لم يعد الإصلاح ممكناً من فوق إلى تحت وإنما من تحت إلى فوق

2026-08-17 08:09:04

هناك جملة فلسطينية تتكرر منذ سنوات طويلة: نحن بحاجة إلى إصلاح.

نقولها في المؤتمرات، وفي الاجتماعات، وفي البيانات، وفي خطابات الفصائل، وفي أحاديث المسؤولين. وكلما اشتد الخلاف قلنا: نحتاج إلى إصلاح. وكلما اتسعت الفجوة بين الناس والسلطة قلنا: نحتاج إلى إصلاح. وكلما تعطلت الانتخابات، وضعفت المؤسسات، وتراجعت الثقة، خرج من يقول إن الوقت قد حان للإصلاح.

لكن السؤال الذي لا نريد أن نطرحه هو: من سيصلح من؟ ومن أين يبدأ الإصلاح؟

هنا تكمن المشكلة.

لقد جرب الفلسطينيون طويلاً فكرة الإصلاح من فوق إلى تحت. يبدأ الأمر من القيادة، ثم ينزل إلى الحكومة، ثم إلى المؤسسات، ثم إلى الموظفين، وفي النهاية يصل ــ إن وصل ــ إلى المواطن.

لكن التجربة تقول إن الإصلاح الذي ينتظر قراراً من الأعلى قد يبقى إلى الأبد في الأعلى.

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بقرار إداري، ولا بتغيير بعض الأسماء، ولا بإعادة توزيع المناصب، ولا بتشكيل لجنة جديدة تحمل اسم الإصلاح.

الإصلاح يبدأ عندما يصبح المواطن قادراً على أن يقول للمسؤول: أنت تعمل عندي، ولست مالكاً للمكان الذي تشغله.

هذه هي المعادلة التي يجب أن تتغير.

لسنوات طويلة، كان المواطن الفلسطيني ينتظر أن تصل إليه الديمقراطية من فوق، وأن تأتيه الشفافية من فوق، وأن تأتيه المحاسبة من فوق، وأن تأتيه الانتخابات من فوق.

ربما آن الأوان لكي نعكس الاتجاه.

من تحت إلى فوق.

من الناس إلى المؤسسات، ومن المؤسسات إلى الأحزاب، ومن الأحزاب إلى القيادة.

فلا يمكن أن نطلب من مجتمع فقد ثقته بالمؤسسات أن يثق بلجنة إصلاح جديدة، ولا يمكن أن نطلب من جيل كامل أن يؤمن بالديمقراطية بينما يرى أبواب القرار مغلقة أمامه.

الإصلاح ليس أن نغير الوزير ونبقي العقلية نفسها.

وليس أن نغير المدير ونبقي النظام نفسه.

وليس أن نكتب قانوناً جديداً ونبقي طريقة تطبيق القانون كما هي.

الإصلاح الحقيقي هو أن يتغير ميزان العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين المسؤول والمواطن، وبين المؤسسة ومن يفترض أن تخدمه.

ولذلك فإن البداية يجب أن تكون من القاعدة.

من الجامعات والنقابات والبلديات والمجالس المحلية والاتحادات والهيئات المهنية والمؤسسات الأهلية، ومن كل مساحة يستطيع فيها المواطن أن يمارس حقه في الاختيار والمحاسبة.

إذا نجحنا في بناء مؤسسة صغيرة لا يستطيع رئيسها أن يتصرف فيها كأنها ملك شخصي، فنحن نكون قد بدأنا الإصلاح.

إذا نجحنا في انتخابات نقابية نزيهة، فقد بدأ الإصلاح.

إذا أصبح رئيس البلدية يعرف أن المواطن يستطيع محاسبته، فقد بدأ الإصلاح.

إذا عرف الطالب أن صوته في الجامعة له قيمة، وأن النقابة ليست واجهة لحزب، وأن الجمعية ليست مزرعة لشخص، وأن المال العام ليس غنيمة، فقد بدأ الإصلاح.

ومن هنا يصعد الإصلاح إلى الأعلى.

ليس العكس.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن تغيير الأشخاص من دون تغيير القواعد لا يصنع تغييراً حقيقياً.

قد يأتي مسؤول نظيف إلى مؤسسة فاسدة، فيجد أن المؤسسة أقوى منه.

وقد يأتي شخص كفؤ إلى موقع ضعيف، فيكتشف أن شبكة المصالح أقوى من القانون.

وقد يأتي خطاب جميل عن الديمقراطية، ثم تصطدم الديمقراطية بأول سؤال حقيقي: من يملك حق الاختيار؟ ومن يملك حق الاعتراض؟ ومن يملك حق المحاسبة؟

لهذا فإن القضية ليست في الأشخاص وحدهم.

