الانتخابات... بين مؤيديها ومعارضيها
لو راجعنا رأي مسار منذ تأسيسها، لوجدنا أن موضوع الانتخابات كان هو الأكثر معالجةً من بين كل الموضوعات المطروحة على الشعب الفلسطيني، وهي كثيرةٌ وتحتاج دائماً إلى معالجاتٍ وخصوصاً على مستوى الرأي.
الفلسطينيون الآن يقتربون من الموعد المحدد لإجراء انتخاباتهم التشريعية، ومع كل يومٍ يأتي يجري نقاشٌ حادٌ بين أصحاب الرأي في الساحة الفلسطينية وما أكثرهم، سواءٌ الذين يستخدمون الوسائل الإعلامية التقليدية، كالصحف والإذاعات والتلفزيون، أو الذين أنتجوا منابر خاصةً بهم من خلال ما يتوفر لهم عبر وسائل الاتصال الجماهيري التي هي الآن المنبر الأول والأكثر تأثيراً على مستوى العالم كله.
من حق أي فلسطيني أينما وجد سواءٌ كان على بعد آلاف الأميال من أرض الوطن، أو في قلبه، وسواءٌ نجا من الإبادة وعاش تحت ركام بيته أو يسكن قصراً في مكانٍ ما داخل فلسطين أو خارجها، من حق كل فلسطيني أن يقول رأياً إيجابياً أو سلبياً حول مسألة الانتخابات، وفي الواقع فإن الفلسطينيين منقسمون على هذا الأمر، منهم من يرى الانتخابات المخرج المضمون من المأزق السياسي الذي توغلّت فيه حالتهم، أي حالة الناس والقضية، ومنهم من يرى الانتخابات أقرب إلى الترف الذي لا لزوم له ما دام البلد محتلاً والناس يكابدون التنكيل الإسرائيلي في كل قريةٍ ومدينة، ويعيشون تحت الركام في قطاع غزة.
إذا ما نظرنا إلى الأمر بصورةٍ موضوعية، فإن الانتخابات التشريعية وقبلها المحلّية، وقبل الاثنتين القطاعية كالنقابات والجمعيات، فقد كانت وما تزال ضرورةً لا غنىً عنها، بل إنها ليست اختراعاً فلسطينياً فالبشرية كلها اختارت الانتخابات كوسيلةٍ لترتيب أوضاعها الداخلية منها وإنتاج برامج سياسيةٍ تلتزم بها الكيانات المسؤولة دون أن تكون البلاد وهمومها مرتبطةً بارتجالاتٍ تصل في حالاتٍ كثيرةٍ إلى الانعزال تماماً عن رغبات الشعب واحتياجاته.
إذا ما نظرنا للانتخابات على أنها المخرج الوحيد مما نحن فيه، فهذه رؤيةٌ غير موضوعية وغير دقيقة، ولكن حين نجد بديلها مزيداً من التمزّق المجتمعي ومزيداً من فشل الإدارة غير المنتخبة، ومزيداً من خلو البلاد من أبسط المسائلات الضرورية لتصويب المسارات والحد من الانهيارات، فإننا نجد الانتخابات أهم الوسائل لمعالجة هذه الأمور جميعاً دون المبالغة في تعليق الآمال على أنها المخرج الحتمي والفوري من كل شيء.
أهمية الانتخابات تكمن في عدم وجود بديلٍ لها، وقد جربنا في فلسطين التوقف عنها لسنواتٍ طويلةٍ وها نحن نرى ما نرى من تردٍ في أوضاعنا الداخلية بحيث لا رقيب ولا حسيب على إجراءات السلطة المرتجلة في الغالب، وقليلة الكفاءة دائما.
الانتخابات تقوّم ليس كما لو أننا في دولةٍ عادية، ينبغي أن تتوفر شروطٌ نموذجيةٌ لإجرائها، فنحن لسنا كذلك لأن الانتخابات في حياتنا كما كانت منذ الانتخابات البلدية التي تمّت في زمن الاحتلال وتحدياً له، وحتى الانتخابات التي جرت في عهد السلطة كانت عمليةً كفاحيةً بامتياز، فقد عززت وحدة الشعب، وصدّت رياح الاحتلال عن التأثير في المصائر، وها نحن الآن نجد أننا بأمسّ الحاجة لانتخابات عامة ليس لإقامة جمهوريةٍ فاضلة، وإنما لاستعادة وحدة الشعب وتأكيد دوره في قيادة حركته الوطنية وتحديد مستقبله.
وإذا قامت إسرائيل بكل ما لديها من وسائل لمنعها فعلينا كفلسطينيين أن نجريها في كل مكان، كعملٍ وطنيٍ يتخذ سمة التحدي والمواجهة، لا سمة المساومة وانتظار المبادرات الخارجية.
نعود لما بدأنا به، من حق أي فلسطيني أينما وجد أن يتحفظ على الانتخابات وأن يدعم تحفظه بقرائن محددة، ولكن ذلك يجب أن لا يشوّش على الحقيقة والهدف الرئيس المتوخى من الانتخابات وهو أن الرأي أولاً وأخيراً للناس، ونحن من الذين يقترحون أن يجرى استطلاعٌ شعبيٌ على سؤالٍ محدد، هل أنتم مع الانتخابات أم لا؟، وعلى ضوء الجواب نمضي قدماً في اجراء انتخابات التحدي كما فعلناها في أوقاتٍ كثيرة.