطيني يوفر مرونة أكبر ولا يترتب على تشغيله تكاليف إقامة العمال المهاجرين، بينما يمثل العامل الأجنبي بديلاً استراتيجياً عند تعذّر دخول الفلسطينيين.

أين أصبح العامل الفلسطيني في عام 2026؟

وفقاً لتقرير مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست الإسرائيلي الصادر في 8 يونيو/حزيران 2026، واستناداً إلى بيانات الإدارة المدنية، كان هناك نحو 8 آلاف فلسطيني يحملون تصاريح للعمل داخل الخط الأخضر. وفي 29 أبريل/نيسان 2026، دخل فعلياً 5,972 عاملاً، إضافة إلى 2,472 عاملاً في المناطق الحدودية. أما في المستوطنات، فبلغ سقف تشغيل العمال الفلسطينيين 35,684 عاملاً، بينما دخل فعلياً في اليوم نفسه 18,411 عاملاً، توزعوا على الصناعة (10,589)، والبناء (5,367)، والخدمات (2,360)، والزراعة (95 عاملاً).

وبذلك، بلغ عدد العمال الفلسطينيين الذين وصلوا إلى أماكن عملهم في ذلك اليوم 26,855 عاملاً، وبالمقارنة مع نحو 178 ألف فلسطيني كانوا يعملون داخل الخط الأخضر والمستوطنات في الربع الثالث من عام 2023، يتضح حجم التراجع في العمالة الفلسطينية خلال هذه الفترة.

المسار الإسرائيلي الموازي: توسيع العمالة الأجنبية

بالتوازي مع ذلك، وسّع الاحتلال الإسرائيلي حصص العمالة غير الإسرائيلية، وحددت حكومة الاحتلال سقفها لعام 2026 عند 335,874 عاملاً، بما يعادل 3.3% من عدد السكان، إلا أن هذا السقف لا يمثل عدد العمال الفعلي، إذ بقي جزء من الحصص المتاحة غير مستغل. وفي قطاع البناء، ارتفعت حصة العمال الأجانب لدى شركات التنفيذ من 12 ألف عامل قبل عام 2023 إلى 25 ألفاً في أبريل/نيسان 2026، إلى جانب حصص أخرى مخصصة لقطاعات الترميم والبنية التحتية.

الإحلال الوظيفي للعمالة الفلسطينية وتكلفته

بين التوسع في الاستقدام واستمرار الفجوة، تُظهر بيانات عامي 2025 و2026 أن التوسع في استقدام العمالة الأجنبية عوّض جزءاً من نقص العمالة الفلسطينية؛ فقد أكد تقرير بنك إسرائيل لعام 2025 أن زيادة أعداد العمال الأجانب والإسرائيليين ساهم في معالجة جانب من النقص، إلا أن إجمالي العمال غير الإسرائيليين ظل دون مستوياته السابقة، مع استمرار العجز في قطاعات حيوية، أبرزها قطاع البناء.

ويؤكد تقرير "مراقب الدولة الإسرائيلي" الصادر في 15 أبريل/نيسان 2026، بعنوان "تشغيل العمال غير الإسرائيليين قبل الحرب وخلالها"، هذه النتيجة؛ إذ فقد سوق العمل مباشرةً نحو 110 آلاف عامل غير إسرائيلي -91% منهم فلسطينيون-، فيما استمر قطاع البناء حتى يونيو/حزيران 2025 في مواجهة نقصٍ قُدِّر بنحو 37 ألف عامل رغم تسريع إجراءات الاستقدام، وتدل هذه الأرقام على أن الاحتلال الإسرائيلي نجح في تقليص فجوة العمالة من خلال الإحلال الجزئي، لكنه عجز عن تعويض الحجم السابق للعمالة الفلسطينية بالكامل.