القضية في النظام الذي يسمح للأشخاص بأن يصبحوا أكبر من المؤسسات.

نحن بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار للمؤسسة.

فلا فتحاوي فوق المؤسسة، ولا حمساوي فوق المؤسسة، ولا يساري فوق المؤسسة، ولا مسؤول فوق المؤسسة، ولا قائد فوق القانون.

والمؤسسة التي يحكمها الأشخاص ليست مؤسسة.

والحزب الذي لا يحتمل النقد ليس حزباً ديمقراطياً.

والسلطة التي تخاف من المواطن لا تستطيع أن تقنعه بأنها جاءت لخدمته.

ربما يكون أصعب شيء في الإصلاح الفلسطيني هو أن نعترف بأن الإصلاح لن يأتي هذه المرة من أصحاب القرار وحدهم.

قد يأتي الضغط من الشارع، ومن المجتمع، ومن الصحفي، ومن الأكاديمي، ومن الموظف، ومن النقابي، ومن الشاب الذي يقول: لا أريد أن أرث الأزمة كما ورثها أبي.

هذا الجيل لا يريد أن يسمع مزيداً من الخطب عن الوحدة والإصلاح والديمقراطية.

هذا الجيل يريد أن يرى انتخابات.

يريد أن يرى قانوناً يطبق على الجميع.

يريد أن يعرف أين تذهب الأموال.

يريد أن يعرف لماذا يترقى شخص ويتوقف آخر.

يريد مؤسسة لا تحتاج فيها إلى واسطة كي تحصل على حقك.

ويريد أن يعرف أن صوته يمكن أن يغيّر شيئاً.

وهنا تحديداً تبدأ المعركة الحقيقية.

معركة تحويل المواطن من متلقٍ إلى شريك.

ومن الشريك إلى صاحب قرار.

ومن صاحب القرار إلى صاحب سلطة رقابية على من انتخبه.

عندها فقط يصبح الإصلاح مشروعاً وطنياً وليس مجرد ترتيبات داخلية بين النخب.

لقد حان الوقت لكي نفهم أن المجتمع الفلسطيني ليس مجرد جمهور ينتظر ما تقرره القيادة.

الشعب الفلسطيني هو أصل الشرعية.

وإذا كانت الشرعية تأتي من الناس، فإن الإصلاح يجب أن يبدأ من الناس أيضاً.

من تحت إلى فوق.

ربما لن يكون الطريق سهلاً.

وربما سيقاومه أصحاب المصالح.

وربما سيقال إن الظروف ليست مناسبة، وإن الاحتلال موجود، وإن الانقسام قائم، وإن الأولوية للمواجهة، وإن الإصلاح يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الأزمة.

لكن السؤال هو: متى تنتهي الأزمة؟

وهل هناك شعب يعيش تحت الاحتلال يستطيع أن يتحمل أيضاً أزمة داخلية دائمة في مؤسساته؟

الوطنية ليست أن نسكت عن الخطأ خوفاً من أن يستفيد منه الخصم.

الوطنية أن نصلح بيتنا لأننا نريد لهذا البيت أن يبقى.

والقوة ليست في إخفاء العيوب.

القوة في امتلاك الشجاعة لعلاجها.

لذلك، فإن الإصلاح الفلسطيني اليوم لا يحتاج إلى مزيد من اللجان بقدر ما يحتاج إلى إرادة اجتماعية.

لا يحتاج إلى خطاب جديد بقدر ما يحتاج إلى قواعد جديدة.

ولا يحتاج إلى أسماء جديدة فقط، بل إلى علاقة جديدة بين المواطن والمؤسسة.

لقد جربنا الإصلاح من فوق إلى تحت.

والنتيجة معروفة.

الآن ربما آن الأوان أن نجرب الطريق الآخر: من تحت إلى فوق.

فإذا لم يستطع المواطن أن يغيّر المؤسسة الصغيرة، فلن يستطيع تغيير المؤسسة الكبيرة.

وإذا لم نستطع بناء ديمقراطية في النقابة والجامعة والبلدية والحزب، فلن نستطيع بناء ديمقراطية في الوطن كله.

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ عندما يعلن عنه المسؤول.

الإصلاح يبدأ عندما يقرر المواطن أنه لن يقبل بعد اليوم أن يكون مجرد متفرج.

ومن هنا يبدأ الطريق.

من الناس.

من القاعدة.

من تحت…

ثم يصعد إلى فوق.