لا تقتصر تكلفة تشغيل العامل الأجنبي على الأجر، فوفقاً لبيانات سلطة السكان والهجرة التابعة للاحتلال الإسرائيلي، التي عُرضت أمام اللجنة الخاصة للعمال الأجانب في الكنيست في يونيو/حزيران 2026، تشمل الرسوم المتعلقة بالعامل الأجنبي في قطاع البناء 1,060 شيكلاً (نحو 326 دولاراً) رسم تقديم طلب، و8,490 شيكلاً (نحو 2,612 دولاراً) رسماً سنوياً، و14,430 شيكلاً (نحو 4,440 دولاراً) رسم تصريح، إلى جانب تكاليف السكن والتأمين الصحي وإجراءات الاستقدام. كما يخضع تشغيل العمال الأجانب في القطاع لنظام «وديعة العامل الأجنبي» (Pikadon)، الذي يُلزم أصحاب العمل بإيداع مبالغ مخصصة لحقوق العامل، وتُصرف وفق الضوابط القانونية.

ويرافق التوسع في العمالة الأجنبية عبئاً إدارياً إضافياً؛ فخلال عام 2025 قُدّم أكثر من 9 آلاف طلب لجوء، نحو ثلثيها من عمال أجانب، فيما بلغ عدد الطلبات المفتوحة قيد المعالجة نحو 30 ألف طلب في فبراير/شباط 2026، وتظهر هذه البيانات أن محاولة تعويض العامل الفلسطيني لم تقتصر على استقدام عمال من الخارج، بل أضافت تكاليف والتزامات مرتبطة بالاستقدام والإقامة والتأمين والحقوق، إلى جانب إدارة أوضاع قانونية وإدارية أكثر تعقيداً.

تشير البيانات الإسرائيلية إلى أن الحكومة نجحت في تقليل اعتمادها على العمال الفلسطينيين وبناء قاعدة أكبر من العمالة الأجنبية، لكنها لم تحقق استبدالاً كاملاً، فقد استمر نقص العمال، ولم تُستغل جميع الحصص المتاحة، وبقيت العمالة غير الإسرائيلية دون مستواها السابق في بعض الفترات، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف تشغيل العمالة الأجنبية. وعليه، يمكن توصيف التجربة حتى 2026 بأنها إحلال وظيفي جزئي ومتزايد للعمالة الفلسطينية، وليس إحلالاً كاملاً ومتكافئاً من حيث العدد والتكلفة وجودة العمل.

ماذا تعني هذه القراءة التحليلية والنتائج لنا كفلسطينيين؟

فلسطينيًا، تكشف تجربة الإحلال أخطار الاعتماد الواسع على العمل داخل الخط الأخضر، إذ يمكن تقييد الوصول إلى هذا السوق بقرار سياسي أو أمني، بما ينعكس مباشرة على دخل الأسر والاقتصاد الفلسطيني. وفي المقابل، أظهر استمرار فجوة العمالة رغم التوسع في الاستقدام الأجنبي أن للعامل الفلسطيني قيمة اقتصادية تستند إلى الخبرة والقرب الجغرافي والمرونة وانخفاض تكاليف التشغيل.

وينبغي توظيف هذه القيمة في تحسين شروط العمل والأجور وضمان الحقوق الاجتماعية والتقاعدية والتعويضات، بدل اختزال المطالب الفلسطينية في زيادة أعداد التصاريح.

أما استراتيجيًا، فالمطلوب مساران متوازيان: حماية حقوق الفلسطينيين العاملين داخل الخط الأخضر، وتقليل الاعتماد التدريجي على هذا السوق من خلال خلق فرص عمل محلية والاستثمار في القطاعات الإنتاجية والتدريب المهني، لأن تقييد وصول العمال الفلسطينيين إلى أماكن عملهم يمكن أن يُستخدم أداةً للضغط والعقاب الجماعي، وهو ما يجعل استمرار فرص العمل داخل الخط الأخضر عرضة للاعتبارات السياسية والأمنية. ومن هنا، لا ينبغي أن تُبنى سياسات سوق العمل الفلسطينية على استمرار هذه الفرص، بل على تقليل أثر فقدانها على العامل والأسرة والاقتصاد الفلسطيني.